بائع مفكات أشعل السماء.. كيف بدأت غارات نيجيريا؟

يناير 31, 2026

كتبت – أسماء حمدي
في أحد الأسواق الشعبية الصاخبة جنوب شرق نيجيريا، حيث تختلط رائحة الحديد بزحام العربات والباعة الجائلين، لم يكن أحد يتخيّل أن متجرًا صغيرًا لبيع المفكات والمفاتيح سيقود، بشكل غير مباشر، إلى غارات جوية أمريكية.
القصة تبدأ من رجل مجهول خارج دوائر النفوذ، وتنتهي بقرارات عسكرية اتُّخذت في واشنطن، مرورًا بسردية دينية مثيرة للجدل تبنّاها سياسيون أمريكيون. هنا لا نتتبع فقط مسار الأفكار من السوق إلى السماء، بل نحاول تفكيك كيف يمكن لبحث غير دقيق، قائم على افتراضات ومصادر ثانوية، أن يصنع واقعًا سياسيًا جديدًا لبلد هشّ مثل نيجيريا.

بائع مفكات خارج الظل
في سوق بمدينة أونيتشا، المركز التجاري الحيوي لجنوب شرق نيجيريا، يمتلك إيميكا أومياجبالاسي متجرًا متواضعًا لبيع المفكات والمفاتيح. رجل قصير القامة، غالبًا ما يُرى بسماعة أذن واحدة، يشق طريقه بين الحشود ليصل إلى متجره الصغير. ظاهريًا، لا يميّزه شيء عن مئات الباعة الآخرين.
لكن خلف هذه الواجهة، يقدم أومياجبالاسي نفسه بوصفه ناشطًا حقوقيًا وباحثًا أمنيًا، أسس عام 2008 منظمة تحمل اسم «الجمعية الدولية للحريات المدنية وسيادة القانون»، ويديرها من منزله. هذه المنظمة، رغم محدودية حضورها الميداني، أصبحت مصدرًا لبيانات استشهد بها مشرعون أمريكيون بارزون.


رواية تصل إلى واشنطن
خلال الأشهر الماضية، بدأ سياسيون جمهوريون في الولايات المتحدة بتكرار أرقام وتحذيرات مصدرها أبحاث أومياجبالاسي، تتحدث عن «مذبحة ممنهجة» بحق المسيحيين في نيجيريا. السيناتور تيد كروز، والنائبان رايلي مور وكريس سميث، استشهدوا بتقاريره لتبرير ضرورة التدخل الأمريكي.
وبعد تصاعد هذه السردية، شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غارات جوية على نيجيريا يوم عيد الميلاد، في خطوة فُسرت على أنها رد مباشر على ما قُدم له من معلومات حول استهداف المسيحيين. بالنسبة لأومياجبالاسي، كان هذا التطور أشبه بتصديق سماوي لما يروّج له منذ سنوات.


أرقام ضخمة بلا تحقق
يؤكد أومياجبالاسي أنه وثّق مقتل 125 ألف مسيحي في نيجيريا منذ عام 2009. رقم صادم، لكنه يقرّ بنفسه بأنه غالبًا لا يتحقق من البيانات. اعتمد، بحسب اعترافه، على مصادر ثانوية: تقارير إعلامية محلية، منظمات ضغط مسيحية، وعمليات بحث عبر جوجل، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
في بلد مثل نيجيريا، حيث تمتد مساحات شاسعة من الريف النائي، لا توجد إحصاءات حكومية دقيقة عن أعداد القتلى أو دياناتهم. كثير من الهجمات تمرّ دون تسجيل رسمي، ما يجعل أي أرقام شاملة عرضة للتشكيك. باحثون يؤكدون أن العنف هناك عابر للهويات الدينية، ويطال المسلمين والمسيحيين معًا في ظل ضعف الدولة.


افتراض الديانة بدل توثيقها
منهجية أومياجبالاسي تقوم على افتراضات جغرافية، فإذا وقع هجوم في منطقة يُعتقد أن غالبية سكانها مسيحيون، يفترض أن الضحايا مسيحيون. وإذا وقع في منطقة ذات أغلبية مسلمة، يرجّح العكس، وفقًا للصحيفة.
ضرب مثالًا بولاية بورنو، معقل تمرد بوكو حرام، قائلاً إن الهجمات في جنوبها تعني غالبًا سقوط مسيحيين.
لكن تقارير مستقلة تؤكد أن معظم ضحايا بوكو حرام هم من المسلمين. هذا التناقض يفتح الباب أمام اتهامات بالتلاعب أو التبسيط المخلّ لصراع شديد التعقيد.
حادثة التلميذات المختطفات
بلغ الجدل ذروته مع حادثة اختطاف 25 تلميذة في ولاية كيبي، ووفق مدير المدرسة ومسؤولين محليين، جميع الفتيات مسلمات، لكن أومياجبالاسي أصرّ على أن «أغلبهن مسيحيات»، وذهب أبعد من ذلك باتهام الحكومة النيجيرية بتغيير ديانتهن وإعطائهن أسماء إسلامية «لتضليل الناس».
وزارة الخارجية النيجيرية نفت هذه الادعاءات بشدة، ووصفت أبحاثه بأنها مليئة بالمغالطات والتحيز.


خطاب يتجاوز البحث
لم تتوقف الانتقادات عند الأرقام، أومياجبالاسي وصف جماعة الفولاني، وهي مجموعة عرقية تضم عشرات الملايين، معظمهم مسلمون، بـ«الحيوانات»، ودعا إلى حصرهم في ولاية واحدة.
هذا الخطاب، الذي تبنته أيضًا بعض المنظمات الإنجيلية الأمريكية، اعتبره باحثون دعوة صريحة للتطهير العرقي، بحسب “نيويورك تايمز”.
منظمات مثل «حقيقة نيجيريا»، التي أسسها مبشر إنجيلي أمريكي، تُعد من أبرز مصادر أومياجبالاسي، وغالبًا ما تُصوّر النزاعات الرعوية والاقتصادية على أنها صراع ديني بحت.
تشكيك أكاديمي وكنسي
نامدي أوباسي، مستشار نيجيريا في مجموعة الأزمات الدولية، وصف منهجية «إنترسوسايتي» بأنها «غير دقيقة تمامًا»، معتبرًا أن الأرقام الواردة فيها لا تعكس الواقع.
حتى داخل الأوساط المسيحية، برزت أصوات ناقدة. المطران ماثيو حسن كوكاه، أسقف سوكوتو، قال إن التركيز على هوية الضحايا الدينية يحجب القضية الأهم: دولة ضعيفة، عاجزة عن حماية مواطنيها بغض النظر عن دينهم.
غرفة معيشة تصنع سردية
في منزله، حيث تُغطَّى الجدران بالأخضر والأسود، ويحيط به ركام من الأوراق واللوحات التذكارية، يواصل أومياجبالاسي كتابة تقاريره.
يقول إن 20 ألف كنيسة دُمرت خلال 16 عامًا، وإن عدد الكنائس في نيجيريا يبلغ 100 ألف. وحين يُسأل عن مصدر الرقم الأخير، يجيب بلا تردد: «بحثت عنه في جوجل».
هذه البساطة في إنتاج الأرقام تقف على النقيض من أثرها السياسي العميق، حين تُنقل دون تدقيق إلى دوائر صنع القرار.


ما بين التضليل والسياسة
القصة، في جوهرها، ليست عن بائع مفكات فقط، بل عن قابلية السياسة الدولية للتأثر بسرديات غير مدققة حين تتقاطع مع أجندات أيديولوجية.
في نيجيريا، حيث يتداخل الدين بالعرق بالاقتصاد، يصبح اختزال العنف في بعد ديني واحد خطرًا مضاعفًا.
وبينما تستمر الغارات والأسئلة، يبقى السؤال الأكبر: “كيف يمكن لمنظومة صنع القرار العالمي أن تميّز بين البحث الرصين والرواية المُسيّسة، قبل أن تتحول أرقام على شاشة حاسوب إلى نيران في سماء بلد بعيد؟”.