كتب – فاروق حسين أبو ضيف
باحث ماجستير بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة – باحث سياسي متخصص في الشؤون الأفريقية
تشهد السودان واحدة من أكثر المراحل دموية واضطرابًا في تاريخها الحديث، بعد سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع التي أحكمت سيطرتها على إقليم دارفور بأكمله، في تطور يهدد وحدة البلاد ويعمِّق مأساة إنسانية غير مسبوقة؛ فالمعارك التي بدأت كصراع على السلطة بين الجيش بقيادة البرهان والدعم السريع بقيادة حميدتي تحولت إلى حرب وجودية تمزق النسيج الاجتماعي وتهدد بانقسام السودان إلى مناطق نفوذ متصارعة. فيما تشهد جهود الوساطة في السودان واحدة من أعقد مراحلها منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023؛ إذ تتقاطع الإرادات الإقليمية والدولية مع انعدام الثقة بين الطرفين وتآكل المؤسسات الوطنية.
المبادرات المتعددة، من منبر جدة إلى محاولات الاتحاد الأفريقي والإيجاد، فشلت في وقف الحرب؛ لأنها لم تُبنَ على معالجة جذور الأزمة بل على ترتيبات مؤقتة لوقف إطلاق النار. فالمجتمع الدولي تعامل مع الصراع كخلاف سياسي بين جنرالين، لا كحرب ذات بنية إثنية واقتصادية عميقة تهدد وجود الدولة نفسها. هذا القصور البنيوي في مقاربة الوساطة جعلها تدور في حلقة مفرغة بين بيانات القلق ومشاهد الإبادة، فيما استمر الطرفان في استخدام الوقت لتعزيز مواقعهما الميدانية، لا للبحث عن تسوية مستدامة.[1]
وأدى سقوط الفاشر إلى تحول استراتيجي عميق غيّر موازين الحرب وكشف هشاشة مقاربة الجيش وعجز الوساطة عن حماية المدنيين، بينما صعود قوات الدعم السريع في دارفور فتح الباب أمام واقع جيوسياسي قد يقترب من التقسيم. تفاقمت المأساة الإنسانية مع موجات نزوح وانهيار الخدمات وتراجع الاهتمام الدولي، ما أعاد شبح الإبادة ونسف فكرة مسؤولية الحماية. هذا الواقع يجعل الوساطة مطالبة بالخروج من إطار التفاوض التقليدي والتحول إلى جهد إنقاذ يمنع تفكك السودان ويوقف كارثة إنسانية تتوسع كل يوم. فغياب الإرادة الفعلية محلياً ودولياً يرسخ الفوضى، ويمنح الأطراف المسلحة مساحة أوسع لفرض أمر واقع يعمق الانهيار، ويهدد مستقبل البلاد برمته في النهاية.[2]
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت جهود الوساطة الإقليمية والدولية قادرة حقًا على إنقاذ السودان من التفكك، أم إن سقوط الفاشر يمهِّد لواقع جديد تتجاوز فيه المليشيات والدعم الخارجي فكرة الدولة نفسها.
أولًا: تعقيدات المشهد السوداني وفشل المسارات التفاوضية السابقة
تشير تطورات المشهد السوداني إلى أن جهود الوساطة الإقليمية والدولية ما زالت تدور في فلك التسويات الشكلية دون أن تلامس جوهر الأزمة. فالمفاوضات التي احتضنتها جدة أو أديس أبابا فشلت لأنها تعاملت مع الحرب كصراع سلطة بين الجنرالين البرهان وحميدتي، لا كحرب هوية ودولة منهارة. الوساطة العربية والدولية حاولت حفظ ماء وجهها عبر الدعوات إلى “وقف إطلاق نار إنساني”، لكنها تجاهلت التوازن الميداني الجديد الذي فرضته قوات الدعم السريع بعد سيطرتها على معظم دارفور. كما أن تعدد الوسطاء خلق تناقضًا في المقاربات.[3]
في ظل هذا الارتباك، شكّل سقوط الفاشر نقطة تحول حاسمة أفشلت ما تبقى من أوهام حول إمكانية استعادة الدولة الموحدة. فالفاشر لم تكن مجرد مدينة بل رمزًا لصمود الدولة المركزية في الغرب، وسقوطها عكس ميزان قوى جديدًا جعل الدعم السريع اللاعب المهيمن في دارفور. هذا التحول الميداني فرض وقائع جديدة على أي مسار تفاوضي محتمل، إذ باتت أي وساطة مطالبة بالتعامل مع الدعم السريع كسلطة أمر واقع، تسيطر على أراضٍ وحدودٍ ومورد بشري واقتصادي. ومن ثم، فإن أي مبادرة لا تعترف بهذا الواقع ستظل حبرًا على ورق، لأنها تتجاهل أن الحرب في السودان لم تعد بين طرفين متكافئين بل بين مركز آخذ في الانكماش وطرف يسعى لتأسيس نظام بديل.[4]
الأبعاد الإنسانية لهذه التطورات تُضاعف من تعقيد المشهد. التقارير الميدانية من الفاشر وزمزم وجنينه تكشف عن انتهاكات ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وسط صمت دولي مريب. آلاف المدنيين قُتلوا، ومئات الآلاف نزحوا في ظروف قاسية، فيما تُستخدم المجاعة كسلاح للحصار والسيطرة. المفارقة أن الوساطة التي تُرفع شعارها باسم “حماية المدنيين” أصبحت أداة لتغطية العجز الدولي عن التحرك الجاد. فالقرارات الأممية الصادرة بعد سقوط الفاشر لم تتجاوز اللغة الدبلوماسية المعتادة: قلق، إدانة، ودعوات لضبط النفس. هذا الفراغ الأخلاقي يعيد إنتاج مشهد الإبادة الأولى في دارفور مطلع الألفية، حين وقف العالم متفرجًا حتى تحولت المأساة إلى وصمة دائمة في الذاكرة الإنسانية.[5]
فيما يتضح أن الصراع في السودان لم يعد مجرد مواجهة داخلية، بل تحول إلى ساحة صراع نفوذ تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية تتعامل مع البلد بوصفه مجالاً لتصفية الحسابات وتوسيع الامتداد الاستراتيجي، هذا التدخل الخارجي أضعف مسار الوساطة وحوّلها من مسعى محايد إلى أداة مرتبطة بأجندات الجهات الداعمة، الأمر الذي أفقدها القدرة على إنتاج تسوية عادلة وقابلة للصمود[6]، كما أن تباين أولويات القوى المنخرطة بين مقاربات أمنية ضيقة، ورؤى تُغلّف الضغط السياسي بشعارات ديمقراطية، ومساعٍ تبحث عن نفوذ اقتصادي أو عسكري، جعل منصات الوساطة تتحول إلى ساحة تنافس بدلاً من كونها إطاراً لإلزام الأطراف المتحاربة. وبهذا أصبح السودان أسير مصالح خارجية تتحكم في قرارات الحرب والسلام، مما يضع أي اتفاق محتمل أمام هشاشة بالغة وانفجار ممكن عند أول اختبار.[7]
تحولت آلية الوساطة إلى مساحة تنافس خارجي على النفوذ، ما سمح للأطراف المتحاربة باستغلال التباينات لصالحها وفقدان أي تأثير فعلي للجهود الدبلوماسية. ومع غياب التنسيق والرؤية الموحدة، توسع الصراع وازدادت هشاشة السودان، بينما تتجه مناطق مثل دارفور للتحول إلى ساحات نفوذ خارجي بدل أن تكون مدخلاً لتسوية وطنية.
ثانيًا: سقوط الفاشر كنقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب
تمثل سقوط مدينة الفاشر لحظة فارقة في مسار الحرب السودانية، ليس فقط لرمزيتها التاريخية والسياسية، بل لأنها أسقطت آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور، وحولت موازين القوة بشكل جذري لصالح قوات الدعم السريع. فالفاشر، التي ظلت لأشهر محاصرة وتقاوم وسط حصار خانق، كانت بمثابة “القلب النابض” لوجود الدولة في غرب السودان. ومع سيطرة الدعم السريع عليها في أكتوبر 2025، لم يعد الصراع محصورًا في منافسة عسكرية مؤقتة، بل تحول إلى مشهد تقسيم فعلي للبلاد بين شرق تسيطر عليه القوات النظامية وغرب أصبح تحت حكم ميليشيا منظمة تمتلك موارد، حدودًا، ومؤسسات ظل. هذا التحول الميداني كشف أن الحرب تجاوزت مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة إعادة رسم الجغرافيا السياسية للسودان وفق موازين القوة الجديدة.[8]
السقوط السريع للفاشر كشف أيضًا مدى هشاشة المؤسسة العسكرية السودانية التي بدت عاجزة عن الدفاع عن أهم مواقعها الاستراتيجية في دارفور، رغم التحذيرات المتكررة من وقوع المدينة. فالتقارير الدولية، من “ذا جارديان” إلى “The Africa Report”، تؤكد أن الانهيار جاء نتيجة انسحاب منسق ومبكر لقوات الجيش دون مقاومة تذكر، ما عزز الاتهامات بأن الجيش فضّل الحفاظ على قواته بدلًا من حماية المدنيين. هذا الانسحاب منح الدعم السريع فرصة لتوظيف “النصر” كأداة دعائية لإثبات تفوقه العسكري والسياسي، مقدمًا نفسه للمجتمع الدولي كقوة أمر واقع قادرة على فرض الأمن والإدارة. بهذا المعنى، لم يكن سقوط الفاشر مجرد انتكاسة عسكرية، بل إعلانًا عن نهاية مرحلة الدولة المركزية في الغرب، وبداية هندسة سياسية جديدة تتجاوز مؤسسات الدولة التقليدية.[9]
تداعيات سقوط الفاشر الإنسانية كانت مروّعة إلى درجة أنها أعادت إلى الأذهان مشاهد الإبادة الجماعية الأولى في دارفور مطلع الألفية. فالمجازر الموثقة في مستشفى السعودي ومراكز النزوح حول المدينة، كما أكدتها صور الأقمار الصناعية وتقارير منظمة الصحة العالمية، كشفت عن نمط ممنهج من القتل الجماعي يستهدف المدنيين على أساس الهوية العرقية. تحولت المدينة إلى مقبرة جماعية، فيما استخدم الدعم السريع أسلوب الترهيب المصور كأداة حرب نفسية ضد السكان. هذا الواقع المأساوي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية، خصوصًا مع تكرار الجرائم نفسها التي ارتُكبت قبل عقدين. لكن عوضًا عن التحرك الفعلي، اكتفى العالم بإصدار بيانات “القلق العميق”، مما جعل سقوط الفاشر ليس فقط كارثة وطنية، بل فضيحة إنسانية جديدة تثبت فشل النظام الدولي في حماية المدنيين.[10]
على المستوى الاستراتيجي، منح سقوط الفاشر قوات الدعم السريع ميزة جغرافية حاسمة مكّنتها من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور وحدوده مع أربع دول هي تشاد، ليبيا، أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان. هذا التمدد الإقليمي لم يغير فقط خريطة السيطرة، بل أعاد تشكيل الاقتصاد الحربي؛ حيث باتت قوات حميدتي تسيطر على تجارة الذهب والطرق اللوجستية العابرة للحدود، مما عزز استقلاليتها المالية عن المركز. كما فتح ذلك الباب أمام تحالفات جديدة مع قوى إقليمية تستفيد من موارد الإقليم مقابل الدعم العسكري والغطاء السياسي. وهكذا، تحولت دارفور من ساحة قتال داخلية إلى محور نفوذ إقليمي، وأصبحت السيطرة عليها ورقة تفاوض أساسية في أي تسوية محتملة، ما يعمِّق الانقسام البنيوي ويجعل فكرة الدولة الواحدة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.[11]
ومثّل سقوط الفاشر انهيارًا للرهانات الدبلوماسية على إمكانية الوصول إلى تسوية سلمية سريعة، إذ بيّن أن لغة القوة هي الوحيدة التي تحدد ملامح المرحلة المقبلة. فبينما تنشغل القوى الدولية بإدانات شكلية ومؤتمرات بلا أثر، يكرّس الدعم السريع سلطته ميدانيًا ويؤسس لواقع سياسي جديد قد يقود إلى تقسيم فعلي للسودان. باتت دارفور اليوم تحت حكم فعلي لقوة عسكرية غير خاضعة للدولة، تمتلك مصادر تمويل مستقلة وتنفذ نظام إدارة موازيًا. وإذا استمر هذا المسار دون تدخل دولي فعّال، فإن سقوط الفاشر لن يُسجل فقط كحدث عسكري، بل كلحظة ميلاد كيان جديد يعلن عمليًا موت الدولة المركزية في السودان وبداية عصر جديد من التفكك السياسي والجغرافي.[12]
ثالثًا: الأبعاد الإنسانية والقانونية للمأساة في دارفور
تشكل سقوط مدينة الفاشر لحظة إنسانية مأساوية تكشف الانهيار الكامل للضمير الدولي تجاه دارفور، إذ لم تعد المدينة مجرد ساحة قتال بل مسرحًا مفتوحًا لجرائم جماعية موثقة بالصوت والصورة. فقد تحوّلت المستشفيات إلى مواقع قتل جماعي، كما في مجزرة مستشفى السعودي للأمومة التي راح ضحيتها مئات المرضى والكوادر الطبية تحت أعين العالم. تقارير منظمة الصحة العالمية ومختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل أكدت وقوع عمليات إعدام ممنهجة، وتعذيب للجرحى، واستخدام المدنيين دروعًا بشرية. هذه الجرائم لم تكن استثناءً بل استمرارًا لسياسة الإبادة التي انتهجتها قوات الدعم السريع منذ مجازر الجنينة وزمزم، ما يجعلها حلقة جديدة في سلسلة من التطهير العرقي ضد المكونات غير العربية في الإقليم. في المقابل، اكتفى مجلس الأمن بإصدار بيانات تنديد، وكأن الدم السوداني لا يستحق أكثر من “القلق العميق”.[13]
ما جرى في الفاشر وزمزم وجنينة يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويؤكد أن النزاع في دارفور لم يعد مجرد صراع مسلح، بل جريمة ممنهجة ضد الإنسانية. فعمليات القتل الجماعي، والاستهداف القومي المنهجي، واغتصاب النساء كأداة حرب، كلها ترتقي إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية وفق تعريف المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، لم تُفعّل أي آلية فاعلة لمحاسبة المسؤولين رغم تراكم الأدلة الموثقة. هذا الإفلات من العقاب أعاد إنتاج منطق الحرب الأولى في دارفور مطلع الألفية، حينما تحوّلت الجريمة إلى أداة سياسية لفرض السيطرة على الأرض والهوية. إن صمت المجتمع الدولي أمام هذه الانتهاكات ليس مجرد تقصير أخلاقي، بل مشاركة ضمنية في استمرار الجريمة من خلال الامتناع المتعمد عن اتخاذ أي إجراءات رادعة.[14]
إن الإخفاق المتكرر في تفعيل العدالة الدولية يعكس أزمة بنيوية في مفهوم المحاسبة داخل النظام الدولي. فالقوى الكبرى التي سارعت للتدخل في أوكرانيا أو ليبيا وقفت عاجزة أمام مأساة دارفور، لأن السودان ببساطة خارج دوائر مصالحها الحيوية. هذا التناقض الأخلاقي فضح الطابع الانتقائي لتطبيق القانون الدولي، حيث تُحسب الأرواح وفق الجغرافيا لا وفق الإنسانية. ومع ذلك، فإن استمرار الجرائم دون عقاب لا يعني غياب المسؤولية، بل تأجيلها. فالتجارب السابقة تؤكد أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، كما حدث في محاكمة علي كوشيب بعد عقدين من جرائمه الأولى. ومن ثمّ، فإن التوثيق الجاري اليوم لجرائم الفاشر وجنينه يمثل اللبنة الأولى لمسار قضائي سيُحاسب عاجلًا أو آجلًا كل من تورط في هذه المذابح المنظمة.[15]
البعد الإنساني في مأساة دارفور يتجاوز الإحصاءات إلى عمق المأساة الوجودية لملايين النازحين الذين تحولوا إلى “شعب بلا أرض”. المجاعة المتفشية، وانهيار الخدمات الصحية، والحرمان من المساعدات الإنسانية بسبب الحصار، كلها ملامح لجريمة مستمرة تُرتكب في بطء تحت غطاء العجز الدولي. المدنيون في دارفور لم يعودوا يطالبون بالنجاة فحسب، بل بحقهم في أن يُعترف بمعاناتهم كجريمة تستحق الردع لا الرثاء. وإذا استمر غياب الإرادة الدولية في تطبيق مبدأ “مسؤولية الحماية”، فإن التاريخ سيكتب أن الفاشر كانت لحظة إعلان موت الضمير الإنساني، وأن دارفور لم تُباد فقط بالرصاص، بل أيضًا بالصمت. فحين تصبح الإنسانية خيارًا سياسيًا لا التزامًا قانونيًا، تُدفن العدالة تحت ركام المدن المنكوبة. [16]
رابعًا: التداعيات المحتملة لسقوط الفاشر على دافور
يشكّل سقوط مدينة الفاشر لحظة مفصلية في مسار الصراع السوداني، إذ تمثل آخر رموز وجود الدولة في غرب البلاد وانهيارها يعني عمليًا انتقال دارفور إلى مرحلة جديدة من السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع. لم يعد الأمر مجرد معركة عسكرية، بل تحوّل استراتيجي يُعيد رسم الخريطة السياسية والإنسانية لدارفور. هذا الحدث يكرّس ميزان قوى جديدًا، يفتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من الانهيار الأمني والتشظي الاجتماعي[17]، ويثير تساؤلات حادة حول مستقبل الإقليم كجزء من السودان الموحد أم ككيان منفصل بحكم الأمر الواقع. ولعل أبرز التداعيات، ما يلي:
1. انهيار النظام الإداري والأمني: بسيطرة الدعم السريع على الفاشر، تفقد الحكومة المركزية آخر مؤسساتها الإدارية في دارفور، ما يعني عمليًا غياب الدولة. سينشأ فراغ أمني واسع تملؤه المليشيات المحلية، فيتحول الإقليم إلى فسيفساء من سلطات أمر واقع. هذا الانهيار يتيح للدعم السريع إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية والقضائية وفقًا لولاءات قبلية، ما يعزز الانقسام الاجتماعي ويُقوّض إمكانية عودة النظام المدني قريبًا. كما سيصبح السكان رهائن لسلطة السلاح، دون مؤسسات قادرة على فرض النظام أو إنفاذ العدالة، في مشهد يذكّر بتفكك ليبيا بعد سقوط القذافي.[18]
2. كارثة إنسانية متفاقمة: سقوط الفاشر قطع آخر شريان إنساني كان يربط شمال دارفور بالعالم الخارجي، مما يجعل المجاعة والانهيار الصحي واقعًا لا محالة. تقارير المنظمات الدولية تؤكد أن أكثر من مليون ونصف شخص يعيشون على حافة الجوع، وأن المستشفيات الميدانية أُبيدت أو أُغلقت. مع انعدام الممرات الآمنة واحتجاز المدنيين، تتحول دارفور إلى منطقة مغلقة أمام الإغاثة، يستخدم فيها الجوع كسلاح حرب. كما سيؤدي النزوح الجماعي نحو تشاد إلى أزمة إقليمية جديدة تُرهق الدول المجاورة وتفتح الباب أمام تجارة بشر وعمليات تهريب عبر الحدود.[19]
3. تصاعد النزعات الانفصالية: سيطرة الدعم السريع على كامل دارفور تمنحه سلطة سياسية واقتصادية قد تُترجم مستقبلًا إلى مطالبة بالاعتراف الدولي أو إنشاء حكومة محلية مستقلة. هذا التطور سيغذي فكرة الانفصال الفعلي، خاصة في ظل غياب أي أفق لعودة الدولة المركزية. مع إعادة فتح الحدود مع تشاد وليبيا، سيُعاد إنتاج نموذج “الكيان الحدودي المسلح”؛ حيث تصبح دارفور اقتصاديًا مرتبطة بجيرانها أكثر من ارتباطها بالخرطوم. هذا الانفصال الواقعي سيعمِّق هشاشة السودان، ويحوِّل دارفور إلى ساحة تنافس نفوذ إقليمي جديد.[20]
4. تعقيد فرص التسوية السياسية: انتصار الدعم السريع في الفاشر سيقوّي موقعه التفاوضي، ويدفعه للتعامل مع أي مبادرة سلام من موقع المنتصر، لا الشريك. هذا سيجعل المفاوضات المقبلة أكثر هشاشة، لأن الجيش سيخوضها من موقع ضعف بينما ستُهمّش القوى المدنية بالكامل. كما أن فصائل دارفور التي تحالفت مع الجيش ستشعر بالخيانة بعد انسحابه، ما سيؤدي إلى تصدّع تحالفاته ويقوّض فرص أي تسوية وطنية. النتيجة ستكون استمرار الحرب في شكل سياسي جديد، تُدار فيه دارفور كمجال نفوذ مستقل دون التزام بوحدة السودان.
5. تداعيات إقليمية وأمنية خطيرة: سقوط الفاشر يعيد رسم توازن القوى في غرب أفريقيا والساحل، إذ يضع منطقة شاسعة تحت نفوذ مجموعة مسلحة ذات علاقات متشابكة مع شبكات تهريب السلاح والذهب. سيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار تشاد وأفريقيا الوسطى، وربما جذب الجماعات الجهادية التي تبحث عن موطئ قدم جديد. كما أن استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين سيحوِّل دارفور إلى عقدة صراع إقليمي، تمتد آثاره إلى البحر الأحمر والساحل. هذا الانفجار الإقليمي المحتمل يجعل سقوط الفاشر ليس مجرد مأساة سودانية، بل تهديدًا واسعًا للأمن الأفريقي برمته.[21]
خامسًا: آفاق الوساطة ومستقبل دارفور في ظل سيناريوهات التقسيم
تبدو الوساطة في السودان محصورة بتوازنات هشة تعيق أي اختراق سياسي، فبعد تغيّر ميزان القوى تتعامل الأطراف مع الهدنة كمهلة تكتيكية لا كمقدمة لتسوية. ومع تضارب مصالح الرعاة وغياب رؤية شاملة، تتحول الجهود لإدارة الأزمة، فيما يدفع المدنيون ودارفور الثمن الأكبر[22]، كما أن الحديث عن ترتيب لقاء محتمل بين “البرهان” و”حميدتي” في القاهرة يبقى محاطاً بشكوك كبيرة، إذ يفتقر الأساس الضروري لبناء الثقة، ويتأثر بحسابات إقليمية متضاربة تجعل أي محاولة للتقارب أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى خطوة حقيقية لفتح مسار تفاوضي جاد[23]، أما مستقبل دارفور في ظل هذا السياق فيبدو مرهونًا بميزان القوة الميداني أكثر من أي اتفاق سياسي، فالسلام لن يتحقق بمجرد اتفاقات بين الجنرالات، بل بعودة سلطة القانون والتمثيل المدني، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل مشهد تتآكل فيه الدولة لصالح قوى ما دونها. وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، فإننا أمام عدة سيناريوهات، ولعل أبرزها، ما يلي:
السيناريو الأول: نجاح الوساطة وتثبيت الهدنة: يتمثل في أن تنجح اللجنة الرباعية في فرض هدنة إنسانية تمتد لعدة أشهر، تمهّد لعملية سياسية جديدة تستبعد القوى المتطرفة وتعيد إشراك المدنيين. هذا السيناريو يتطلب توافقًا دوليًا غير متوفر حاليًا، لكنه ممكن إذا أدركت الأطراف أن استمرار الحرب يهدد بانهيار شامل. نجاح هذا المسار قد يفتح الباب لتسوية تدريجية تحفظ وحدة السودان وتضع دارفور تحت إدارة انتقالية بإشراف دولي مؤقت.
السيناريو الثاني: تثبيت الانقسام وظهور كيان دارفوري شبه مستقل: في حال فشل الهدنة أو تحوّلها إلى غطاء لإعادة التموضع، قد تترسخ السيطرة الفعلية للدعم السريع على دارفور، ما يؤدي إلى نشوء إدارة موازية تحت مسمى “الحكم المحلي”. هذا الوضع سيخلق واقعًا يشبه شرق ليبيا بعد 2014، مع وجود اقتصاد حرب يعتمد على الذهب والتهريب.
السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات وتصعيد عسكري شامل: قد تنهار جهود الوساطة إذا فشل اللقاء المرتقب بين البرهان وحميدتي، ما يدفع الطرفين لاستئناف القتال في كردفان والخرطوم. هذا السيناريو سيعمّق المأساة الإنسانية ويدفع البلاد نحو مجاعة شاملة، مع انزلاق دارفور إلى فوضى مليشياوية متعددة الأطراف على غرار الصومال في التسعينيات.
السيناريو الرابع: تدخل دولي تحت مبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P): إذا استمر تصاعد الجرائم في دارفور، قد تلجأ الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي لتفعيل مبدأ “مسؤولية الحماية”، ما يتيح تدخلًا محدودًا أو إنشاء منطقة آمنة غرب السودان. رغم أنه احتمال ضعيف بسبب الانقسام الدولي، إلا أنه قد يفرض واقعًا جديدًا يجمّد الصراع دون حله جذريًا، ويجعل دارفور خاضعة لوصاية إنسانية دولية مؤقتة.
ختامًا، وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن جهود الوساطة في السودان تبدو اليوم عالقة بين واقع ميداني يفرضه السلاح وإرادة دولية مترددة عاجزة عن صياغة مسار سلام حقيقي. فسقوط الفاشر لم يكن مجرد هزيمة عسكرية للجيش، بل إعلانًا عمليًا عن تفكك الدولة وبروز سلطات موازية تتنازع الشرعية والسيادة. في هذا السياق، لم تعد الوساطة خيارًا دبلوماسيًا، بل اختبارًا لقدرة الإقليم والعالم على إنقاذ ما تبقى من السودان كوطن موحد. الإجابة عن التساؤل الرئيس حول إمكانية نجاح هذه الجهود تبدو قاتمة ما لم يُعاد تعريف مفهوم الوساطة من تسوية بين جنرالين إلى عملية شاملة تعالج جذور الأزمة في الهوية والسلطة والثروة. فالسودان لن يُنقذ بوقف نار مؤقت أو تسوية فوقية، بل بإرادة سياسية داخلية تُعيد الاعتبار للمدنيين وتستعيد معنى الدولة من بين أنقاض الحرب. دون ذلك، سيظل الفشل عنوان الوساطة، والانقسام مصير البلاد.
[1] Sheriff Bojang Jnr, El Fasher falls: Is Sudan’s partition now inevitable?. https://www.theafricareport.com/396851/el-fasher-falls-is-sudans-partition-now-inevitable/
[2] Rachel Savage, Carlos Mureithi, Laure Boulinier and Elena Morresi, A Sudanese massacre foretold: the grim familiarity of the RSF’s rampage through El Fasher. https://www.theguardian.com/world/2025/nov/01/sudan-massacre-rsf-rampage-el-fasher?CMP=Share_AndroidApp_Other
[3] James Wilson, Sudan’s Two Warring Versions Of The Future – OpEd. https://www.eurasiareview.com/04112025-sudans-two-warring-versions-of-the-future-oped/
[4] A Sudanese massacre foretold: the grim familiarity of the RSF’s rampage through El Fasher, ibid.
[5] Sheriff Bojang Jnr, El Fasher falls: Is Sudan’s partition now inevitable?. https://www.theafricareport.com/396851/el-fasher-falls-is-sudans-partition-now-inevitable/
[6] Maram Mahdi, Pathways to peace: fostering coordination in Sudan’s mediation processes. https://issafrica.org/research/books-and-other-publications/pathways-to-peace-fostering-coordination-in-sudan-s-mediation-processes
[7] James Wilson, Sudan’s Two Warring Versions Of The Future – OpEd. https://www.eurasiareview.com/04112025-sudans-two-warring-versions-of-the-future-oped/
[8] James Wilson, Sudan’s Two Warring Versions Of The Future – OpEd. https://www.eurasiareview.com/04112025-sudans-two-warring-versions-of-the-future-oped/
[9] El Fasher falls: Is Sudan’s partition now inevitable?, ibid.
[10] What Is the Extent of Sudan’s Humanitarian Crisis?, Council on Foreign Relations. https://www.cfr.org/in-brief/what-extent-sudans-humanitarian-crisis
[11] Oluwole Ojewale, Sudan’s civil war reignites the illicit car trade into Chad. https://issafrica.org/iss-today/sudan-s-civil-war-reignites-the-illicit-car-trade-into-chad
[12] James Wilson, Sudan’s Two Warring Versions Of The Future – OpEd. https://www.eurasiareview.com/04112025-sudans-two-warring-versions-of-the-future-oped/
[13] James Wilson, Sudan’s Two Warring Versions Of The Future – OpEd. https://www.eurasiareview.com/04112025-sudans-two-warring-versions-of-the-future-oped/
[14] Maram Mahdi, Pathways to peace: fostering coordination in Sudan’s mediation processes. https://issafrica.org/research/books-and-other-publications/pathways-to-peace-fostering-coordination-in-sudan-s-mediation-processes
[15] Kurtz, Gerrit. “Protecting Civilians in Sudan.” Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP), August 7, 2025. https://www.swp-berlin.org/publikation/protecting-civilians-in-sudan
[16] Jennifer Holleis, Sudan: One-sided truce prompts calls for humanitarian aid, Deutsche Welle. https://www.dw.com/en/sudan-as-one-sided-truce-starts-calls-for-more-humanitarian-aid-grow-urgent/a-74654854
[17] Caterina Roggero, Sudan and Beyond: How El-Fasher’s Fall Could Worsen Regional Fragmentation, Institute for International Political Studies. https://www.ispionline.it/en/publication/sudan-and-beyond-how-el-fashers-fall-could-worsen-regional-fragmentation-222722
[18] Suraj Yadav, Gold, Gulf, and the Fall of El Fasher: RSF Redraws Sudan War Map. https://www.geopoliticalmonitor.com/gold-gulf-and-the-fall-of-el-fasher-how-the-rsf-redrew-the-sudan-war-map/
[19] Oluwole Ojewale, Sudan’s civil war reignites the illicit car trade into Chad. https://issafrica.org/iss-today/sudan-s-civil-war-reignites-the-illicit-car-trade-into-chad
[20] Ibid.
[21] Robert Williams, Sudan’s Islamist General: How Al-Burhan’s Alliance with Iran and the Muslim Brotherhood Threatens U.S. and Israeli Security, Gatestone Institute. https://www.gatestoneinstitute.org/22035/sudan-islamist-general
[22] Caterina Roggero, Sudan and Beyond: How El-Fasher’s Fall Could Worsen Regional Fragmentation, Institute for International Political Studies. https://www.ispionline.it/en/publication/sudan-and-beyond-how-el-fashers-fall-could-worsen-regional-fragmentation-222722
[23] Suraj Yadav, Gold, Gulf, and the Fall of El Fasher: RSF Redraws Sudan War Map. https://www.geopoliticalmonitor.com/gold-gulf-and-the-fall-of-el-fasher-how-the-rsf-redrew-the-sudan-war-map/





