إعداد. أحمد ياسر عبد العظيم
باحث سياسي
في الساعات الأولى من فجر الخميس التاسع والعشرين من يناير 2026، دوّت انفجارات متتالية وعمليات إطلاق نار مكثفة في محيط مطار ديوري حاماني الدولي بالعاصمة النيجرية نيامي. كان الهجوم مباغتًا، واستمرت المعارك ما يقرب من ساعتين، قبل أن تُسيطر قوات الأمن النيجرية، بمساندة الجنود الروس المرابطين في القاعدة الجوية 101 المجاورة، على الموقف. وعلى الرغم من أن المعركة الميدانية انتهت بصد الهجوم وإعلان مقتل عشرين مسلحًا واعتقال أحد عشر آخرين، فإن تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية لا تزال تتشعب وتتصاعد.
أعلن تنظيم الدولة الإسلامية ولاية الساحل (ISSP) مسؤوليته عن الهجوم في اليوم التالي مباشرة، غير أن الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس العسكري الحاكم، لم يكتفِ بهذا التوصيف؛ إذ وجّه اتهامات صريحة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسَي بنين وكوت ديفوار، بالتورط في دعم الهجوم والتخطيط له، وهي اتهامات نفتها باريس والعواصم الأفريقية المعنية جملةً وتفصيلًا.
تتشابك في هذا الحادث خيوط متعددة يصعب فصلها: أزمة يورانيوم بمليار دولار تكتنزها مستودعات المطار في ظروف بالغة الهشاشة، وصراع نفوذ إقليمي ودولي متصاعد بين روسيا وفرنسا والولايات المتحدة على رقعة الساحل الأفريقي، وتحول استراتيجي خطير في أسلوب الجماعات الجهادية التي باتت تطرق أبواب العواصم، فضلًا عن مجلس عسكري يرزح تحت وطأة العزلة الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية والأمنية المتزاحمة. هذه الدراسة تسعى إلى تشريح هذه الأبعاد المتداخلة، وتقييم مآلاتها المحتملة.
أولا: المشهد الميداني – تشريح الهجوم
1. الأهمية الاستراتيجية للهدف
لم يكن اختيار مطار نيامي الدولي هدفًا للهجوم محض صدفة، بل جاء انتقاءً حسابيًا دقيقًا لأكثر المواقع حساسية في البلاد. فالمطار، الواقع على بُعد نحو عشرة كيلومترات من مجمع الرئاسة، لا يمثّل بوابةً مدنية فحسب، بل يجمع في نقطة واحدة مركز القوة الجوية النيجرية (القاعدة 101)، وقاعدة الطائرات المسيّرة الجديدة المزودة بطائرات تركية الصنع، ومقر القيادة المشتركة لقوات تحالف دول الساحل (بوركينا فاسو ومالي والنيجر)، ومرابط القوات الروسية والإيطالية العاملة في إطار الاتفاقيات الثنائية. يُضاف إلى ذلك أن مستودعات المطار تحتضن أكثر من ألف طن من كعكة اليورانيوم الصفراء، المنقولة من منجم أرليت ذي الحضور الفرنسي التاريخي.
إن ضرب هذا الموقع بعينه يعني ضرب الكثافة الأمنية والتنسيق العسكري الإقليمي والقدرات الاستخباراتية الحديثة في آنٍ واحد. وهو ما يكشف عن ذكاء تشغيلي متطور لدى منفذي الهجوم، أيًا كانت انتماءاتهم.
2. مجريات الهجوم وردة الفعل
بدأت العملية بُعيد منتصف الليل مباشرةً، حين اخترق مسلحون نفذوا إلى داخل المنطقة الأمنية للمطار، وانتشروا في محيط الطائرات المدنية والعسكرية وعدد من المنشآت. أظهرت لقطات الأقمار الاصطناعية اللاحقة أضرارًا لحقت بثلاثة أجنحة على الأقل في القاعدة 101؛ كما أفادت شركتا الطيران الإقليميتان ASKY Airlines وAir Côte d’Ivoire بأن طائرتين إحداهما طراز إيرباص A319 أُصيبتا خلال الهجوم وهما متوقفتان على المدرج.
لجأت قوات الدفاع إلى منظومات مضادة للطائرات، يُرجَّح أنها استُخدمت لاعتراض طائرات مسيّرة هجومية. وفي ختام المعركة، أعلنت وزارة الدفاع النيجرية عن مقتل عشرين مسلحًا وتوقيف أحد عشر آخرين، في حين أشار الجنرال تياني في خطابه إلى دور محوري أدّاه الجنود الروس في صد الهجوم والحيلولة دون توسعه.
3. الجهة المسؤولة وتعقيدات السرديات
أعلن تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل (ISSP) مسؤوليته عن الهجوم عبر وكالة أعماق، الجمعة 30 يناير 2026. ومع ذلك، أشار التنظيم في نشرته الأسبوعية (النبأ) إلى أن العملية كانت تستهدف أساسًا منظومات الطائرات المسيّرة الموجودة في القاعدة، وأن المسلحين لم يكونوا على علم بوجود اليورانيوم قُبيل الهجوم، واصفًا ذلك بـ’الحظ المحض’.
في المقابل، لم تتردد السلطات النيجرية في توظيف الحادثة لتغذية روايتها المضادة لفرنسا والدول الأفريقية الموالية لها. فقد وجّه الجنرال تياني اتهامات مباشرة للرئيس الفرنسي ماكرون ورئيسَي بنين ورئيس كوت ديفوار، مدّعيًا أنهم يقفون وراء تمويل المهاجمين. وقد وصف الناطق باسم الجيش الفرنسي العقيد غيوم فيرنيه هذه الاتهامات بأنها ‘حرب معلومات واضحة’، فيما رفضت أبيدجان وكوتونو هذه الاتهامات بشكل قاطع. يشير غياب الأدلة إلى أن التوصيف الأقرب للواقع هو أن المهاجمين ينتمون إلى ISSP أو جماعة مرتبطة بها، لكن استثمار الحادثة سياسيًا من قِبل المجلس العسكري بات جزءًا لا يتجزأ من معركة السرديات الإقليمية.
ثانيا: اليورانيوم – الورقة الأكثر سخونةً
1. مسار أزمة اليورانيوم
يقبع في مستودعات مطار نيامي ما يزيد على ألف طن من كعكة اليورانيوم الصفراء، تشكّل أصلًا ماليًا يُقدَّر بنحو 240 مليون دولار. وقد نقل المجلس العسكري هذه الكميات من منجم سوماير في أرليت، بعد أن أمم المنجم في يونيو 2025 وألغى امتيازات شركة أورانو الفرنسية وسيطرتها على القطاع الذي كانت تمتلك فيه حصة تبلغ 63.4%. وكانت السلطات النيجرية تعتزم بيع اليورانيوم وتصديره عبر ميناء لومي في توغو، إلا أن مسار العملية تعثّر بفعل جملة من العوائق المتراكمة.
2. تشابك العوائق القانونية واللوجستية
تعمل في مواجهة النيجر ثلاثة مستويات من القيود المتداخلة، تحول دون تصريف هذا الرصيد الاستراتيجي:
◄ على الصعيد القانوني: أصدر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي في سبتمبر 2025 قرارًا يحظر على النيجر بيع اليورانيوم أو نقله أو تيسير نقله. كما فتحت الجهات القضائية الفرنسية تحقيقًا جنائيًا في قضية ‘سرقة منظمة لصالح قوة أجنبية’. وهذا يعني أن أي مشترٍ أو وسيط في العملية يواجه تبعات قانونية دولية وخيمة.
◄ على الصعيد الجغرافي: إن المسارات التقليدية للتصدير باتت مغلقة أو محفوفة بمخاطر مصيرية. طريق بنين مقفل منذ 2023 بسبب قطع العلاقات. أما المسار عبر بوركينا فاسو وتوغو، فيمر عبر مناطق يسيطر عليها المسلحون الجهاديون ويشكّل مجازفة أمنية بالغة الخطورة. فضلًا عن ذلك، جمّدت السلطات التوغولية الشحنة إثر زيارة سرية قام بها رئيس توغو فور نياسينغبي إلى نيامي في ديسمبر 2025.
◄ على الصعيد السياسي: يستمد المجلس العسكري شرعيته الداخلية جزئيًا من خطاب ‘استعادة السيادة على الثروات الوطنية’ المعادي للوجود الفرنسي. وأي تراجع علني عن هذا الموقف، سواء بإعادة اليورانيوم إلى أورانو أو التفاوض تحت الضغط الفرنسي، يُعرّض مصداقية الحكم العسكري للانهيار.
3. المشترون المحتملون ومحدودية الخيارات
أعلن وزير المناجم النيجري العقيد أسمان أباريشي صراحةً أن النيجر تجري محادثات مع روسيا والصين والولايات المتحدة. وتُعدّ روسيا المرشح الأوفر حظًا من منظور المحللين، إذ تمتلك دوافع استراتيجية واضحة للاستحواذ على هذا الرصيد من اليورانيوم وتوظيفه في مساعي شركة روساتوم. غير أن مصادر قريبة من القيادة النيجرية تُشير إلى أن نيامي تدرك جيدًا أن الانزلاق نحو صفقة مظلمة مع موسكو قد يُحكم قيود العزلة الدولية عليها أكثر، وأنها تتطلع إلى انفراج أمريكي محتمل يحفظ لها ماء الوجه.
وفي سياق هذه الضبابية، تبرز شركة Axia Power مرشحًا ثالثًا أجرت معها نيامي مناقشات، وإن كانت الروابط اللاحقة للشركة بمسؤولين سابقين في روساتوم تجعل تصنيفها الحقيقي غامضًا. أما إيران، التي تمتلك حضورًا متناميًا في نيامي، فتشير تقارير إلى أنها أجرت مفاوضات مع النيجر حول اليورانيوم في 2024، إلا أن التحذيرات الأمريكية دفعت الجانب النيجري إلى تجميد هذا الملف.
4. الهجوم واليورانيوم: الرابط والخطر
إن وجود ألف طن من اليورانيوم في قاعدة عسكرية تعرضت للهجوم الجهادي يُثير مخاوف جدية على الصعيدين الأمني والاستراتيجي. وقد نبّه تنظيم الدولة الإسلامية في نشرته الأسبوعية ‘النبأ’ إلى أن الضربة القادمة قد تكون أكثر استهدافًا لمخزونات الوقود النووي، في إشارة استفزازية تحمل قيمة دعائية عالية حتى وإن افتقرت إلى قابلية التنفيذ الفوري. وتُجمع معظم التقييمات على أن صنع أسلحة نووية بيد جماعات مسلحة في الساحل لا يزال ضربًا من المستحيل العملي، غير أن تهديد تهريب الكميات أو توظيفها في ابتزاز سياسي يظل سيناريو جديرًا بالمتابعة.
ثالثا: صراع النفوذ الإقليمي والدولي
1. انكسار المحور الفرنسي
تمثّل أزمة النيجر حلقةً في سلسلة من الانتكاسات الفرنسية في منطقة الساحل، بدأت بخروج قواتها من مالي عام 2022 في أعقاب انقلاب 2021، ثم تكرر السيناريو في بوركينا فاسو، قبل أن يبلغ ذروته بالانسحاب من النيجر في نهاية 2023 إثر انقلاب يوليو. وقد أسفر ذلك عن تقليص درامي للنفوذ الفرنسي الممتد منذ عقود في المنطقة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي؛ لا سيما فيما يخص إدارة موارد اليورانيوم التي كانت شركة أورانو تهيمن عليها لعقود طويلة.
لجأت فرنسا إلى أدوات القانون الدولي والهيئات التحكيمية لحماية مصالحها، واستصدرت قرارًا دوليًا يحظر بيع اليورانيوم، لكن قدرتها على التأثير الميداني المباشر في نيامي باتت محدودة. ولعل اتهامات المجلس العسكري لباريس – رغم افتقارها إلى دليل ملموس – هي أداة خطابية تسعى إلى تعميق صورة فرنسا كعدو خارجي يُلهم الحشد الشعبي الداخلي.
2. الاتجاه الروسي: من مرتزقة فاجنر إلى شراكة رسمية
قدّمت روسيا نفسها بديلًا أمنيًا واستراتيجيًا للدول المنقلبة في الساحل، عبر نشر قوات من شركة فاغنر الخاصة التي أعيد هيكلتها تحت مسمى فيلق أفريقيا الروسي (Africa Corps). وفي النيجر تحديدًا، أثنى الجنرال تياني علنًا على دور الجنود الروس في التصدي لهجوم المطار، مؤكدًا أهمية الشراكة معهم في مكافحة الإرهاب الإقليمي.
كذلك وقّعت نيامي وموسكو في ديسمبر 2025 اتفاقية شراكة مع شركة روساتوم النووية الروسية، مما يفتح الباب أمام احتمال أن تتحول روسيا إلى المشتري الرئيسي لليورانيوم النيجري. وفي حال تحقق ذلك، فإن المعادلة الاستراتيجية ستتغير جذريًا: فروسيا ستمتلك نفوذًا نوويًا اقتصاديًا متناميًا في الساحل، فضلًا عن حضور عسكري راسخ.
3. العودة الأمريكية: رهان الوساطة
كانت الولايات المتحدة قبل انقلاب 2023 تمتلك قرابة 1100 عسكري في النيجر يعملون من قاعدتي أكادس (201) ونيامي، بتكلفة بلغت 110 ملايين دولار. وقد انسحبت هذه القوات في يوليو 2024 إثر تصاعد الحدة مع المجلس العسكري. اليوم، تفتح أزمة اليورانيوم نافذة دبلوماسية جديدة.
يرى عدد من المحللين الغربيين أن واشنطن تمتلك ورقة ضغط حقيقية: قدرتها على التوسط بين نيامي وأورانو، وتقديم حل يتيح للمجلس العسكري الخروج من المأزق دون خسارة الوجه، مع استعادة العلاقات الأمريكية النيجرية كشريك في مكافحة الإرهاب. هذا الخيار يلاقي هوى لدى أوساط نيجرية تتخوف من الانزلاق الكامل نحو روسيا وتبعاته.
4. التنافس الإقليمي: ECOWAS مقابل AES
شكّل انسحاب النيجر ومالي وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) في 2024، وتكوينهم تحالف دول الساحل (AES)، كتلةً جيوسياسية تحدّ من قدرة المنظومة الإقليمية على ممارسة الضغط أو الوساطة. والجدير بالملاحظة أن حلفاء فرنسا الإقليميين – بنين وكوت ديفوار على وجه الخصوص – يواصلون رفضهم القاطع للانقلابات ويدعمون موقف ECOWAS.
في المقابل، يُظهر تحالف AES تضامنًا إعلانيًا أكثر مما هو أداتي فعلي في حل الأزمات المشتركة. فمحاولة تمرير اليورانيوم عبر أراضي بوركينا فاسو وتوغو اصطدمت بعوائق من الحلفاء الاسميين أنفسهم، كاشفةً عن فجوة بين خطاب التضامن الساحلي وقسوة الحسابات العملية.
رابعا: التحولات الأمنية – جهاديون على أبواب العواصم
1. التمدد الجهادي نحو الحضر
منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، خاض تنظيما ISSP وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) – ذراع تنظيم القاعدة الإقليمي – حروبهما الأساسية في الأرياف والمناطق الحدودية النائية. أما المرحلة الراهنة فتكشف عن انتقال نوعي في استراتيجية هذه الجماعات نحو المراكز الحضرية والبنية التحتية الحيوية.
ففي مالي، فرض المسلحون في وقت سابق حصارًا على إمدادات الوقود الواردة إلى العاصمة باماكو، وشنّوا اعتداءات على طرق الإمداد التجارية. وفي النيجر، تتزايد الأدلة على تمركز عناصر جهادية في الضواحي المحيطة بنيامي؛ إذ اختُطف في أكتوبر 2025 مبشّر أمريكي من منزله في قلب العاصمة على بُعد مئات الأمتار من المقر الرئاسي. واستكمل الهجوم على المطار هذا المسار التصعيدي، مثبتًا أن نيامي لم تعد في مأمن من الضربات الكبرى.
2. محدودية النهج العسكري الانفرادي
يكشف الهجوم عن تناقض بنيوي يواجهه المجلس العسكري: لجأ إلى توطيد السلطة وتكثيف الانتشار الأمني وتجميد الحريات المدنية في سياق ‘الحرب على الإرهاب’، بينما تواصل الجماعات الجهادية توسيع نطاق عملياتها واختراق عمق المناطق الآمنة نظريًا. وفي ديسمبر 2025، أقرّ المجلس قانونًا للتعبئة العامة يخوّل السلطات مصادرة الممتلكات الخاصة وتجنيد المدنيين قسرًا، في مؤشر على الإحساس بخطورة اللحظة.
ويتجلى هذا العجز الاستراتيجي في أن الاعتماد على الشركاء الروس لم يُفضِ إلى نتائج ميدانية قابلة للقياس في مكافحة التمدد الجهادي؛ بل إن الإحصاءات الأممية تشير إلى أن منطقة الساحل شهدت خلال عام 2024 وحده أكثر من 18 ألف قتيل نتيجة أعمال العنف، فيما تخطّى عدد النازحين 4.5 مليون شخص.
3. تصاعد ضغوط الدولة الهشة
تجد النيجر نفسها في دائرة تدهور مفرغة: فالهشاشة الأمنية تُضعف قدرة الدولة على الحوكمة وتوليد العائدات الاقتصادية، والأزمة الاقتصادية تُقيّد قدرة الدولة على تمويل الأجهزة الأمنية، والعزلة الدولية تحول دون التدفق الملائم للدعم الخارجي. وتشير التقارير إلى أن ما يزيد على 80% من سكان منطقة الساحل يعتمدون على الزراعة التقليدية المتضررة من التغير المناخي والجفاف، مما يجعل الخزان البشري للتجنيد الجهادي في تنامٍ مستمر.
خامسا: تشابك الأزمات وتركيب المعادلة
يكشف هجوم مطار نيامي، في جوهره، عن أزمة مركبة متعددة الأبعاد لا يمكن اختزالها في حادثة أمنية عابرة. فهو يعكس – في آنٍ واحد – تحولًا في الاستراتيجية الجهادية الإقليمية نحو الضربات الحضرية عالية القيمة الرمزية، وأزمة حوكمة عميقة يعانيها المجلس العسكري في نيامي بعد ثلاث سنوات من الانقلاب لم تثمر استقرارًا أمنيًا موعودًا، وتنافسًا دوليًا حادًا بين موسكو وباريس وواشنطن على الثروات الاستراتيجية وملء الفراغ الأمني.
تجلس النيجر اليوم على مفترق طرق حقيقي: فهي تمتلك رصيدًا من اليورانيوم يُعدّ من أثمن الأصول في سوق الطاقة النووية العالمي، لكنها عاجزة عن تحويله إلى تدفق مالي فعلي بسبب الحصار القانوني والجغرافي والسياسي المحكم. وتقف أمام اختيار استراتيجي شديد الحدة: إما الانجراف الكامل نحو روسيا بكل ما يحمله ذلك من تبعية مستديمة، وإما انفتاح محسوب على واشنطن بوساطة سرية قد تفتح أفق التسوية مع أورانو، أو مواصلة نهج المكابرة في ظل ظروف أمنية واقتصادية آخذة في التفاقم.
وفيما يخص المشهد الجهادي، فإن اختراق العاصمة النيجرية يُنذر بدخول الساحل مرحلة جديدة تتسم بحرب المدن والضغط على عواصم حكومات الجنتا المنقلبة. وهذه السمة، إن تكرست، ستزيد من تعقيد المشهد وتُرجّح أن تدفع نيامي إلى خيارات أكثر استبدادًا في الداخل وأكثر يأسًا في الخارج.
سادسا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول – الانزلاق نحو الفوضى المُدارة: في غياب تسوية دبلوماسية لأزمة اليورانيوم وتصاعد الضغط الجهادي، ستستمر حلقة التدهور المفرغة. سيلجأ المجلس العسكري إلى مزيد من القبضة الأمنية في الداخل، بينما تواصل ISSP وJNIM استهداف البنية التحتية الحيوية ومؤسسات الدولة. هذا السيناريو يزيد من احتمالية أن تتحول النيجر إلى دولة فاشلة بالمعنى العملي، مع احتفاظ المجلس العسكري بالقشرة الرسمية للسلطة.
السيناريو الثاني – التسوية عبر الوساطة الأمريكية: إذا نجحت واشنطن في انتهاز الفرصة الدبلوماسية الراهنة وتوسطت بين نيامي وأورانو لصياغة حل مقبول لأزمة اليورانيوم، فإن النيجر قد تنفتح على تعاون أمني أوسع مع الغرب. هذا السيناريو يتطلب براجماتية عالية من الجانبين ومرونة في قبول وجه الآخر بشكل مُقنّع، ويشترط تحرك أمريكي سريع قبل ضيق هامش الفرصة.
السيناريو الثالث – الاندماج الكامل في المنظومة الروسية: قد تختار نيامي في نهاية المطاف الانسياق الكامل نحو روسيا، ببيع اليورانيوم لروساتوم وتعميق الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية مع موسكو. هذا السيناريو يضمن لروسيا نفوذًا استراتيجيًا في الساحل، لكنه يُكرّس العزلة الدولية للنيجر وقد يُحفّز ردودًا قانونية واقتصادية غربية قاسية تُعجّل بانهيار الاقتصاد النيجري.
السيناريو الرابع – توافق إقليمي ساحلي: رغم ضعف احتمالاته في المدى القريب، قد يفتح اتساع الخطر الجهادي بابًا للتهدئة الإقليمية ودفع دول ECOWAS ودول AES معًا نحو صيغة حوار مشترك، تُيسّر حلولًا انتقالية تضمن العودة التدريجية إلى المسار الديمقراطي مع الحفاظ على استقرار المنطقة.
المصادر
◄ International Crisis Group – “Islamic State Assault on Niger Airport Tests Military Rulers” (فبراير 2026)
◄ Reuters – “Niger military ruler accuses France, Benin, Ivory Coast of sponsoring airport attack” (يناير 2026)
◄ RFI – “France denies role in Niger airport attack as junta doubles down on accusations” (فبراير 2026)
◄ Bloomsbury Intelligence and Security Institute (BISI) – “ISSP Claims Responsibility for Attack on Airport in Niamey, Niger” (فبراير 2026)
◄ Financial Times – “The 1,000 tonnes of uranium in the crosshairs of Isis” (فبراير 2026)
◄ Atlantic Council – “How a crisis over a stockpile of uranium created an opening for US reengagement in Niger” (مارس 2026)
◄ Agenzia Fides – “AFRICA/NIGER – Attack on Niamey Airport” (يناير 2026)
◄ إرم نيوز – “صراع النفوذ في قلب أفريقيا الغربية.. لماذا اسُتهدف مطار نيامي؟” (يناير 2026)
◄ إندبندنت عربية – “نيامي تحت ضغط الانفجارات: هجوم يعيد طرح أسئلة الأمن” (فبراير 2026)





