بعد مغادرة دول الساحل لمنظمة الفرنكوفونية.. كيف تُعزز روسيا تمددها في الفراغ الفرنسي؟

أبريل 22, 2025

إعداد – نهى أحمد عبد الرحمن أبو العنين

باحثة دكتوراة في الشؤون الأفريقية – جامعة القاهرة

جاءت الزيارة الأخيرة  لوزراء خارجية كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى موسكو في الرابع من الشهر الجاري(1) بعد أسبوعين فقط من إعلان الدول الثلاث انسحابها من المنظمة الدولية للفرنكفونية، والتي اعتبروا أن سياستها تؤدي إلى تجاهل سيادة دول المنظمة، وتخدم الاعتبارات الجيوسياسية لفرنسا(2)،  وهو ما يدفع إلى التساؤل حول دلالات تلك الزيارة، وما تمثله من أهمية لدول الساحل، خاصة أنها جاءت عقب الانسحاب من المنظمة الدولية للفرنكفونية، وانعكاسه على النفوذ الروسي في المنطقة.

دوافع وتداعيات انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المنظمة الدولية للفرنكفونية

أعلنت مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي ثلاث دول أعضاء في تحالف دول الساحل، انسحابها من المنظمة الدولية للفرنكفونية، وذلك في شهر مارس الماضي، وجاء القرار بالانسحاب على إثر تدهورالعلاقات بين فرنسا ودول الساحل، وإعادة التنظيم الإقليمي، والتحديات المتزايدة للنظام الدولي القائم والمبادرات متعددة الأطراف، والتي لا تزال تتشكل إلى حد كبير. وجاء قرار الانسحاب مدفوعًا باعتبارات سيادية في المقام الأول؛ فعقب انقلاب يوليو 2023 في النيجر، دعت المنظمة الدولية للفرنكوفونية إلى العودة السريعة للنظام الدستوري وإطلاق سراح السيد بازوم، المحتجز مع زوجته في القصر الرئاسي منذ الانقلاب؛ ما دفع الجنرال تياني إلى إيقاف تعاونه مع المنظمة. كذلك بررت مالي انسحابها من المنظمة نظرًا لعدم دعم المنظمة لمالي في تحقيق التطلعات المشروعة لشعبها، إضافة إلى الانتقائية في تطبيق العقوبات وعدم احترام السيادة بها.

كما رفضت الاستمرار في عضوية منظمة رأت أن أفعالها تتعارض مع المبادئ الدستورية التي توجه العمل العام في مالي، وهي سيادة الدولة، والخيارات السيادية للشعب والدفاع عن مصالحها . وبناءً على ذلك، تتهم الدول المنظمة الدولية للفرانكوفونية بتطبيق معايير مزدوجة.

  كذلك جاء الانسحاب من المنظمة نظرًا لقربها من فرنسا، فهي واحدة من الداعمين الماليين الرئيسيين لها، وكعضو في المجلس الدائم للفرنكفونية كما تستضيف باريس مقرها الرئيسي، والمؤتمر الوزاري للفرنكفونية (CMF)، وتشارك في قمة رؤساء الدول، وهو ما يغذي الإرث المستمر Françafrique . في حين أنه من الصحيح أن فرنسا دعمت محاولة المرشح الرواندي ضد المرشح الكندي الحالي ميخائيل جان من أجل تعزيز علاقات أوثق مع رواندا بول كاغامي. وعلى الرغم من أن المنظمة تضم أكثر بكثير من مجرد فرنسا والدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية. غير أنه لا يمكن إنكار أن المنظمة الدولية للفرنكوفونية تعاني نقصًا في الهوية الواضحة فيما يتعلق بمهمتها (3).

وتبع الخروج من المنظمة الدولية للفرنكوفونية تحولات عميقة في علاقة مالي باللغة الفرنسية ففي يوليو 2023 أصبحت اللغة الفرنسية لغة العمل  بدلًا من اللغة الرسمية للبلاد، وذلك بموجب دستور جديد. أيضًا قامت مالي بإعادة تسمية عدة شوارع في باماكو كانت مسماة في السابق بأسماء شخصيات استعمارية فرنسية سابقًا، ما يعني الابتعاد بشكل منهجي عن النفوذ الفرنسي، وذلك في ديسمبر 2024 .

كما قامت النيجر بإجراءات مماثلة، وجاء القرار بعد انسحاب الدول الثلاث في يناير 2024 من الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) والتي اتهموها بالخضوع لفرنسا، وأصبح هذا القرار فعالًا في يناير 2025 . وعلى الرغم من محاولات وساطة قادة غرب أفريقيا، بما في ذلك الزيارات الأخيرة التي قام بها الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما إلى الدول الثلاث، حافظ التحالف الساحلي على موقفه من السيادة وواصل إعادة تنظيمه السياسي بعيدًا عن النفوذ الفرنسي (4).

وعقب الانسحاب، الذي تبعه توترات متزايدة بين هذه الدول وفرنسا، لجأ القادة في منطقة الساحل إلى روسيا، فبعد قطع العلاقات مع فرنسا والشركاء الأوروبيين، أصبحت هذه الدول التي يقودها الجيش، أقرب بشكل متزايد إلى موسكو(5)؛ نظرًا للإدانة المستمرة من جانب المنظمة للأنظمة العسكرية على خلاف الأنظمة الديمقراطية؛ فعلى سبيل المثال، في حالات التلاعب الانتخابي أو العبث الدستوري يتم اعتبار الأنظمة العسكرية أكثر إدانة أو أقل تمثيلًا للسيادة الشعبية من غيرها التي تعتبرها المنظمة أنظمة ديمقراطية.

كما يمكن الإشارة إلى الانقلابات الدستورية في كوت ديفوار (2020)، ومؤخرًا توغو، أو حكم بول بيا المستمر منذ عقود في الكاميرون أو ديني ساسو نغيسو في الكونغو. ستواجه المنظمة الدولية للفرانكوفونية بلا شك في السنوات القادمة تساؤلات متعلقة بالانتقائية في الإدانة أو فرض العقوبات. في حين أنه لا يمكن ضمان التزام الدول  بالديمقراطية بخلاف مجرد الخطاب؛ فالديمقراطية وسيادة القانون لا بد أن ينبثقا من العمليات الداخلية، لا أن يتم فرضهما من الخارج أو بحسب المعايير الغربية .

حتى لو قلل البعض من شأن رحيل الدول الثلاث من تحالف دول الساحل (AES)إلا أنه يثير قضايا أساسية لم يعد بإمكان المنظمة الدولية للفرانكوفونية تجاهلها؛ فمصداقية مهمتها السياسية وقابليتها للبقاء على المدى الطويل على المحك(6).

تعزيز الوجود الأمني الروسي في منطقة الساحل الأفريقي

كان اجتماع وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر في موسكو مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف جزءًا من تحالف دول الساحل الجديد (AES) الذي بدأ العمل به في يناير من هذا العام، وأعلن خلاله لافروف أن روسيا مستعدة “للمساعدة في بناء قدرات القوات المشتركة لدول الساحل، وتعزيز استعدادها القتالي، وكذلك استعداد القوات المسلحة الوطنية لكل من الدول الثلاث، وفي تدريب الأفراد العسكريين وضباط إنفاذ القانون”. إضافة إلى أن إنشاء قوة مسلحة موحدة لدول الساحل الثلاث سيكون بجانب الجهود الثنائية القائمة لتعزيز التعاون الدفاعي، وكما أن المساعدة الروسية ستشمل دعم الأولويات الاستراتيجية الأوسع للتحالف، بما في ذلك التنمية الاقتصادية والعمليات الدبلوماسية(7). فعقب الانسحاب من المنظمة الدولية للفرنكوفونية اقتربت دول AES أكثر من روسيا والصين؛ حيث قامت عناصر من شركة Wagner  العسكرية الخاصة (PMC) ، التي تعمل الآن تحت اسم “فيلق أفريقيا” تحت إشراف GRUجهاز المخابرات العسكرية الروسي، بالمساعدة في حماية القادة العسكريين الحاكمين في مالي، وتشارك بعض هذه القوات بشكل مباشر في العمليات إلى جانب قوات الدفاع والأمن الوطنية(8).

وتسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في المنطقة من خلال ترسيخ علاقاتها الاستراتيجية مع المجالس العسكرية في منطقة الساحل. وعملت روسيا على تعزيز حضورها العسكري في مالي والنيجر بحلول عام 2025، مع توسيعها لفيلق أفريقيا التابع لوزارة الدفاع الروسية، ودخلت قوافل كبيرة من الإمدادات العسكرية الروسية إلى مالي عبر غينيا في عام 2025. ومن الممكن أن يكون هذا التعزيز جزءًا من جهود الكرملين لترسيخ سيطرة الجيش الروسي في مالي تحت مظلة فيلق أفريقيا. كذلك التقى نائب وزير الدفاع الروسي ورئيس فيلق أفريقيا الفعلي يونس بك يفكوروف مع زعيم المجلس العسكري المالي أسيمي جويتا ووزير الدفاع المالي ساديو كامارا خلال زيارة إلى مالي في مارس 2025(9).

وتقوم روسيا بمضاعفة نفوذها في المنطقة من خلال تشديد سيطرتها على العديد من دول الساحل، وتبحث عن شركاء جدد أبعد من ذلك، وهي استراتيجية يمكن أن تضعها ضد القوى العالمية الأخرى. فبعد وصول المعدات العسكرية والمستشارين الروس، قامت مئات التظاهرات في نيامي للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية. وتُعد النيجر هي مركز العمليات الأمريكية في غرب وشمال أفريقيا منذ أن وقع البلدان على اتفاق عسكري في عام 2012. ونتيجة لذلك أعلنت الولايات المتحدة أنها ستسحب أكثر من 1000 فرد عسكري من النيجر؛ ما سيؤدي إلى إغلاق 201 قاعدة، وهي منشأة أمريكية بدون طيار تم استخدامها في العمليات ضد الجماعات الإرهابية .

وتحولت دول منطقة الساحل، وهي منطقة تمتد من السنغال إلى البحر الأحمر، نحو روسيا للحصول على مساعدة أمنية في السنوات الأخيرة في مواجهة تزايد عدم الاستقرار الإقليمي؛ حيث تدعم بوركينا فاسو والقوات المسلحة المالية في قتالهم ضد الجماعات المتمردة. (10)

وتتعامل روسيا مع دول في أفريقيا عسكريًا وأيضًا من خلال توفير الحوافز الدبلوماسية لجذب واستبقاء الشركاء في القارة؛ حيث يوفرWagner في الغالب المساعدة الأمنية للحكومات المحلية، ويعمل على تقديم القوات والأسلحة والتدريب والاستشارات السياسية. في المقابل، تستفيد من الوصول إلى الصناعات المحلية والموارد الطبيعية(11)، كما قامت روسيا بإبرام اتفاقية الاتصالات والاستشعار عن بُعد عبر الأقمار الصناعية المبرمة مؤخرًا مع تحالف دول الساحل AES، بالإضافة إلى اتفاقية الأقمار الصناعية مع النيجر، وذلك تأكيدًا لنفوذ روسيا المتنامي في منطقة الساحل. (12)

وبالرغم من الحرب الروسية – الأوكرانية منذ عام ٢٠٢٢ إلا أن النفوذ الروسي في منطقة الساحل الأفريقي لم يتراجع، بل آخذ في التصاعد حيث تُصوّر روسيا نفسها بشكل مختلف لتلك الدول، وهو ما زاد من اهتمام روسيا بمنطقة الساحل لحرصها على الحفاظ على حلفائها في أفريقيا(13)، وتمتد المصلحة الاستراتيجية الأوسع لروسيا في المنطقة إلى سعيها لاستخراج الذهب؛ كما أن الوجود الروسي مدفوع باحتياطيات اليورانيوم في النيجر أيضًا، والتي كانت فرنسا تستثمر فيها بشكل رئيسي.

في يونيو 2024 سحبت الحكومة النيجيرية ترخيص شركة أورانو الفرنسية المملوكة للدولة لاستغلال منجم إيمورارين لليورانيوم، أحد أكبر احتياطيات اليورانيوم في العالم. ودعا وزير التعدين النيجري، عثمان أبارشي، روسيا إلى الاستثمار في اليورانيوم النيجري والصناعات الاستخراجية الأخرى(14)، ومن ثم تسعى روسيا للاستحواذ على أصول اليورانيوم الفرنسية في النيجر، وهو ما يفسر التوجه من جانب دول منطقة الساحل الأفريقي نحو الانسحاب من التكتلات التي يهيمن عليها النفوذ الفرنسي والتوجه نحو روسيا؛ حيث تسعى روسيا لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب فرنسا من بعض دول الساحل الأفريقي نتيجة للتوتر المتزايد بين فرنسا ودول تلك المنطقة .

 وختامًا، فإن انسحاب كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المنظمة الدولية للفرنكفونية أدى لمزيد من التنازل عن النفوذ الفرنسي في دول منطقة الساحل لصالح روسيا، وهو ما عكسته زيارة وفد الدول الثلاث إلى موسكو، حيث تقدم روسيا نفسها باعتبارها شريكًا أمنيًّا، فالأنظمة الحاكمة (العسكرية) في دول الساحل الأفريقي تواجه ضغوط خارجية وداخلية تهدف إلى تخليها عن السلطة، كما تؤثر في قدرة تلك الدول على تأمين الموارد، وهو ما تعمل موسكو على توفيره عبر نشر قوات تابعة لها في المنطقة. ومن ثم مثل القرار الذي اتخذته دول الساحل الأفريقي بالانسحاب من المنظمة الدولية للفرنكوفونية إعادة تنظيم جيوسياسي كبيرعلى المستويين الإقليمي والدولي .

___________________________________________

(1) Russia hosts top diplomats from Sahel countries for talks on boosting security ties , The Associated Press , April 3, 2025 . https://apnews.com/article/russia-sahel-lavrov-ukraine-security-terrorism-99dca1fda825068713f5236c8626f81b

(2) Pavan Kulkarni , Mali, Burkina Faso, and Niger withdraw from International Organization of La Francophonie , 25.Mar.2025. https://www.brasildefato.com.br/2025/03/25/mali-burkina-faso-and-niger-withdraw-from-international-organization-of-la-francophonie/

(3) Caroline Roussy , The OIF in the Face of Mali, Niger and Burkina Faso’s Withdrawal: A Challenge to the Established International Order?, nstitute for International and Strategic , 3 April 2025 . https://www.iris-france.org/en/111856/

(4) Adil Faouzi , Mali Follows Niger, Burkina Faso in Leaving Francophonie Organization , morocco world news , Mar, 19, 2025 . https://www.moroccoworldnews.com/2025/03/185707/mali-follows-niger-burkina-faso-in-leaving-francophonie-organization/

(5) Mali withdraws from the International Organisation of La Francophonie , Africa news , Mar, 19, 2025 . https://www.africanews.com/2025/03/19/mali-withdraws-from-the-international-organisation-of-la-francophonie/

(6) Adil Faouzi , Mali Follows Niger, Burkina Faso in Leaving Francophonie Organization , op,cit.

(7) Russia To Arm The Sahel Nations As Ukraine Conflict Spills Over Into Afric , Russia’s Pivot to Asia , April 5, 2025 . https://russiaspivottoasia.com/russia-to-arm-the-sahel-nations-as-ukraine-conflict-spills-over-into-africa/

(8) Adil Faouzi , Mali Follows Niger, Burkina Faso in Leaving Francophonie Organization , op,cit.

(9) Liam Karr, Yale Ford, Jean-Philip Banane , Africa File, April 3, 2025: Russia-Sahel Summit; Sahelian Juntas Target Chinese Mining; M23 Loses Walikale But Uganda Leaves Vacuum in North Kivu , ISW Press , Apr 3, 2025 . https://www.understandingwar.org/backgrounder/africa-file-april-3-2025-russia-sahel-summit-sahelian-juntas-target-chinese-mining-m23

(10) Ezenwa E. Olumba  and john Sunday Ojo , Russia has tightened its hold over the Sahel region – and now it’s looking to Africa’s west coast , The Conversation Africa , April 29, 2024 . https://theconversation.com/russia-has-tightened-its-hold-over-the-sahel-region-and-now-its-looking-to-africas-west-coast-228035

(11) Mariel Ferragamo , Russia’s Growing Footprint in Africa , Council on Foreign Relations , December 28, 2023 . https://www.cfr.org/backgrounder/russias-growing-footprint-africa

(12) Julia Jose Thachil , Russia’s Growing Engagement with the Alliance of Sahel States , 22 January 2025 . https://www.icwa.in/show_content.php?lang=1&level=1&ls_id=12289&lid=7490

(13) Olayinka Ajala , Scramble for the Sahel – why France, Russia, China and the United States are interested in the region , January 8, 2024 . https://theconversation.com/scramble-for-the-sahel-why-france-russia-china-and-the-united-states-are-interested-in-the-region-219130

(14) After The Fall Russian Influence On Africa’s Illicit Economies Post-Wagner , Global Initiative Against Transnational Organized Crime  , February 2025 , p 35 . https://globalinitiative.net/wp-content/uploads/2025/02/After-the-fall-Russian-modes-of-influence-in-Africa-post-Wagner-GI-TOC-February-2025.v3.pdf