كتب – عميد أركان حرب .. د – أحمد القاضي
باحث إستراتيجي في الشؤون الأفريقية

شرعت إثيوبيا في التغلب على المعضلة الجغرافية التي لازمتها منذ تسعينيات القرن الماضي، وذلك عقب استقلال إريتريا في عام 1993، وتحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة، التي صارت نقطة تحول استراتيجي في السياسة الإثيوبية التي انخرطت في البحث عن بدائل متنوعة من الموانئ البحرية في دول الجوار الإقليمي، للاعتماد عليها في النفاذ إلى البحر الأحمر أو المحيط الهندي من أجل ضمان استمرار عبور التجارة من وإلى أديس أبابا.
ظلت تلك السياسات مستمرة حتي أطلقت الحكومة الإثيوبية في أبريل 2015 استراتيجية لوجستية وطنية بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تستهدف استخدام موانئ متعددة في دول الجوار الجغرافي، حيث هدفت أديس أبابا بالأساس إلى استخدام جميع الموانئ البحرية في المنطقة. ومثلت أحد الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية لآبي أحمد منذ صعوده للسلطة في عام 2018, ودفعته إلى المسارعة لتوقيع سلسلة من الاتفاقات مع بعض دول الجوار الجغرافي للحصول على حصص في موانئها البحرية لتسهيل التجارة الإثيوبية مع العالم الخارجي.
لإيضاح انعكاسات المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر في ظل المستجدات الإقليمية الراهنة , سيتم تناول هذه الورقة من خلال النقاط الدراسية الآتية:
- محاولات إثيوبيا للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر.
- الدوافع الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
- طموحات إثيوبيا لامتلاك قوات بحرية.
- تطورات أزمة مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال.
- انعكاسات الإطلالة البحرية لإثيوبيا على مصالح دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أولاً : محاولات إثيوبيا للوصول إلى منفذ على البحر الاحمر
- مع إريتريا
عقدت إثيوبيا اتفاقيات تعاون ثنائي مع إريتريا لاستخدام ميناءي مصوع وعصب بعد استقلال إريتريا عام 1993م , استمر الالتزام بتلك الاتفاقيات لفترة خمس سنوات ولكن تجمد العمل بها منذ نشوب النزاع المسلح بينهما خلال الفترة من 1998 إلى 2000.
شكلت عودة العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا عقب توقيع اتفاق السلام بين آبي أحمد والرئيس أسياس أفورقي في عام 2018 بإمكانية استئناف الاعتماد الإثيوبي على ميناءي عصب ومصوع، حيث يعدان خيارًا حيويًّا ومنفذًا بحريًّا مهمًا يسهم في تسهيل حركة ونقل البضائع للأسواق الدولية بتكلفة مادية أقل لقصر المسافة وهو ما يعزز القدرة التنافسية الدولية للمنتجات الإثيوبية واختراق الأسواق العالمية.
إلا أن العلاقات المتأرجحة بين البلدين وتوترها بعد عقد الرئيس الإثيوبي اتفاقية سلام مع جبهة تحرير تيجراي عام 2023, إضافة إلى تخوف أسياس أفورقي من تنامي النفوذ الإقليمي الإثيوبي في القرن الأفريقي، ربما يعيق اعتماد إثيوبيا على موانئ إريتريا خلال الفترة المقبلة.
- مع كينيا
أبرمت إثيوبيا اتفاق مع كينيا في مايو 2018 للحصول على خدمات لوجستية في ميناء لامو الكيني، والذي يعد من أبرز الموانئ الكينية التي تهتم بها إثيوبيا, حيث يمثل جزءًا رئيسيًا في مشروع “لابسيت” الذي يربط بين كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان، ربما يكون أحد الخيارات الرئيسية لإثيوبيا من أجل إقامة قاعدة بحرية لها في المحيط الهندي.
- مع السودان
تنظر إثيوبيا باهتمام إلى ميناء بورتسودان باعتباره خيارًا استراتيجيًا للدولة الإثيوبية للتواصل مع العالم الخارجي. وبالرغم من توقيع اتفاق بين البلدين في مايو عام 2018م، إلا أن عدم استقرار السياسي والأمني للسودان، إضافة إلى تخوفات من أن العلاقات المتذبذبة بين البلدين خلال الفترة الأخيرة بسبب قضيتي سد النهضة الإثيوبي ومنطقة الفشقة المتنازع عليها بين البلدين قد تسهم في تزايد احتمال انهيار الاتفاق في مرحلة مقبلة.
- مع جيبوتي
أبرمت اتفاقًا مع جيبوتي في عام 2018 – في أول زيارة خارجية لآبي أحمد عقب توليه السلطة – لشراء حصة من ميناء جيبوتي، وذلك في مقابل استحواذ الحكومة الجيبوتية على حصص من بعض الشركات الإثيوبية مثل شركة إثيوتيلكوم وشركة الكهرباء الإثيوبية وشركة الخطوط الجوية الإثيوبية، أسفر الاتفاق على أن تعتمد إثيوبيا بشكل رئيسي على ميناء جيبوتي في نقل أكثر من 95% من تجارتها الخارجية.
من ناحية أخري يعاني الاقتصاد الإثيوبي من ارتفاع تكلفة رسوم عبور التجارة عبر ميناء جيبوتي، والتي تبلغ قيمتها أكثر من 16% من قيمة التجارة الإثيوبية الخارجية والبالغة نحو مليوني دولار يوميًّا، بحيث يبلغ إجمالي ما تدفعه إثيوبيا لجيبوتي كرسوم موانئ فقط بين 1.5 مليار دولار وملياري دولار سنويًّا.
تزايدت المخاوف الإثيوبية خاصة مع التهديدات التي أطلقها مقاتلو قوات دفاع تيجراي خلال الحرب الإثيوبية الأخيرة بقطع الطريق الرئيسي الواقع في إقليم عفر والواصل بين العاصمة أديس أبابا وميناء جيبوتي، إضافة إلى تخوف أديس أبابا من الضغوط الدولية والإقليمية على حكومة جيبوتي نتيجة تزاحم القواعد العسكرية المتمركزة بها.
- مع الصومال الفيدرالي
عقدت إثيوبيا اتفاقًا مع الصومال الفيدرالي في يونيو 2018، لتطوير أربعة موانئ صومالية مطلة على خليج عدن والمحيط الهندي وهي (بوصاصو، وكسمايو وميركا وهوبيو وجرعد).
تعد الصومال مرشحًا رئيسيًا لاستضافة قاعدة بحرية إثيوبية دائمة لاعتبارات عدة على رأسها العلاقات الجيدة التي تربط نظام آبي أحمد بالنظام الجديد في مقديشو بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود، إضافة إلى استمرار الاتفاقات المبرمة بين البلدين قبل خمس سنوات تقريبًا، فضلًا عن العلاقات القوية التي تربط بين أديس أبابا وبعض الولايات الصومالية لا سيما بونت لاند التي تسيطر على ميناء بوصاصو.
- مع أرض الصومال
انضمام إثيوبيا للعقد الموقع بين شركة موانئ دبي الإمارتية وأرض الصومال لإدارة ميناء بربرة والذي وقَّعته الأخيرة في مايو 2016 بقيمة 442 مليون دولار أمريكي لتشغيل مركز تجاري ولوجستي إقليمي في ميناء بربرة، وقد انضمت في 1 مارس 2018، وأصبحت إثيوبيا مساهمًا رئيسيًا حيث تمتلك موانئ دبي العالمية 51٪ من المشروع، وأرض الصومال 30٪ وإثيوبيا 19٪ المتبقية, وقد تم تجميد المشروع بناء على الضغوط الصومالية الفيدرالية والدول العربية الداعمة.
وقعت إثيوبيا وجمهورية أرض الصومال الانفصالية (صوماليلاند) مذكرة تفاهم يوم الاثنين الأول من يناير 2024، تنص على منح إثيوبيا منفذاً على البحر الأحمر بطول 20كلم في ميناء بربرة والذي يقع على بعد 943 كيلومتراً من أديس أبابا وذلك لمدة 50 عاماً, وذلك مقابل أن تحصل أرض الصومال على 30% من أسهم الخطوط الجوية الإثيوبية، وربما تحصل على اعتراف دبلوماسي رسمي من جانب الحكومة الإثيوبية، مع إمكانية إقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، علمًا بأن المقرر أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق رسمي خلال شهر, وهذا لم يحدث نتيجة ردود الأفعال الإقليمية المناهضة للاتفاق.
أثار إعلان إثيوبيا التوصل لاتفاق مع أرض الصومال لاستغلال ميناء بربرة أزمة دبلوماسية بين مقديشو وأديس أبابا بصفة خاصة، وردود أفعال متباينة من القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح بالبحر الأحمر بصفة عامة، حيث أعلنت مصر وإريتريا وجيبوتي رفضها للاتفاق، وأعلنت الجامعة العربية عن تضامنها مع الصومال في رفض وإدانة المذكرة الموقعة بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال”، باعتبارها انتهاكًا لسيادة الدولة الصومالية وسلامة أراضيه، بينما دعا الاتحاد الأفريقي إلى الهدوء والاحترام المتبادل لخفض منسوب التوتر المتصاعد بين إثيوبيا والصومال، وحث الدولتين على الحوار لحل خلافاتهما، وشدّدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي على وجوب احترام سيادة الصومال.
ثانياً: الدوافع الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر
دوافع استراتيجية:
التغلب على المعضلة الجغرافية لكونها دولة حبيسة، من خلال تبني سياسات تتمحور حول امتلاك منفذ بحري دائم للبلاد، مع إيجاد موطئ قدم في كل الموانئ البحرية بدول المنطقة بما يعزز البدائل المتاحة أمامها لتأمين تدفق تجاراتها للعالم الخارجي .
تعزيز المكانة الإقليمية واستعادة المجد الإمبراطوري القديم لإثيوبيا، وهو الجوهر الأساسي للمشروع الإثيوبي الذي يقوم على تعزيز الهيمنة الإثيوبية على دول القرن الأفريقي وتمدد النفوذ لمناطق استراتيجية أخرى بالقارة، وما قد يترتب عليه من تقليص نفوذ القوى الإقليمية المناوئة لها، مع ضمان زيادة اعتماد القوى الدولية الفاعلة في المنطقة بشكل أوسع على إثيوبيا كحليف استراتيجي لها .
تقليل الاعتماد على ميناء جيبوتي الذي يستحوذ على 95% من تجارة إثيوبيا مع العالم الخارجي، تحسبًا لأي تحولات محتملة في العلاقات معها في ضوء تعقيد التفاعلات الإقليمية في القرن الأفريقي، لا سيما أن مخاوفها تظل قائمة تجاه تزاحم القواعد العسكرية في جيبوتي، وما يمثله ذلك من تهديد للنفوذ الإثيوبي الإقليمي في المنطقة.
دوافع سياسية :
ضمان ولاء ودعم دول القرن الأفريقي في الدفاع عن القضايا الإثيوبية على الصعيدين الأفريقي والدولي، وذلك من خلال تعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية مع دول المنطقة، والانخراط في أزمات دول المنطقة من خلال لعب دور الوساطة، وتبني دبلوماسية تصفير المشكلات في محيطها الإقليمي منذ عام 2018.
تنظر إثيوبيا إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بوصفها منطقة نفوذ إقليمي تسعى فيها إلى إبراز هيمنتها وتوسيع نفوذها لكي تصبح أحد أقطاب القارة الأفريقية، وتعتبر أن الحصول على منفذ بحري سيادي لها على البحر الأحمر إحدى أهم أدوات تحقيق هذا الهدف.
امتلاك منفذ بحري يضمن لإثيوبيا وجود دائم في البحر الأحمر, ويؤسس لها الحق في المشاركة في أية ترتيبات أمنية في البحر الأحمر، وإمكانية الانضمام إلى مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي تأسس عام 2020.
دوافع اقتصادية:
حصول إثيوبيا على منفذ بحري دائم سيحقق لها تأمين تجارتها مع العالم الخارجي، وتقليل التكلفة المالية من الاعتماد الكلي على ميناء جيبوتي.
تتطلب الاستراتيجية الإثيوبية للتحول لمركز تصنيع إقليمي معالجة أزمة الموانئ البحرية، وذلك في إطار التوجه التنموي لإثيوبيا، والرغبة في توسيع الفرص الاقتصادية وتنويع طرق التجارة لكي تصبح إثيوبيا مركزًا لوجستيًّا بمنطقة شرق أفريقيا بهدف زيادة النفوذ الاقتصادي الإثيوبي.
تبني إثيوبيا مبادرة التكامل الإقليمي في القرن الأفريقي وما تتضمنه من مشروعات إقليمية تحقق ربط اقتصاديات دول المنطقة بالاقتصاد الإثيوبي، ويستدعي امتلاك منفذ بحري لإثيوبيا يترتب عليه تعزيز تجارتها مع العالم الخارجي.
دوافع عسكرية وأمنية:
إن حصول إثيوبيا على منفذ بحري سيحقق طموحاتها في إعادة بناء قواتها البحرية وتأسيس أسطولها البحري، وسيمهد لها الطريق لإقامة قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتقديم نفسها للقوى الدولية كشريك وحليف كفء في أمن واستقرار المنطقة، وذلك من خلال لعب دور في تأمين التجارة الدولية والملاحة البحرية والمضايق البحرية بما في ذلك مضيق باب المندب الاستراتيجي.
تنامي نفوذ القوى الدولية والإقليمية والتنافس بينها على الموانئ البحرية، في ظل تزاحم القواعد العسكرية وما قد يترتب عليه عسكرة المنطقة وسيطرتها على قرارات دول القرن الأفريقي لا سيما جيبوتي التي ربما لا يكون لها رأي في تقرير مصيرها مستقبلًا.
حرص إثيوبيا على تعزيز سلامة أمنها الداخلي، وتأمين حدودها من التهديدات الأمنية خاصة في ظل تصاعد نشاط الإرهاب لا سيما حركة الشباب المجاهدين في الصومال وامتداداتها، والتي تستدعي مشاركتها في تعزيز الاستقرار الأمني الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي.
المخاوف الأمنية من اندلاع بعض الصراعات والنزاعات المسلحة في بعض دول القرن الأفريقي الساحلية مثل جيبوتي والصومال والتي ربما يترتب عليها انقطاع التجارة الإثيوبية مع العالم الخارجي، وهو ما يدفعها نحو تعزيز إمكانياتها البحرية والأمنية من أجل الدفاع عن نفسها ومصالحها الاستراتيجية خارج حدودها.
ثالثاً : طموحات إثيوبيا في امتلاك قوة بحرية
رغم أن إثيوبيا دولة حبيسة إلا أن طموحاتها لامتلاك قوة بحرية برزت مع تعهد رئيس الوزراء آبي أحمد في خطابه الأول عقب توليه السلطة عام 2018 بإعادة بناء سلاح البحرية الإثيوبية، وتأكيده على ضرورة أن تصبح إثيوبيا جزءًا من الدول التي تمتلك قواعد عسكرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي حفاظًا على مصالحها وأمنها القومي.
وفي هذا الإطار، وافق البرلمان الإثيوبي في ديسمبر 2018 على مشروع قانون حول إعادة هيكلة الجيش الإثيوبي، والذي تضمَّن مواد متعلقة بإعادة بناء القوات البحرية الإثيوبية.
سعت إثيوبيا إلى الاستعانة بالخبرات الدولية لمساعدتها في إعادة تأسيس قوتها البحرية، حيث أعلنت في 14 مارس 2019 عن توقيع اتفاق عسكري مع فرنسا بقيمة 96 مليون دولار تتضمن مساعدتها لبناء قوة بحرية إثيوبية في إطار سياسة بناء القدرات العسكرية لإثيوبيا. إلا أنه تم تعليق الاتفاق بسبب اندلاع الحرب الإثيوبية في إقليم تيجراي.
رابعًا: تطورات أزمة مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال
نجحت الجهود الدبلوماسية المصرية على المستوى الدولي والإقليمي في تجميد مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال وإخفاق طرفي الاتفاق في تحويلها إلى اتفاقية دولية بينهما، من خلال:
- عدم الاعتراف بالمذكرة وتشجيع جامعة الدول العربية على إدانة الاتفاق.
- تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية مع القوي الإقليمية والدولية لدعم الصومال في إلغاء مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال أو تجميدها قبل أن تصل إلى اتفاق ملزم.
- عقد اتفاقية دفاع مع الصومال لدعمها بالأسلحة والذخائر لمواجهة حركة شباب المجاهدين.
- عقد تحالف ثلاثي مع إريتريا والصومال لمواجهة المساعي الإثيوبية.
- المشاركة في قوات حفظ السلام المرابطة في الصومال بديلًا عن القوات الإثيوبية التي انتهت فترة تواجدها بالصومال في ديسمبر 2024.
قيام تركيا بدور الوسيط الإقليمي لتخفيف التوتر بين إثيوبيا والصومال، والسعي إلى إيجاد تسوية يمكن قبولها من الجانبين، من خلال:
- عقد عدة جولات مفاوضات تحت رعايتها في تركيا منها جولتين بين وزراء خارجية كل من إثيوبيا والصومال خلال شهري يوليو وأغسطس عام 2024، ورغم عدم توصلها إلى حل للأزمة إلا أنها كانت تمهد للجولة الثالثة للمفاوضات.
- عقد الجولة الثالثة بحضور قادة الدول الثلاثة، رئيس وزراء إثيوبيا ورئيس جمهورية الصومال والرئيس التركي أردوغان في شهر ديسمبر 2024، والتي أسفرت عن موافقة الصومال على منح إثيوبيا منفذ على المحيط الهندي، وذلك بعد إجراء سلسلة من الاجتماعات لخبراء كلتا الدولتين بدء من شهر فبراير 2025 للتوصل إلى تسوية نهائية للأزمة. وبحسب الإعلان التاريخي بشأن الصومال وإثيوبيا، فإنه يتضمن جملة من البنود تشمل ما يلي:[أ]
1 – أكد قادة الصومال وإثيوبيا احترامهم والتزامهم بسيادة كلا البلدين ووحدتهما، واستقلالهما وسلامة أراضيهما، إضافة إلى المبادئ المنصوص عليها في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
2 – تجاوز الخلافات والقضايا الخلافية والمضي قدمًا بطريقة تعاونية لتحقيق الازدهار المشترك.
3 – اعتراف الصومال بتضحيات الجنود الإثيوبيين ضمن بعثات الاتحاد الأفريقي.
4 – الإقرار بالمنافع المتنوعة التي يمكن أن تتحقق من خلال ضمان وصول إثيوبيا إلى البحر ومنه، مع احترام سلامة أراضي الصومال.
5 – العمل معاً لوضع ترتيبات تجارية من خلال اتفاقيات ثنائية، تشمل العقود والإيجار وأساليب مشابهة، تضمن لإثيوبيا الوصول الآمن والمستدام إلى البحر، تحت السيادة الكاملة للحكومة الصومالية الفيدرالية.
6 – قرر الطرفان بدء مفاوضات فنية بحسن نية لتحقيق هذه الأهداف، وذلك قبل نهاية فبراير 2025، على أن تتم برعاية تركيا وتُختتم في غضون أربعة أشهر.
7 – تنفيذ هذه الالتزامات والتعهد بحل أي خلافات تتعلق بتفسيرها وتطبيقها من خلال الحوار وبطريقة سلمية مع الاستعانة بالوسيط التركي عند الحاجة .
8 – عقدت جولات فنية للمفاوضات بين إثيوبيا والصومال برعاية تركيا خلال شهري فبراير ومارس , تناولت المفاوضات الفنية آليات تنفيذ رؤية إعلان أنقرة، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، وإنشاء إطار عمل يتيح لإثيوبيا الحصول على وصول بحري خاضع للرقابة وإشراف صومالي بالإضافة إلى إطار عمل محتمل للاتفاقيات الثنائية والخطوات المستقبلية، اتفقت الأطراف على عقد جولات فنية أخرى من المفاوضات برعاية تركيا. [ب]
خامسًا : تداعيات الاتفاق الإثيوبي مع الصومال على مصالح دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي
إن الاتفاق يضفي مزيداً من التعقيد على المشهد الإقليمي بالقرن الأفريقي، وسط حالة من الضبابية حول تداعيات تلك الخطوة على جميع الأطراف في المنطقة وخارجها، وقد يؤدي إلى أن تتعرض منطقة المنفذ المنتظر لإثيوبيا في الصومال لهجمات إرهابية من حركة «شباب المجاهدين» والتي تكن العداء للتواجد الإثيوبي في الصومال.
ونجاح إثيوبيا في تحقيق ذلك الهدف سيمنحها نقطة انطلاق للتحكم في حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الواصل إلى قناة السويس، ما يهدد مصالح مصر الاقتصادية والأمنية بشدة، إذا ما وظفت إثيوبيا نفوذها في الصومال لصالح أجندتها السياسية.
أيضا نجاح إثيوبيا في الوصول إلى منفذ على البحر الأحمر، في ظل علاقاتها المتميزة مع إسرائيل سيؤدي إلى قيام تحالف استراتيجي إسرائيلي إثيوبي في البحر الأحمر سيترتب عليه تهديد للمصالح المصرية بصفة خاصة ومصالح تجمع الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر بصفة عامة في ظل عدم انضمام إسرائيل له.
التداعيات السلبية على الاقتصاد جيبوتي نتيجة تحول الاعتماد على ميناء جيبوتي إلى المنفذ الجديد بالصومال، وما يترتب عليه من انخفاض الإيرادات المالية لجيبوتي من عمليات الاستيراد والتصدير للتجارة الإثيوبية مع الخارج.
زيادة دور إثيوبيا الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي سيكون له مردود على زيادة نفوذها الإقليمي في منطقة شرق أفريقيا ومنطقة حوض النيل وتأثيراته السلبية على الدور المصري بتلك المناطق.
السيناريوهات المستقبلية
هناك ثلاثة سيناريوهات بشأن مآلات ومسار استكمال جهود الوساطة التركية لغاية التوصل إلى اتفاق حقيقي يسحب فتيل التوتر ويبدد مخاوف انزلاق المنطقة إلى صراع دام بين الصومال وإثيوبيا:[ت]
- السيناريو الأول: نجاح الوساطة وتحقيق مصالحة شاملة.
وهذا السيناريو هو الأرجح في ظل وساطة تركية جادة، نجحت في إقناع طرفي النزاع بأهمية الاتفاق لمصالح الدولتين، مع تعهدها بضمان أي من الطرفين لتنفيذ الاتفاق.
- السيناريو الثاني: تجميد الوساطة التركية.
يبقى هذا السيناريو مطروحاً إذا غاب عنصر التنازل وانعدام الثقة بين طرفي الأزمة، ويمكن أن يحدث إذا رفعت إثيوبيا سقف مطالبها، تحديداً فيما يتعلق بإنشاء قاعدة عسكرية في المنفذ البحري الذي يحرر من عزلتها المائية، وهو ما يرفضه الجانب الصومالي جملة وتفصيلا.
- السيناريو الثالث: فشل الوساطة التركية.
هذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً في الوقت الحالي، لكنه مع ذلك يبقى واردًا، إذا لم تفلح مساعي الأطراف الفاعلة في الأزمة في تبديد المخاوف والشكوك فيما بينهم، مما يؤدي إلى عودة التوترات بين البلدين من جديد.
ختاما..خلال عشر سنوات ماضية اعتمدت إثيوبيا على نفسها في الاتفاق مع دول أفريقية مطلة على البحر الأحمر أو خليج عدن دون أي وسيط أجنبي لكونها مصلحة مصيرية بالنسبة لها، إلا أنها بعد أزمة اتفاق أرض الصومال اضطرت إلى الاستعانة بقوى إقليمية مؤثرة هي تركيا في تسوية نزاعها مع الصومال الفيدرالي وعقد اتفاق للحصول على منفذ بحري في الصومال يحقق لها طموحاتها الاستراتيجية.
ومن المتوقع أن تسعى إثيوبيا إلى نسج شبكة إقليمية من الموانئ البحرية في القرن الأفريقي ترتبط بها سعيًا إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية وعدم الاعتماد بشكل كلي على ميناء واحد، وذلك لاعتبارات جيوسياسية مرتبطة بتعزيز النفوذ الإثيوبي في المنطقة.
________
قائمة المراجع
- دكتور. أحمد عسكر– لماذا تسعى إثيوبيا لامتلاك منفذ بحري- موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية https://acpss.ahram.org.eg/News/21337.aspx
- موقع جريدة الشرق الأوسط – https://aawsat.com
- موقع الجزيرة للدراسات https://studies.aljazeera.net/ar/article/6117
- تأثير السياسات الإثيوبية على المصالح والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل والقـرن الأفريقي والبحر الأحمر , ورقة بحثية , مركزالدراسات الاستراتيجية ق م, 2025.
- د. خالد موسي دفع الله , سباق التمركزالامني والنفوذ على شواطيء البحر الاحمر, داورية ابعاد للدراسات الاستراتيجية . 2021
- دكتور . احمد عسكر , قراءة أولية في اتفاق إثيوبيا و”أرض الصومال, موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية https://acpss.ahram.org.eg/News/21337.aspx
- انعاكاسات مذكرة التفاهم الإثيوبية مع ارض الصومال على أمن البحر الاحمر في ظل المستجدات الإقليمية والدولية . ورقة بحثية . مركزالدراسات الاستراتيجية ق م, 2024.
[أ] موقع الجزيرة للدراسات https://studies.aljazeera.net/ar/article/6117
[ب] موقع جريدة الشرق الاوسط – https://aawsat.com
- [ت] موقع الجزيرة للدراسات https://studies.aljazeera.net/ar/article/6117





