الصومال وإسرائيل.. أزمة مضيق باب المندب ومُعضلات الأمن البحري (دراسة)

مايو 7, 2026

كتب –  د. محمد فؤاد رشوان

باحث في الشؤون الأفريقية

أثار الإعلان الصومالي بشأن منع السفن الإسرائيلية من عبور باب المندب اهتمامًا واسعًا، خاصة وأنه يجمع بين ثلاث دوائر متداخلة: النزاع السياسي حول الاعتراف بـ”صوماليلاند” أو أرض الصومال، وحساسية الأمن البحري في واحد من أهم الممرات العالمية، وحدود القوة القانونية والعسكرية للدولة الصومالية في تنفيذ تهديد من هذا النوع.

ويشكّل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، حيث يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويُعد شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي، برزت أنماط جديدة من التهديدات التي لم تعد مقتصرة على الدول الساحلية التقليدية، بل امتدت لتشمل فواعل هشة أو غير مباشرة التأثير، مثل الصومال.

في هذا السياق، تُثار العديد من تساؤلات حول مدى إمكانية توظيف التفاعلات السياسية والأمنية المرتبطة بالصومال – بما في ذلك مواقفه تجاه إسرائيل – في إعادة تشكيل معادلات الأمن البحري في المضائق الدولية، ولا يتعلق الأمر بقدرة مباشرة على تعطيل الملاحة، بقدر ما يرتبط بإنتاج بيئات غير مستقرة قد تنعكس على أمن الممرات البحرية الحيوية.

أولاً: النظام القانوني للمضائق الدولية

يمكن تعريف المضيق وفقًا للقانون الدولي بأنه “ممر مائي يصل بين جزأين من أعالي البحار ومستخدم للملاحة الدولية وتمارس عليه السفن حق المرور البريء”.

ومن ثم فإن المضيق الدولي هو ممر مائي ضيق يستخدم للملاحة الدولية بين جزأين من المجالات البحرية، ويُشترط فيه أن يكون مستخدمًا في الملاحة الدولية بصرف النظر عن كثافة تلك الملاحة أو أهميتها وطبيعة الأرض التي يقع فيها المضيق والبحار التي يصل بينها والاسم الذي يطلق عليه.

وقد طوَّرت اتفاقية قانون البحار الموقعة عام 1982 المادة الـ37 من الاتفاقية الثالثة مفهوم المضائق الدولية وعرفتها بأنها “المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة”[1].

وخلال مناقشة الأحكام القانونية للمضائق في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة لقانون البحار، وقبل توقيع الاتفاقية الجديدة حدث صراع كبير بين الدول الكبرى والدول النامية حول النظام القانوني للمضائق المستخدمة في الملاحة البحرية الدولية وفقد وافقت الدول الكبرى على بقاء هذه المضائق مفتوحة وفقًا لنظام المرور العابر بالنسبة للسفن جميعها بما فيها السفن الحربية والطيران أما الدول المشاطئة لهذه المناطق فكانت تسعى إلى تطبيق مبدأ السيادة الإقليمية على هذه الممرات الدولية وإخضاعها لنظام المرور البريء الذي يفترض فيه مرور السفن التجارية دون السفن والطائرات الحربية التي يشترط لمرورها إذن مسبق.

إلا أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار اعتمدت حق المرور العابر للسفن والطائرات في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار وبين منطقة اقتصادية خالصة.[2]

1 – أحكام المرور العابر في المضائق الدولية

يُعد نظام المرور العابر من الأنظمة التي استحدثتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 ولم يكن من الأنظمة الملاحية المعروفة من قبل، وقد استخدمت المشروعات التي نوقشت في المؤتمر الثالث لقانون البحار تعبير “المرور العابر” كمحاولة للتوفيق بين الحقوق المتنازع عليها بين الدول المشاطئة والدول الأخرى من ناحية حقوق المرور وما بين حقوق أو التزامات كل طرف في المرور وكذلك لمنع استخدام الدول المشاطئة من استغلال المضائق كأداة ضغط سياسية.

وقد عرّفت الفقرة الثانية من المادة 38 من الاتفاقية الثالثة لقانون البحار المرور العابر بأنه “ممارسة حرية الملاحة والتحليق لغرض وحيد وهو العبور المتواصل السريع في المضيق” وبموجب هذا التعريف تتمتع السفن والطائرات جميعها دون تمييز سواء أكانت تجارية أم حربية بحق المرور العابر ولا يجوز أن تُعاق ملاحتها بالمضيق، ولا يمنع ذلك من الدخول إلى الدولة الساحلية المطلة على المضيق أو مغادرتها أو العودة منها مع مراعاة شروط الدخول إلى تلك الدول. [3]

2 – الفرق بين المرور العابر والبريء في القانون الدولي

يمكن التمييز بين حق المرور البريء والمرور العابر من خلال عدة نقاط لتوضيح الفرق بينهما، وما صاحب إقرارها خلال مناقشة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ فإذا كان المرور العابر يمنح للسفن والطائرات من خلال المضائق البحرية دون قيود عليها، فإن المرور البريء عبر المضيق أو خلال البحر الإقليمي يكون خلاف ذلك حيث تلتزم السفن سواء كانت سفنًا تجارية أو حربية ببعض القيود التنظيمية من أجل حماية أمن وسلامة الدولة الساحلية ومصالحها كما تلتزم الغواصات الأجنبية عند مرورها مرورًا بريئًا في البحر الإقليمي أن تحصل على إذن مسبق، وأن تكون طافية على سطح الماء وترفع علم دولتها.

وبالتالي فإن حق المرور العابر يتعدى حق المرور البريء في أنه، إضافة إلى تقرير حق المرور للسفن الأجنبية بالمرور خلال المضيق، يعطي كذلك للطائرات حق التحليق فوق المضيق كما يعطي للغواصات وغيرها من المركبات الغاطسة الحق في عبور المضيق دون اشتراط أن تكون طافية على سطح الماء أو رافعة علمها.

كذلك لا يجوز للدول المطلة على المضيق أن تُوقف المرور العابر سواء بالنسبة للسفن أو الطائرات أو الغواصات وذلك على خلاف الحال بالنسبة للمرور البريء في البحر الإقليمي حيث يجوز للدول الساحلية أن توقف هذا المرور في الأحوال والشروط التي حددتها الاتفاقية.[4]

3 – القواعد الحاكمة للملاحة في المضائق الدولية

أقر القانون الدولي، استنادًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، نظامًا قانونيًا خاصًا للمضائق الدولية المستخدمة في الملاحة الدولية، وقد سبق أن أشارت إلى ذلك قضية مضيق “كورفو” الشهيرة بين المملكة المتحدة وجمهورية ألبانيا أمام محكمة العدل الدولية عام 1949، حيث أكدت المحكمة حق المملكة المتحدة في المرور العابر عبر مضيق “كورفو”، الذي يربط بين جزأين من أعالي البحار، شريطة أن يكون المرور مستمرًا وسريعًا دون توقف، مع عدم منح للدولة المشاطئة سلطة تعوقه.

وقد نصّت المادة 34 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على النظام القانوني للمضائق الدولية، وأقرت بحق الدولة المشاطئة في ممارسة سيادتها على المضيق، مع خضوع هذا الحق لقواعد القانون الدولي وإجراءاته، وبالتالي، تبقى السيادة للدولة المشاطئة، لكنها مقيدة بالالتزامات الدولية.

وفي إطار ممارسة هذه السيادة، فإن اتفاقية 1982 تمنح الدولة المشاطئة مجموعة من الحقوق تجاه المضائق الدولية، وفي مقابلها تفرض عليها التزامات وواجبات تجاه السفن الأجنبية العابرة، بما يحقق التوازن بين حقوق الدول المشاطئة.

أ – حقوق الدول المشاطئة:

يحق للدولة المشاطئة تنظيم الملاحة داخل مضيقها، بما في ذلك إنشاء ممرات ملاحية وأنظمة فصل حركة المرور لتعزيز سلامة الملاحة. كما يحق لها سن قوانين تتعلق بمكافحة التلوث، والصيد، والجمارك، والضرائب، والصحة العامة، شريطة ألا تميز بين السفن الأجنبية، وألا تتعارض مع جوهر حق المرور العابر.

ب – التزامات الدول المشاطئة:

 يقع على عاتق الدولة المشاطئة واجب أساسي هو عدم إعاقة أو تعليق المرور العابر. ويجب عليها الإعلان عن أي مخاطر أو أعمال قد تؤثر على سلامة الملاحة. كما تلتزم بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) والمنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) عند اقتراح أي ترتيبات ملاحية، وألا تفرض على السفن العابرة رسومًا إلا مقابل خدمات محددة فعلية تؤديها.

وبالتالي يتحقق التوازن؛ سيادة الدولة المشاطئة مع حرية المرور العابر لضمان الأمن والسلامة الدولية، دون أن يتحول المضيق إلى مياه داخلية خاضعة لسيطرة مطلقة.[5]

ثانيًا: طبيعة العلاقة بين الصومال وإسرائيل

شهدت العلاقات الصومالية-الإسرائيلية تدهورًا حادًا بعد قرار إسرائيل في ديسمبر 2025 الاعتراف بـ “أرض الصومال” (صوماليلاند) ككيان مستقل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معه، في خطوة اعتبرها الصومال انتهاكًا مباشرًا لسيادته ووحدة أراضيه.

ردت مقديشو باستنكار شديد وتصعيد دبلوماسي، فالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وصف القرار بأنه “أكبر انتهاك للسيادة الصومالية”، كما أدان البرلمان الفيدرالي الخطوة ودعا إلى رفعها إلى المنظمات الدولية.

على المستوى الجيوسياسي، تتعارض مصالح الصومال مع الأهداف الإسرائيلية في القرن الأفريقي؛ حيث تسعى إسرائيل إلى توسيع نفوذها في البحر الأحمر عبر شراكات غير تقليدية تشمل أرض الصومال، بهدف تأمين ممرات ملاحية استراتيجية وتعزيز شبكات استخباراتية وتجارية جديدة.[6]

أما الصومال فترى في هذا الاعتراف خطوة ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الإقليم على نحو يضعف الدولة الصومالية ويفتح الباب أمام تفكيكها إلى كيانات صغيرة، بما يهدد أمن البحر الأحمر ويزعزع توازن القوى الإقليمية.

علاوة على ذلك، تتعارض مصالح الصومال مع المشروع الإسرائيلي في البحر الأحمر، الذي يسعى إلى تأمين وصول إسرائيل لمنطقة البحر الأحمر عبر تعزيز وجودها في أرض الصومال وزحزحة النفوذ العربي التقليدي، في ظل تنافس إقليمي ودولي على ممرات مثل باب المندب.

وبالتالي، أصبحت العلاقات الصومالية–الإسرائيلية تجسيدًا لصراع مصالح استراتيجي: فالصومال يريد حماية وحدته وفرض سيادته على أراضيه الداخلية والبحرية، مقابل سعي إسرائيلي إلى ترسيخ وجود في أحد أكثر الممرات الملاحية الدولية حساسية، وهو ما يحول الخلاف من أزمة ثنائية إلى عنصر في أزمة أوسع للمرور والسيادة في البحر الأحمر.[7]

ومع بدء إسرائيل إجراءات تنفيذ اتفاقها مع “صوماليلاند” لتبادل السفراء، أصدرت الحكومة الصومالية قرارًا بحظر مرور السفر الإسرائيلية عبر مضيق باب المندب معتبرة التحرك الإسرائيلي تدخلًا سافرًا في الشئون الداخلية للصومال ويضر بسلامة أراضيه وسيادته.[8]

ورغم ما قد يُثار من أن محدودية العلاقة المباشرة بين الصومال وإسرائيل تضعف من افتراض وجود تأثير متبادل بينهما، فمن الناحية العملية لا توجد الآن رابطة قوية أو متينة بين الصومال وإسرائيل على مستوى عال من التعاون الاستراتيجي أو التبادل الاقتصادي الكبير، وكذلك فالخلاف الحالي لا ينطلق من صراع حدودي مباشر، بل يتركز حول قرار سياسي وهو الاعتراف بإقليم أرض الصومال، ومن ثم فإن هذا الطرح يظل مقيدًا برؤية تقليدية تحصر التفاعلات في إطارها الثنائي المباشر، فالواقع الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي يكشف عن نمط أكثر تعقيدًا من العلاقات، حيث تتداخل العوامل السياسية والأيديولوجية مع شبكات التحالفات الإقليمية، بما يجعل التأثير لا يُقاس فقط بوجود علاقات رسمية أو صدام مباشر.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى المواقف الصومالية تجاه إسرائيل باعتبارها انعكاسًا لتموضع أوسع داخل بنية إقليمية متشابكة، تتأثر فيها حسابات الفاعلين بما يجري خارج نطاق العلاقة الثنائية الضيقة، لكن هذا القرار الإسرائيلي لا يمكن قراءته بمعزل عن التنافس بين الدول الكبرى على البحر الأحمر وخليج عدن خصوصًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، إلى جانب مصالح الدول الإقليمية مثل السعودية ومصر وإثيوبيا، ومن ثم، فإن غياب العلاقة المباشرة لا يعني انتفاء التأثير، بقدر ما يشير إلى تحوّل في طبيعته، من نمط مباشر إلى أنماط غير مباشرة تتطلب مقاربة تحليلية أوسع وأكثر مرونة لفهمها.[9]

ثالثًا: باب المندب في معادلة الصراع البحري

1 – الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب

يُعدّ مضيق باب المندب من أهم المضائق البحرية ذات القيمة الجيوستراتيجية العالية؛ إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والبحر العربي، ويشكّل نقطة عبور أساسية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، ويحدّ هذا المضيق من الجنوب اليمن، الذي يطل على ضفته الشرقية ويتحكم تاريخيًا في جزيرة ميون الواقعة في وسطه، بينما تقع إريتريا وجيبوتي على الضفة الغربية منه. ويبلغ عرض المضيق نحو 30 كيلومترًا تقريبًا، من رأس منهالي شرقًا إلى رأس سيان غربًا، ما يجعله ممرًا بحريًا شديد الحساسية من حيث الملاحة والأمن.

وتنبع أهمية مضيق باب المندب من كونه أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، إذ تمر عبره سنويًا نحو 25 ألف سفينة، بما يمثل قرابة 7% إلى 12% من الملاحة العالمية. وتتضاعف هذه الأهمية بسبب ارتباطه العضوي بقناة السويس من جهة، وبمضيق هرمز من جهة أخرى، الأمر الذي يجعله جزءًا من منظومة مترابطة من عقد الاختناق البحرية التي تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، ومن ثم فإن أي اضطراب في هذا المضيق لا يقتصر أثره على الإقليم المباشر، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.[10]

وتشير التقديرات إلى أن ما بين 5 إلى 6% من إنتاج النفط العالمي، أي ما يعادل نحو 4- 6 ملايين برميل يوميًا، تعبر هذا المضيق في طريقها إلى قناة السويس ثم إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، وهو ما أكسب “باب المندب” موقعًا متقدمًا في خريطة الممرات البحرية الاستراتيجية، وجعله يحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث كمية النفط التي تعبره يوميًا. كما أن هذا الموقع يمنح اليمن، ولا سيما الجنوب، ميزة جيوسياسية واضحة، إذ يتيح له الإشراف على أحد أهم المنافذ البحرية الدولية، ويمنحه في الوقت نفسه حدودًا طبيعية أقل كلفة من الحدود البرية المفتوحة، نظرًا إلى أن البحر يشكل حاجزًا طبيعيًا يسهم في خفض أعباء الدفاع والأمن.

وقد ازدادت القيمة الاستراتيجية لمضيق باب المندب بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، حين أصبح جزءًا لا يتجزأ من شبكة الملاحة بين آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا. ومنذ ذلك التاريخ، تحول إلى ممر مركزي لتدفق البضائع والطاقة، ولا سيما مع تصاعد أهمية النفط الخليجي في الاقتصاد العالمي. كما أن اتساع وعمق الممر الملاحي في الجزء الغربي من المضيق يسمحان بعبور السفن وناقلات النفط في الاتجاهين بصورة نسبية ميسّرة، وهو ما عزز من أهميته التجارية واللوجستية.[11]

وفي السياق ذاته، يحتفظ اليمن، وخاصة الجنوب، بأفضلية جغرافية واستراتيجية في الإشراف على المضيق، بالنظر إلى امتلاكه جزيرة ميون، التي ظلّت تاريخيًا مرتبطة بالجنوب، رغم محاولات ربطها إداريًا بمحافظة تعز، وتكتسب هذه الأفضلية بعدًا إضافيًا بسبب امتداد الجبهة البحرية الجنوبية لمسافة تبلغ نحو 1800 كيلومتر، وهو طول كبير نسبيًا إذا ما قورن بالمعدل العام للسواحل في الوطن العربي، بما يعزز حضور الجنوب في معادلات الأمن البحري والرقابة على خطوط الملاحة. كما أن وجود الجزر الجنوبية، وفي مقدمتها سقطرى، يضيف عمقًا استراتيجيًا مهمًا؛ لأنها تتيح الانتشار والمراقبة والتحكم في الممرات البحرية المحيطة، فضلًا عن موقعها القريب من طرق العبور إلى شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.

2 – الفاعلون الإقليميون والدوليون حول المضيق

لا يعد الوجود الدولي في مضيق باب المندب ظاهرة مستجدة، بل هو امتداد لتنافس تاريخي بدأ مع إعلان استقلال جنوب اليمن عام 1967، حيث رسا الأسطول السوفياتي في عدن وسقطرى، بينما احتضنت الولايات المتحدة قواعدها في أرخبيل دهلك، وتصاعدت الأهمية الاستراتيجية للمضيق خلال حرب 1973، ثم بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما أسست واشنطن قاعدتها في جيبوتي (2002) لمواجهة الإرهاب والقرصنة، محولة القرن الأفريقي إلى منطقة تنافس عسكري محتدم. ومع تصاعد القرصنة (2008-2017)، تدفقت قوى كبرى مثل إسبانيا واليابان وإيطاليا والصين لإنشاء قواعد في جيبوتي، تلتها تركيا والإمارات والسعودية وإسرائيل، مما جعل المنطقة تعج بالقواعد العسكرية للقوى المتنافسة.

أ – أهمية المضيق للقوى الدولية الكبرى:

أولاً: الولايات المتحدة: ترى واشنطن في باب المندب شريانًا حيويًا لأمن الطاقة العالمي وعبور النفط. تدرجت استراتيجيتها من ترتيبات بحرية مشتركة مع أوروبا لتأمين الملاحة، إلى السعي لنقاط ارتكاز جديدة في هرجيسا وبربرة، وتعزيز وجودها في جيبوتي. ومع ظهور فراغ نسبي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، كثّفت إدارة الرئيس دونالد ترامب وجودها العسكري ردًا على التهديدات الحوثية، واليوم، تستثمر واشنطن هجمات البحر الأحمر (ما بعد أكتوبر 2023) لتكريس “عسكرة جديدة” للمضيق بهدف ردع إيران، مراقبة النشاط الصيني، وتأكيد هيمنتها على الممرات المائية الحيوية.

ثانيًا: الصين: تحول باب المندب إلى ركيزة أساسية في استراتيجية بكين العالمية؛ يمر عبره 60% من صادراتها إلى أوروبا (بما فيها 99% من سفن الحاويات عبر قناة السويس)، ويجني منها 160 مليار دولار سنوياً. دفعت هجمات البحر الأحمر بكين لتعزيز وجودها، فافتتحت قاعدتها اللوجستية الأولى في جيبوتي (2017) لحماية مصالحها الاقتصادية في أفريقيا، وعينت مبعوثاً خاصاً للقرن الأفريقي (2022) لمنافسة النفوذ الأمريكي، وتهدف الصين من خلال مؤتمرات التعاون الجماعي ومبادرة “الحزام والطريق” إلى تأمين طرق التجارة والموارد الطبيعية، وتحدي الهيمنة العسكرية الأمريكية في المنطقة.[12]

ثالثاً: روسيا: وإن كان حضورها المباشر أقل بروزاً، إلا أن إرثها السوفياتي في عدن وسقطرى يظل دليلاً على طموحاتها التاريخية، ومن ثم فاليوم، تبرز موسكو كجزء من محور منافس مع الصين، مما يحول المضيق إلى ساحة لاختبار التوازنات العالمية، وتُعتبر روسيا طرفًا يسعى لاستغلال أي فراغ أمني لتوسيع نفوذها، وكسر الاحتكار الغربي للممرات المائية.[13]

في المحصلة، لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى مرآة للصراع العالمي المتعدد الأقطاب، حيث تتصارع القوى الكبرى لضمان أمنها الاقتصادي وتأمين سلاسل التوريد، وإعادة رسم خريطة النفوذ في قلب العالم.

ب – أهمية المضيق للقوى الإقليمية   

1 – تركيا وإيران :

برزت إيران وتركيا كقوتين إقليميتين تسعيان إلى توسيع حضورهما في المجال الممتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي. فإيران عملت على بناء موطئ قدم عبر علاقات مع إريتريا وجيبوتي والسودان، مستندة إلى رؤيتها للصراع مع التحالف الغربي-الإسرائيلي في المنطقة، بينما دفعت تركيا باستراتيجيتها البحرية والاقتصادية عبر الصومال والسودان، وخصوصًا عبر ملف سواكن السودانية والحضور التركي المتزايد في مقديشو. ويعكس هذا التمدد أن باب المندب ليس مجرد ممر ملاحي، بل مساحة نفوذ إقليمي تتحدد فيها موازين القوة بين الدول الساعية إلى التأثير في أمن البحر الأحمر.[14]

2 – مصر:  

يمثل مضيق باب المندب أهمية خاصة لمصر بوصفها قوة إقليمية فاعلة يرتبط أمنها القومي مباشرة بأمن باب المندب من خلال قناة السويس وأمن البحر الأحمر، ومع توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع الصومال وتعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، أصبح الحضور المصري في القرن الأفريقي أكثر وضوحًا وتأثيرًا، سواء في مجال التدريب والتسليح أو في دعم استقرار الدولة الصومالية وتأمين حدودها البرية والبحرية. هذا التطور يمنح القاهرة قدرة أوسع على التأثير في معادلات الأمن البحري الممتدة من البحر الأحمر حتى خليج عدن، ويجعلها لاعبًا مركزيًا في أي ترتيبات تخص باب المندب. [15]

3 – المملكة العربية السعودية :

تنظر السعودية، من جهتها، إلى المضيق باعتباره جزءًا من أمنها البحري والاستراتيجي، لا سيما في ظل ارتباطه المباشر بخطوط التجارة والطاقة وحركة الملاحة إلى موانئها على البحر الأحمر. أما إسرائيل فتتعامل معه بوصفه امتدادًا لمشروعها الأوسع في البحر الأحمر، وهو مشروع ينسجم مع الرؤية الغربية الرامية إلى تأمين الممرات البحرية ومراقبة المجال الممتد من قناة السويس إلى مضيق هرمز. ولهذا فإن السيطرة على باب المندب، أو القدرة على التأثير فيه، باتت جزءًا من التنافس بين قوى إقليمية متعددة، تتصدرها مصر وإيران وتركيا والسعودية وإسرائيل، إلى جانب قوى دولية تسعى لضمان حرية الملاحة وعدم انقطاع الإمدادات.[16]

وعليه، فإن أهمية باب المندب لا تكمن في موقعه الجغرافي فقط، بل في كونه نقطة التقاء لمصالح القوى الإقليمية الكبرى وصراعها على النفوذ البحري والسياسي. ويأتي الحضور المصري في الصومال بعد اتفاقية الدفاع المشترك ليضيف بعدًا جديدًا لهذا المشهد، إذ لم تعد القاهرة تنظر إلى المضيق من الخارج، بل أصبحت أكثر التصاقًا ببيئته الأمنية والسياسية، بما يعزز مكانتها كفاعل إقليمي رئيسي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

رابعًا: الصومال كدولة هشة وتأثيرها الإقليمي

يحتل باب المندب موقعًا مركزيًا في معادلة الأمن البحري العالمي، ليس فقط باعتباره ممرًا ضيقًا يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، بل لأنه يشكل جزءًا من بنية أوسع تتحكم في تدفقات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم ديناميات القوة في هذا المضيق بمعزل عن التداخل بين مفهومي “السيطرة البحرية” (Sea Control) و”الإنكار البحري” (Sea Denial)، حيث لا تقتصر أهمية الفاعلين على من يملكون القدرة على السيطرة المباشرة على الممر، بل تمتد لتشمل من يستطيعون التأثير في كفاءة استخدامه أو رفع تكلفة المرور عبره.

في هذا الإطار، يبرز الجدل حول دور الصومال في معادلة باب المندب، حيث تذهب بعض التحليلات إلى تضخيم مكانة الدولة الأفريقية بوصفها فاعلًا بحريًا قادرًا على التأثير الحاسم في أمن الممر، غير أن هذا الطرح يتطلب تفكيكًا أكثر دقة، يميز بين أنماط مختلفة من القوة والتأثير، فمن ناحية أولى، لا يمتلك الصومال القدرات التقليدية اللازمة لممارسة “السيطرة البحرية” على المضيق، سواء من حيث الأسطول البحري، أو البنية التحتية العسكرية، أو نظم المراقبة والاستطلاع التي تسمح بفرض سيطرة فعلية على خطوط الملاحة. وتظل هذه القدرة حكرًا نسبيًا على دول مثل اليمن، التي تشرف جغرافيًا على الضفة الشرقية للمضيق، أو جيبوتي التي تحولت إلى مركز دولي للقواعد العسكرية، تستضيف قوى كبرى تسعى إلى تأمين الممر وضمان استمرارية تدفق التجارة العالمية.[17]

غير أن الاكتفاء بهذا التقييم يُعد اختزالًا مخلًا بطبيعة التهديدات المعاصرة؛ إذ إن التأثير في الممرات البحرية لم يعد مقصورًا على السيطرة العسكرية المباشرة، بل أصبح يشمل أيضًا القدرة على “التعطيل غير المتناظر”. وهنا تبرز أهمية الصومال ضمن مفهوم “الإنكار البحري”، حيث يمتد ساحلها لمسافة طويلة على خليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعلها جزءًا من المجال الأمني الأوسع المؤثر في حركة السفن المتجهة إلى باب المندب، فالتجارب السابقة، لا سيما ظاهرة تعرف بالقرصنة البحرية، أظهرت أن الفاعلين غير الدولتين قادرون على التأثير في أمن الملاحة من خلال استهداف السفن أو تهديدها، وهو ما يؤدي إلى رفع تكاليف التأمين والشحن، دون الحاجة إلى إغلاق المضيق ذاته.

ومع ذلك، يظل من الضروري التمييز بين “القدرة على الإزعاج” والقدرة على التحكم الاستراتيجي”. فالصومال، رغم موقعه الجغرافي المهم، لا يمتلك بنية مؤسسية أو عسكرية تمكّنه من تحويل هذا التأثير غير المباشر إلى أداة ضغط استراتيجية مستقرة أو مستدامة. كما أن طبيعة الفاعلين داخله، الذين غالبًا ما يكونون من غير الدوليين أو من الكيانات الضعيفة، تجعل تأثيرهم ظرفيًا وغير قابل للتوظيف السياسي المنهجي، بخلاف فاعلين آخرين في المنطقة مثل الجماعات المسلحة المنظمة في اليمن، أو القوى الدولية التي تدير عمليات عسكرية من قواعدها في جيبوتي.

علاوة على ذلك، فإن فهم الدور الحقيقي للصومال يتطلب وضعه ضمن منظومة أمنية أوسع تشمل التفاعل بين الممرات البحرية الكبرى، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يتحكم في تدفقات الطاقة من الخليج العربي. ففي حالات التوتر أو التهديد بإغلاق هرمز، تتزايد أهمية باب المندب كمسار بديل، ما يرفع من حساسية أي اضطرابات في محيطه، بما في ذلك تلك المرتبطة بالسواحل الصومالية، غير أن هذا الارتفاع في الأهمية لا يعني بالضرورة انتقال مركز الثقل الاستراتيجي إلى الصومال، بل يعكس تكامل الأدوار بين نقاط الاختناق المختلفة، حيث يبقى التحكم الفعلي في يد القوى القادرة على تأمين هذه الممرات أو تعطيلها بشكل مباشر.[18]

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن وصف الصومال كفاعل حاسم في معادلة باب المندب يمثل قدرًا من المبالغة التحليلية، إذا ما قيس بمعايير السيطرة البحرية التقليدية. لكنه في المقابل لا ينفي دوره كجزء من البيئة الأمنية الأوسع التي تؤثر في كفاءة الممر واستقراره. فالصومال يمثل نموذجًا لفاعل “هامشي مؤثر”، قادر على الإسهام في خلق بيئة تهديد غير متناظرة، دون أن يرتقي إلى مستوى الفاعل القادر على فرض قواعد اللعبة الاستراتيجية في المضيق. ومن ثم، فإن التحليل الأكثر دقة هو الذي يوازن بين نفي القدرة على السيطرة، والإقرار بإمكانية التأثير غير المباشر، ضمن إطار أشمل يدمج بين الجغرافيا، ونوعية الفاعلين، وأنماط التهديد المعاصرة في النظام البحري الدولي.

خامسًا: الموقف القانوني من تهديد الصومال بمنع السفن الإسرائيلية من عبور باب المندب

عند تطبيق القواعد القانونية المستقرة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 – والتي تعبر عن القانون الدولي العرفي في هذا المجال – على التهديد الصومالي بمنع السفن الإسرائيلية من المرور عبر مضيق باب المندب، تبرز عدة إشكاليات قانونية جوهرية تحسم عدم شرعية هذا التهديد، وذلك للأسباب التالية:

 1 – مضيق باب المندب يخضع لنظام المرور العابر وليس لسيادة مطلقة للدولة المشاطئة

بموجب المادة 37 من اتفاقية 1982، يُعد مضيق باب المندب من المضائق الدولية المستخدمة في الملاحة الدولية، كونه يربط بين جزء من أعالي البحار (خليج عدن/المحيط الهندي) وجزء آخر من أعالي البحار (البحر الأحمر)، وبالتالي تخضع الملاحة فيه لنظام “المرور العابر” بموجب المادة 38، وليس لنظام “المرور البريء” الذي يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع في التنظيم أو المنع. وهذا يعني أن حق المرور العابر مكفول لجميع السفن دون تمييز على أساس جنسيتها، بما في ذلك السفن التجارية والحربية الإسرائيلية.

2 – عدم جواز تعليق أو إعاقة المرور العابر تحت أي مبرر سياسي

تنص المادة 44 من اتفاقية 1982 صراحة على أن “لا تُعلِّق الدول المشاطئة للمضيق المرور العابر”، ويتفق فقه القانون الدولي على أن هذا الحظر مطلق وغير مقيد بأي استثناءات، حتى في حالات النزاع المسلح أو فرض العقوبات (مع استثناء وحيد هو ممارسة حق الدفاع المشروع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما لا ينطبق على النزاع الدبلوماسي القائم بين الصومال وإسرائيل).

3 – مبدأ عدم التمييز بين السفن الأجنبية

القرار الصومالي -حتى لو كان مجرد تهديد- يتضمن تمييزًا صريحًا على أساس جنسية السفينة (إسرائيلية)، وهذا يتعارض مع روح ونص المواد 38(2) و42 من الاتفاقية، اللتين تؤكدان أن ممارسة حق المرور العابر تكون “لجميع السفن والطائرات” دون تمييز. كما أنه يخالف مبدأ حرية الملاحة البحرية المستقرة في القانون الدولي العرفي.

حتى في ظل قراءة موسعة للقانون الدولي، يشترط لأي إجراء تقييدي -ولو مؤقت- أن يكون متناسبًا ومتصلًا وظيفيًا بالمخالفة المزعومة. هنا، الاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند” هو عمل سياسي دبلوماسي لا يتصل بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية أو سلامة المضيق، وبالتالي لا يمكن أن يشكل مبررًا قانونيًا لإجراء بحري عقابي كمنع المرور.

بناءً على ما سبق، يمكن الجزم بأن التهديد الصومالي بمنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب يفتقر إلى الأساس القانوني سواء في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 أو القانون الدولي العرفي. هذا التهديد يمثل، من منظور قانوني، انتهاكًا للمادة 44 من الاتفاقية (حظر تعليق المرور العابر) ولمبدأ عدم التمييز في حرية الملاحة.

أما من الناحية السياسية والاستراتيجية، فيمكن تفسير هذا التهديد الصومالي في أحد اتجاهين:

1 – أداة ضغط سياسي ومساومة:

التهديد هو ورقة تفاوضية تهدف إلى دفع إسرائيل للتراجع عن الاعتراف بـ”صوماليلاند” أو لبدء مفاوضات غير مباشرة، وليس تهديدًا جادًا بالتنفيذ. الصومال تدرك -وهو ما أشرت إليه في دراستك- محدودية قدراتها البحرية الفعلية على تنفيذ هذا الحظر.

2 – رسالة رمزية للإقليم والداخل:

التهديد موجه في جزء كبير منه للاستهلاك الداخلي والسياسي الإقليمي، بهدف تعزيز موقف الحكومة الصومالية كمدافعة عن الوحدة الوطنية والسيادة في مواجهة “التدخل الخارجي”، خاصة في ظل ضعفها النسبي مقارنة بالكيانات المنشقة مثل “صوماليلاند”.

وختامًا يحكم مضيق باب المندب، باعتباره أحد أهم المضائق الدولية الخاضعة لنظام المرور العابر بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إطار قانوني صارم يمنع الدول المشاطئة من تعليق أو إعاقة المرور لأغراض سياسية.

وبتطبيق هذه القواعد على التهديد الصومالي بمنع السفن الإسرائيلية من عبور المضيق، يتضح أن هذا التهديد يفتقر إلى الأساس القانوني السليم، لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، لأن مضيق باب المندب يخضع لنظام المرور العابر الذي لا يجوز تعليقه بموجب المادة 44 من الاتفاقية؛ ثانيًا، لأن قرار المنع يقوم على تمييز صريح على أساس جنسية السفينة، بما يتعارض مع مبدأ عدم التمييز المستقر في القانون الدولي؛ ثالثًا، لأن الصومال، رغم سيادتها النظرية على أجزاء من الساحل لا تملك بموجب الاتفاقية صلاحية توظيف السيادة البحرية كأداة عقابية سياسية.

وعليه، فإن تقييم التهديد الصومالي ينبغي أن ينفصل عن مضمونه السياسي -الذي قد يُفسر كرسالة احتجاج على الاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند” أو كورقة تفاوضية- ليُحلل في إطاره القانوني البحت، حيث يظل غير متسق مع التزامات الصومال الدولية.

على الرغم من محدودية الدور البحري المباشر للصومال، إلا أن أهميته في معادلة الأمن الإقليمي تنبع من كونه بيئة حاضنة لتهديدات غير تقليدية، يمكن أن تمتد تأثيراتها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فهشاشة الدولة، وتعدد الفواعل المسلحة، وضعف السيطرة على السواحل، تمثل جميعها عوامل تساهم في خلق فراغ أمني يمكن أن تستغله أطراف إقليمية أو دولية، بما يعيد تشكيل طبيعة التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية.


[1] وسام الدين العكلة، النظام القانوني للمضيق الدولي دراسة تطبيقية على مضيق هرمز في ضوء أحكام القانون الدولي، في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، ( دمشق، جامعة دمشق ، المجلد 27، العدد 4 ، 2011 )  ص 313- 314

[2] نفس المرجع السابق، ص323

[3] ساسي تينهنان، عاشور أمينة، نظام المرور العابر في ظل القانون الدولي للبحار، رسالة ماجستير، (البويرة، جامعة أكلى محند أولحاج ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2017) ص 7- 8.

[4] حسين عبد القادر، قانون المرور البريء في المياه الإقليمية حسب الاتفاقيات الدولية، رسالة ماجستير ( الجلفة، جامعة زيان عاشور، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2021 )  ص 14 – 15 .

[5] د. هشام قدري أحمد، قواعد القانون الدولي الناظمة للملاحة في المضائق الدولية وتطبيقاتها على مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين، مجلة قضايا أسيوية، (برلين، المركز الديمقراطي العربي، المجلد 5 العدد 23 ، 2025) ص 82- 83.

[6] د. حمدي عبد الرحمن حسن، دلالات اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 27 /12/2025 على الرابط:

https://acpss.ahram.org.eg/News/21596.aspx

[7] د.عبد الرازق غراف، الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ” نحو إعادة هندسة خارطة الهيمنة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مركز الخليج للأبحاث على الرابط :

https://www.grc.net/documents/6954e050ba244TowardReengineeringMapHegemonyRedSeaHornAfricacompressed.pdf

[8] مقديشيو تحظر مرور السفن الإسرائيلية ردًا على اعترافها بصوماليلاند، موقع قراءات أفريقية، 19 ابريل 2026 على الرابط: https://qiraatafrican.com/37959

[9] فؤاد مسعد، القوى الإقليمية والدولية في باب المندب وخليج عدن عوامل التنافس وتداعيات الصراع ، مركز أبعاد للدراسات والبحوث ( إسطنبول، وحدة الدراسات الاستراتيجية، أغسطس 2023) ص 11- 13 .

[10] د. عبد الله محمد شادي، باب المندب بين أطماع الإرهاب وجهود المواجهة ، موقع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب ،19/11/2023 على الرابط:

https://www.imctc.org/ar/eLibrary/Articles/Pages/article19112023.aspx

[11] موقع شبوه برس، ما الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب ، 1 /8/2023 على الرابط :

https://www.shabwaah-press.info/news/87086

[12] د. شذى زكي حسن، مضيق باب المندب في استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية ، مجلة اتجاهات سياسية ( برلين، المركز الديمقراطي العربي، العدد 31، يونيو 2025 ) ص 20-21 .

[13] عبد الرحمن إبراهيم عبدي، جذور الصراع وأبعاده الجيوسياسية والاصطفاف الإقليمي، ورقة تحليلية (مقدشيو، مركز مقديشيو للبحوث والدراسات،2026) ص 7-8 .

[14] عباس عبد الله السيد، الصراع الدولي والإقليمي في البحر الأحمر وباب المندب بعد ظهور الكيان الصهيوني، موقع جريدة الثورة اليمنية، 28/11/2023 على الرابط: https://althawrah.ye/archives/845578

[15]  124 نيوز، خطوة استراتيجية لتعزيز أمن البحر الأحمر وسط تصاعد التوتر مع الإمارات وتبدل موازين التحالفات الإقليمية، 18 يناير 2026، على الرابط:

https://www.i24news.tv/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/middle-east/artc-73026e5e

[16]  موسوعة الجزيرة، مضيق باب المندب.. باب الدموع وبوابة البحر الأحمر نحو خليج عدن، 24/4/2024 على الرابط:

https://2u.pw/yzlwwUDp

[17] ماتريوشكا نيوز، خرائط النفوذ الجديدة: كيف تتحول أرض الصومال وباب المندب الى مفاتيح الصراع العالمي، 2/1/2026 على الرابط:

https://2u.pw/Gsepqm

[18] محمد عبد العاطي/ مضيقا هرمز وباب المندب في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي، مركز الجزية للدراسات، 2 مارس 2026 على الرابط:

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6450