بقلم – عصام البدري
باحث ماجستير في العلاقات الدولية
يُشكل النمو الأخضر في أفريقيا أحد أكثر المشروعات الطموحة في مسار التنمية الحديثة بالقارة، إذ يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية. فقد أدركت الدول الأفريقية أن النمو القائم على الاستنزاف والتوسع غير المنضبط في استغلال الموارد لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن مواجهة التغير المناخي والتدهور البيئي أصبحت ضرورة لا ترفًا. ومن هنا برزت فكرة التحول نحو نموذج تنموي جديد يقوم على التصنيع النظيف، والزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة، والإدارة الرشيدة للموارد، بوصفها مسارات قادرة على تأمين مستقبل أكثر استدامة وعدالة للأجيال القادمة. غير أن هذا الطموح يصطدم بجدار من القيود الهيكلية والمالية التي تعرقل اندفاع القارة نحو التحول البيئي المنشود. فالكثير من الدول الأفريقية مثقلة بأعباء ديون ضخمة، تمتص جزءًا كبيرًا من مواردها، وتحد من قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية الخضراء أو تمويل التحول في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة. ومع ازدياد الضغوط الاجتماعية والحاجة إلى توفير الخدمات الأساسية وفرص العمل، أصبح تبني سياسات مناخية طموحة تحديًا مزدوجًا يتطلب موازنة دقيقة بين ضرورات الاستقرار الاقتصادي والالتزامات البيئية. وفي هذا السياق، تبرز أزمة الديون كأحد أبرز العوائق أمام التحول الأخضر في أفريقيا، ليس فقط باعتبارها عبئًا ماليًا، بل أيضًا كعائق سياسي ومؤسسي يحد من قدرة الحكومات على التخطيط بعيد المدى أو جذب التمويلات الخضراء.
أولاً: النمو الأخضر كخيار استراتيجي للتنمية في أفريقيا
يعود مفهوم النمو الأخضر إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث برز لأول مرة في المؤتمر الوزاري الخامس المعني بالبيئة والتنمية The Fifth Ministerial Conference on Environment and Development (MCED) الذي عُقد في سيول بكوريا الجنوبية في مارس 2005. وقد اتفقت خلاله 52 حكومةً وعدد من الجهات المعنية في المنطقة على الانتقال من الخطاب التقليدي للتنمية المستدامة إلى نهج عملي جديد تحت مسمى “النمو الأخضر”. واعتمد المشاركون إعلانًا وزاريًا عُرف بـــ “شبكة مبادرة سيول للنمو الأخضر”، إلى جانب خطة تنفيذ إقليمية للتنمية المستدامة، كما ورد في تقارير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ عام 2008. ومنذ ذلك الحين، أصبحت رؤية النمو الأخضر جزءًا من الاستراتيجية الإقليمية للجنة باعتبارها مسارًا رئيسيًا لتحقيق التنمية المستدامة والأهداف الإنمائية، وخاصة الهدفين الثاني والسابع المتعلقين بالحد من الفقر والاستدامة البيئية[1].
وفي هذا الصدد، تتعدد تعريفات النمو الأخضر تبعًا للجهة التي تتناوله. فوفقًا للاتحاد الأوروبي، يمثل النمو الأخضر “أساسًا لدعم مستويات التوظيف وتأمين الموارد اللازمة لتعزيز الرفاهية العامة، عبر تحويل أنماط الإنتاج والاستهلاك بطرق تحقق التوازن بين زيادة الناتج المحلي الإجمالي واحترام الحدود البيئية”. أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فترى فيه “تعزيزًا للنمو الاقتصادي والتنمية مع ضمان استمرار الأصول الطبيعية في توفير الموارد والخدمات البيئية التي يقوم عليها رفاه الإنسان”. بينما يُعرّفه البنك الدولي بأنه “النمو القائم على الكفاءة في استخدام الموارد الطبيعية، والنظافة من حيث الحد من التلوث والتأثيرات البيئية، والمرونة من خلال مراعاة المخاطر الطبيعية ودور الإدارة البيئية ورأس المال الطبيعي في الوقاية من الكوارث المادية”[2].
وانطلاقًا من أهمية النمو الأخضر للقارة الأفريقية، فقد اتخذ الاتحاد الأفريقي خطوات حاسمة لتعزيز التعافي الاقتصادي المستدام من جائحة كوفيد-19 والتصدي لتداعيات تغير المناخ عبر القارة، من خلال تنفيذ “خطة العمل الأفريقية للتعافي الأخضر” التي تهدف إلى خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة على التكيف البيئي. وبتمويل مشترك من وزارة الشؤون العالمية الكندية ومبادرة النمو الأخضر العالمية Global Green Growth Initiative (GGGI)، أُطلق مشروع لدعم تنفيذ الخطة عبر بناء القدرات وتوسيع تمويل المناخ، مع التركيز على تمكين النساء والشباب. وقد أُنشئت لجنة توجيهية تضم كندا ومفوضية الاتحاد الأفريقي ومؤسسة بناء القدرات الأفريقية (ACBF) لمتابعة التنفيذ وتقييم التقدم. ويركز المشروع على ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز قدرة الاتحاد الأفريقي على تنفيذ الخطة، وتمكين صانعي السياسات من تبني سياسات نمو أخضر متكاملة، وتسهيل الوصول إلى تمويل المناخ[3].
ثانيًا: السياق الأفريقي.. وعبء الديون كعائق رئيسي أمام التحول البيئي
تواجه البلدان الأفريقية فجوة تمويلية كبيرة في مجال العمل المناخي، حيث تتلقى سنويًا نحو 30 مليار دولار فقط، بينما تحتاج إلى نحو 277 مليار دولار لتنفيذ خططها الوطنية وتحقيق أهدافها لعام 2030. وفي بعض الدول، يبدو الوضع أكثر حدة، فقد تصدرت زامبيا عناوين الصحف في نوفمبر 2020 كأول دولة أفريقية تتخلف عن سداد ديونها خلال جائحة كوفيد-19، إذ استهلكت خدمة الديون أكثر من 33% من عائدات الحكومة، بينما كشف وزير المالية الغاني في أواخر عام 2022 أن نصف إجمالي إيرادات البلاد وأكثر من 70% من عائداتها الضريبية تذهب لسداد الديون. وفي كينيا، استهلكت خدمة الديون نحو 70% من الإيرادات المحلية حتى يونيو 2024. ويؤدي هذا العبء الثقيل إلى تقليص قدرة الدول الأفريقية على الاستثمار في السلع العامة، لا سيما المشروعات المتعلقة بالمناخ، حيث تضطر الحكومات إلى تخصيص معظم مواردها لخدمة الديون، مما يقلص التمويل المتاح للأولويات الوطنية مثل الصحة والتعليم، وبناء مرافق الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية للشبكات، وتخزين الطاقة، وتعزيز الابتكار التكنولوجي والتكيف مع تغير المناخ[4].
كما تبرز أمام الدول الأفريقية تحديات اقتصادية واجتماعية تُعرضها لهشاشة بنيوية، ويُعد تفاقم أزمة الديون أحد أبرز هذه التحديات. وتشير الدراسات إلى أن الدول ذات مستويات الديون المرتفعة تجد صعوبة في تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، بما في ذلك الأمن والاستقرار السياسي والخدمات العامة، مما ينعكس سلباً على التنمية الاقتصادية ويزيد من ضعف مؤسسات الدولة. فمن حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، تتصدر إريتريا القائمة بنسبة 256%، تليها ساو تومي وبرينسيبي بنسبة 164%. وبالمقارنة، تتراوح نسب الديون في دول مثل زامبيا وغانا بين 70 و100%، ما يُظهر أن بعض الدول ذات الديون المرتفعة تعاني من هشاشة شديدة، بينما تواجه دول أخرى بأعباء ديون أقل تحديات اقتصادية مختلفة، رغم انخفاض مستويات ديونها نسبياً[5].
ويُضاف لأزمة الديون ظاهرة هروب رؤوس الأموال من الدول الأفريقية، والتي أصبحت تمثل تحدياً كبيراً أمام تحقيق التنمية المستدامة، وتضع قدرة هذه الدول على مواجهة الأزمات الاقتصادية والتحديات البيئية عرضة للخطر. وتشير الدراسات إلى أن حجم الأموال المهربة عبر الحدود الأفريقية يفوق في كثير من الأحيان حجم الديون الخارجية، علماً بأن بعض الدول الدائنة نفسها، التي تسعى للحصول على فوائد وخدمات مالية، تُعد مساهمًا رئيسيًا في عملية تهريب هذه الأموال. ويحدث هروب رؤوس الأموال من أي دولة لأسباب متعددة، من أبرزها الفساد الإداري، عدم الاستقرار السياسي، والعوامل النفسية لدى المستثمرين، بالإضافة إلى غياب مناخ اقتصادي ملائم، مثل ارتفاع الضرائب على رؤوس الأموال أو أصحاب الاستثمارات، وتعثر الحكومة في سداد ديونها، ما يدفع المستثمرين المحليين والأجانب إلى تخفيض قيمة سنداتهم المالية. كما يمكن أن ينجم هروب الأموال عن ضعف الثقة في قوة الاقتصاد المحلي نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض العائد على الأصول المحلية، ووجود اختلالات في ميزان المدفوعات[6].
ثالثًا: دوافع التحول نحو الاقتصاد الأخضر في أفريقيا
تمتلك الدول الأفريقية مجموعة من الدوافع التي تُشجعها على تبني نموذج الاقتصاد والنمو الأخضر، وتتنوع هذه الدوافع ما بين بيئية واجتماعية واقتصادية على النحو التالي:
1- التأثر الحاد بتغير المناخ، الذي يهدد النمو الاقتصادي واستقرار سُبل العيش: يُعد التأثر بتغير المناخ من أ حد أهم الدوافع التي تدفع الدول الأفريقية نحو تبني الاقتصاد الأخضر. فوفقًا لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأفريقيا، فإن ارتفاع درجات الحرارة بنسبة 1% قد يؤدي إلى خسائر في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 2.2% بحلول عام 2030 في بعض المناطق، خاصة في غرب القارة، بينما يُفاقم المناخ المتغير الصراعات والهجرة ويزيد الضغط على القوى العاملة الهشة[7].
2- توفير الاقتصاد الأخضر فرصًا كبيرة للتوظيف: فإلى جانب عمل الاقتصاد الأخضر على تلافي الضغوط على القوى العاملة، يوفر الاقتصاد الأخضر أيضًا فرصًا كبيرة للتوظيف؛ إذ من المتوقع أن ينشئ قطاع الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وأسواق الكربون ملايين الوظائف، مما يساعد على دمج الشباب في قطاعات ذات قيمة مضافة وتقليل البطالة[8].
3- تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري: فمن الناحية الاقتصادية، يمثل التحوُّل نحو النمو الأخضر فرصة كبيرة لأفريقيا لتنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري، خاصة مع احتواء القارة على نسبة كبيرة من المعادن الحرجة اللازمة للطاقة النظيفة مثل الكوبالت والليثيوم[9].
4- الحاجة إلى تمويل أخضر لدعم عمليات التحول البيئي: فتُقدر احتياجات أفريقيا بمليارات الدولارات سنويًا من أجل المواجهة الفعلية لتغير المناخ وتبني مشروعات مستدامة. فضلًا عن أن بعض الدول كمصر وغانا تعمل على إنشاء آليات تمويل مرنة مثل السندات الخضراء ودعم القطاع الخاص لتنفيذ مشروعات منخفضة الكربون، ما يعزز من الجاذبية الاستثمارية في الاقتصاد الأخضر[10].
ختامًا، يمكن القول إن التحول نحو النمو الاقتصادي الأخضر في أفريقيا يمثل مسارًا طموحًا واستراتيجيًا يسعى لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية. ورغم الفوائد المحتملة لهذا التحول، إلا أن القارة تواجه مجموعة من القيود الهيكلية والمالية، على رأسها عبء الديون الضخم الذي يحد من قدرة الدول على الاستثمار في البنية التحتية الخضراء وتمويل المشروعات المستدامة. كما يضاف إلى ذلك تحدي هروب رؤوس الأموال والضغوط الاجتماعية، مما يجعل تبني سياسات مناخية طموحة تحديًا معقدًا يتطلب موازنة دقيقة بين الاستقرار الاقتصادي والالتزامات البيئية. إن مواجهة هذه القيود وتحفيز التمويل الأخضر، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، يُعد خطوة أساسية لضمان تحقيق التحول البيئي في أفريقيا بطريقة مستدامة وعادلة للأجيال الحالية والقادمة.
[1] Green growth, Sustainable Development Knowledge Platform, available at: https://sustainabledevelopment.un.org/index.php?menu=1447
[2] Green Growth: Sustainable Future or Myth?– Part One, Population Matters, 9 October 2024, available at: https://populationmatters.org/news/2024/10/green-growth-sustainable-future-or-myth-part-one/
[3] The African Union “Green Recovery Action Plan” is Progressing to Drive Sustainable Economic Recovery and Climate Resilience in Africa, Global Green Growth Institute, June 12, 2023, available at: https://gggi.org/the-african-union-green-recovery-action-plan-is-progressing-to-drive-sustainable-economic-recovery-and-climate-resilience-in-africa/
[4] في غياب تخفيف أعباء الديون ستواجه أفريقيا تغير المناخ بأيدٍ مقيدة، المستقبل الأخضر، 26/09/2024، متاح على الرابط التالي: https://greenfue.com/%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%81
[5] عبء الديون وأثره على هشاشة الدول الأفريقية، المركز الليبي للدراسات الاستراتيجية، 15 يونيو 2025، متاح على الرابط التالي: https://lcss.gov.ly/articles/blog/post-1033/
[6] https://www.siyassa.org.eg/News/19705.aspx
[7] Africa’s Workforce at a Crossroads: Navigating Climate Change and the Green Transition, United Nations Economic Commission for Africa 10 April, 2025, available at: https://www.uneca.org/stories/africa%27s-workforce-at-a-crossroads-navigating-climate-change-and-the-green-transition
[8] UNECA, Africa’s Workforce, 2024, Ibid
[9] Shaping Africa’s Green Economy and Just Transition in 2025: Challenges, Opportunities, and the Path Forward, African Centre for Economic Transformation, 2025, available at: https://africancentre.org/1726-2/
[10] جيهان عبد السلام عباس، دور التمويل الأخضر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفريقيا، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، متاح على الرابط التالي: https://jpsa.journals.ekb.eg/article_295526.html





