كتب – محمود جميل
باحث اقتصادي
يلعب الذهب دورًا محوريًا في الاقتصادات الوطنية والصراعات الإقليمية والدولية، لا سيما في قارة أفريقيا التي تمتلك أكبر احتياطيات الإنتاج، فأصبح تهريب الذهب عبر الحدود أداة ضغط، كما حدث في السودان ومنطقة الساحل وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
تُسلط هذه الدراسة الضوء على الأبعاد المتعددة للذهب، من كونه مصدر ثروة واستقرار اقتصادي إلى كونه أداة للصراعات الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، سنقوم باستعراض الذهب كمورد استراتيجي وملاذ آمن عالميًا، والأثر الاقتصادي للذهب على الدول الأفريقية، والصراعات الإقليمية والدولية على المعدن النفيس في أفريقيا.
المحور الأول: الذهب كمورد استراتيجي عالمي
يتميز سوق الذهب بتاريخه العريق وحجمه الهائل. ويتحدد دور الذهب كسلعة استهلاكية وأصل استثماري بندرته، وثبات مخزونه الموجود فوق سطح الأرض، استخرج البشر قرابة 220 ألف طن من الذهب من باطن الأرض بقيمة 31 تريليون دولار أمريكي، حتى نهاية عام 2024، وتقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2025 احتياطيات الذهب 64 ألف طن.[1]

المصدر: بيانات مجلس الذهب العالمي
أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي وصول إنتاج الذهب العالمي 3661 طنًا، عام 2024، مع تباين تركز الإنتاج بين مختلف المناطق؛ حيث تتصدر أفريقيا قارات العالم في حجم إنتاج المعدن النفيس بـ 1,010 أطنان، ما يعادل نحو 28% من الإجمالي العالمي، مدعومة بانتعاش الإنتاج في دول مثل غانا بحوالي 140.6 طن، بينما تأتي قارة آسيا في المرتبة الثانية بـ 665 طنًا، بفضل الصين التي تتصدر منفردة قائمة الدول، وتليها رابطة الدول المستقلة (CIS) بقيادة روسيا وأوزبكستان وكازاخستان، حيث تنتج 584 طنًا، ويوضح الشكلين أكبر القارات والدول إنتاجًا للذهب، على النحو الآتي:

المصدر: بيانات مجلس الذهب العالمي
كان الذهب بمثابة العمود الفقري للنظام النقدي للدولة، حيث كانت قيمة العملة ترتبط بشكل مباشر بكمية ثابتة من الذهب، وبعد الحرب العالمية الثانية، تم توقيع اتفاقية بريتون وودز، وبموجبها أصبح الدولار الأمريكي العملة المعيارية، وقابلة للتحويل إلى ذهب، للبنوك المركزية فقط، وتم ربط العملات الأخرى بالدولار فيما بعد، وقد نجح ذلك حتى عام 1971، الذي عانت فيه الولايات المتحدة من العجز التجاري، مما أدى إلى توقف الولايات المتحدة عن تحويل الدولار إلى ذهب، وبالتالي فقد الذهب دوره في السياسات النقدية، مما أدى إلى التحول لأسعار الصرف العائمة، وقد أصبحت العملات أكثر تقلبًا واعتمادًا على السياسات النقدية للبنوك المركزية.
وفي عام 2024، بلغ إجمالي احتياطيات البنوك المركزية العالمية من الذهب أكثر من 35 ألف طن، أي ما يقارب 20% من إجمالي الذهب المستخرج على الإطلاق، وتبلغ قيمة هذه الاحتياطيات 3.6 تريليون دولار أمريكي.[2]
المحور الثاني: الأثر الاقتصادي للذهب في الدول الأفريقية
ارتفعت أسعار الذهب منذ منتصف فبراير 2024، ويُعزَى ذلك أساسًا إلى توقعات التيسير النقدي من جانب البنوك المركزية الكبرى، وزيادة الطلب من البنوك المركزية على الذهب، في الوقت الذي يلعب فيه الذهب دورًا هامًا في الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الاقتصادات الأفريقية، لذلك إن لتقلبات أسعار الذهب آثارًا اقتصادية كبيرة، وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، تُمثل صادرات الذهب في أفريقيا حوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي في القارة، وحوالي 45% من إجمالي صادرات القارة، وذلك كما موّضح بالشكل التالي:

Source: Comtrade and The Observatory of Economic Complexity and Economic Intelligence Unit.
يُقدم الناتج المحلي الإجمالي رؤى حول صحة الاقتصاد ومسار نموه المحتمل، وخلال فترات النمو الاقتصادي، ترتفع ثقة المستهلكين وبالتالي يزداد الإنفاق والاستثمار في الأصول والأسهم، وينخفض الطلب على الذهب، وإذا تباطأت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، يرتفع الطلب على الذهب ليصبح وسيلة للتحوط من تقلبات السوق.
المحور الثالث: الصراعات الإقليمية والدولية على الذهب في أفريقيا
تمر كميات ضخمة من الذهب عبر دول الجوار لتصل إلى مراكز التكرير والأسواق العالمية، حيث تُطمس أصوله ويُعاد إدخاله في التجارة الدولية. في المقابل، فشلت العقوبات الدولية في كبح هذه المنظومة المعقدة، لذلك، أصبح الذهب محرّكًا لاقتصاد حرب مستدام، يوفر للأطراف المتحاربة أكثر من مليار دولار سنويًا[3].
أولًا: الصراعات الإقليمية على الذهب الأفريقي
شهدت القارة الأفريقية خلال العقدين الماضيين تصاعدًا ملحوظًا في اهتمام القوى الإقليمية والدولية بقطاع التعدين، وبخاصة الذهب، باعتباره أحد أهم الموارد الاستراتيجية التي تتيح النفاذ إلى الأسواق العالمية وتمنح الدول الفاعلة أدوات تأثير اقتصادية وجيوسياسية بالغة الأهمية. وفي هذا الإطار، برزت تركيا كأحد الفاعلين الجدد الذين يسعون إلى ترسيخ وجودهم في أفريقيا من خلال مشروعات التعدين والطاقة، في سياق ما يمكن وصفه بـ”سباق الذهب الأفريقي”.
تتعامل تركيا مع أفريقيا باعتبارها امتدادًا لمجالها الحيوي الاقتصادي والاستراتيجي، وهو ما يتجلى في تصاعد استثماراتها في استخراج الذهب وتجارته عبر شراكات ثنائية مع الدول الأفريقية الغنية بالمعادن، فقد بلغت وارداتها من الذهب نحو 379.3 طنًا عام 2022، بقيمة تقديرية تتجاوز 20.4 مليار دولار، وفقًا لمنظمة Swissaid تعكس هذه الأرقام المكانة التي يحتلها الذهب في الاقتصاد التركي، سواء كاحتياطي نقدي أو كأداة للسيطرة على الأسواق الإقليمية عبر بوابة أفريقيا.
شهد عام 2020 تدفقات ذهب لتركيا بلغت 41.5 طن، أغلبها من ليبيا. هذا الذهب قد يكون مهربًا وغير قانوني، مستفيدًا من ضعف الرقابة والتهريب عبر الحدود، ما يعكس تحديات تركيا في التحكم الكامل بسوق الذهب المستورد من أفريقيا. وفي عام 2023، قدرت كمية الذهب التي خرجت من ليبيا إلى تركيا بما يزيد عن 8.5 طن.[4]
ثانيًا: دور الذهب في اندلاع الحروب في أفريقيا
مع اندلاع الحرب الأهلية في السودان في أبريل 2023، أصبح الذهب أحد الموارد الأساسية التي تلعب دورًا مزدوجًا في النزاع؛ فهو مصدر تمويل مباشر للجماعات المسلحة، وفي الوقت نفسه سبب للصراع على السيطرة السياسية والاقتصادية. يتميز الذهب بقيمته العالية وسهولة نقله، وقدراته على توليد أرباح كبيرة بسرعة، ومع اكتشاف مناجم الذهب بشمال دارفور وارتفاع أسعار الذهب عالميًا، أصبح الذهب موردًا استراتيجيًا للدولة، فتم إنشاء مصفاة السودان للذهب في الخرطوم عام 2012 تحت ملكية البنك المركزي، وأصبح التصدير الرسمي للذهب مقصورًا على هذه المصفاة، في حين حظرت الحكومة تصدير الخام. إلا أن السيطرة الفعلية على المناجم ظلت تحت تأثير الجماعات المسلحة المحلية، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على أغلب مناجم شمال دارفور، بينما استمرت عمليات التعدين الحرفي وتصدير الذهب من خلال شركات مرتبطة بهذه القوات، مثل شركة “الجنادة”، لتصبح قوات الدعم السريع لاعبًا رئيسيًا في هذا القطاع.[5]
وفي منطقة الساحل الأفريقي، أصبح الذهب عنصرًا حاسمًا لدعم الحكومات العسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، أمام الجماعات الجهادية والعزلة الإقليمية، تنتج هذه الدول معًا أكثر من 230 طنًا من الذهب سنويًا، ويستخدم جزء كبير من هذه الإيرادات لتمويل الحملات العسكرية، بما في ذلك الاستعانة بمرتزقة روس من مجموعة فاغنر وAfrica Corps، الذين يتقاضون أجورهم بالذهب أو من خلال امتيازات التعدين.
وختامًا، تكشف الدراسة أن الذهب في أفريقيا ليس مجرد مورد اقتصادي، بل أداة استراتيجية في النزاعات، تغذيها ضعف الحوكمة، والفساد، والتهريب، والتدخلات الدولية، ودعم الإيرادات العامة، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وزيادة عوائد الصادرات في عدد من الاقتصادات الأفريقية، بينما تحقق القيم العالمية للذهب أرباحًا هائلة للسلطات والشركات المتحكمة، فإن المجتمعات المحلية غالبًا ما تتحمل الأعباء الأكبر من العنف والفقر والتهجير، مما يجعل الذهب رمزًا للصراع وكذلك للمخاطر التي تواجه التنمية في القارة[6].وفي الوقت ذاته أصبح أحد المحركات الرئيسة للصراعات المسلحة وشبكات الاقتصاد غير الرسمي في بعض مناطق القارة، لاسيما في البيئات الهشة التي تعاني ضعف مؤسسات الدولة ومحدودية آليات الرقابة والحوكمة.
كما أظهرت الدراسة أن تزايد أهمية الذهب داخل النظام الاقتصادي العالمي، سواء باعتباره أصلًا استثماريًا أو ملاذًا آمنًا للبنوك المركزية والمستثمرين، انعكس بصورة مباشرة على تصاعد التنافس الإقليمي والدولي للسيطرة على سلاسل إنتاجه وتجارته في أفريقيا. مما أدى إلى بروز أنماط جديدة من التفاعلات الجيوسياسية، باتت فيها الثروات المعدنية، وفي مقدمتها الذهب، أحد محددات النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في القارة.
وفي المقابل، تظل عملية تحويل الثروة الذهبية إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة تعتمد على قدرة الدول على وضع أطر الحوكمة الرشيدة لقطاع التعدين، وتعزيز الشفافية في إدارة العائدات، والحد من أنشطة التهريب والتعدين غير النظامي، فضلًا عن توظيف الإيرادات المتأتية من هذا القطاع في دعم التنويع الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري. ومن ثم، فإن مستقبل الذهب في أفريقيا سيظل مرتبطًا بمدى نجاح الدول الأفريقية في الموازنة بين متطلبات التنمية الاقتصادية من جهة، وتحديات الأمن والاستقرار وإدارة الموارد الاستراتيجية من جهة أخرى، بما يضمن توظيف هذه الثروة في خدمة التنمية الوطنية والقارية بدلًا من تحولها إلى عامل لتغذية الصراعات وإعادة إنتاج الهشاشة السياسية والاقتصادية.
[1] https://www.gold.org/goldhub/research/market-primer/gold-market-primer-market-size-and-structure
[2] https://www.lat.london/resources/blog/the-role-of-central-banks-in-the-gold-market/
[3] https://maghrebi.org/2025/07/22/hafed-al-ghwell-sudans-war-is-fuelled-by-gold/
[4] https://www.institude.org/news-bulletins/weekly-news-bulletin-on-turkey-3-june-2024
[5] https://www.ispionline.it/en/publication/the-role-of-gold-in-the-sudanese-war-207364
[6] https://www.theglobeandmail.com/world/article-gold-and-oil-are-stoking-africas-worst-wars-report-says/





