كتب – محمود سمير محمود
باحث ماجيستير بكلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة
تُعد جنوب أفريقيا أكبر مُنتج للكهرباء في القارة السمراء، لكنها تواجه تحديات هيكلية كبيرة في قطاع الطاقة، أبرزها الاعتماد المفرط على الفحم (يُغطي أكثر من 70% من توليد الكهرباء) وتقادم البنية التحتية، مما أدى إلى أزمة متكررة ومُكلفة من انقطاعات التيار الكهربائي المبرمجة. وفي ظل تزايد الضغوط الدولية والمحلية للتحول نحو مصادر طاقة أنظف ومستدامة، والجهود المبذولة لضمان أمن الطاقة واستقرار الشبكة، يبرز الذكاء الاصطناعي (AI) كأداة تحويلية واعدة.
تتناول هذه الدراسة دور الذكاء الاصطناعي في مواجهة تحديات الطاقة في جنوب أفريقيا من خلال عدة محاور رئيسية نستعرضها بالتفصيل التي تشكل هيكل هذا البحث:
أولآ : وضع الطاقة في جنوب أفريقيا
تُعد جنوب أفريقيا من أكبر الاقتصادات الأفريقية، ولكن استقرارها الاقتصادي يواجه تحديًا كبيرًا بسبب أزمة الكهرباء الراسخة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا[1]، ويتجلى جوهر المشكلة في الاعتماد شبه المطلق على مصادر الطاقة التقليدية كالفحم؛ حيث تمتلك دولة جنوب أفريقيا احتياطات وفيرة من الفحم، التي تُسهم بأكثر من 70% من إجمالي إمدادات الطاقة، بينما تأتي 18% من النفط الخام و5.5% من الغاز الطبيعي والطاقة النووية، كما أن جنوب أفريقيا تعتمد على واردات من مصادر الطاقة الأخرى، خاصة النفط والغاز الطبيعي، وذلك يجعلها عرضة لاضطرابات الإمداد، مما يؤدى إلى عدم استدامة موارد الطاقة وتأثير سلبي على البيئة.
وقد برزت الأزمة في تكرار انقطاع الكهرباء خاصة في السنوات الخمس الأخيرة واضطرار الحكومة لفرض انقطاعات مبرمجة للتيار الكهربائي (Load Shedding)، مما يترتب على ذلك خسائر اقتصادية جسيمة وخنق الفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة.[2]
انتهجت جنوب أفريقيا استراتيجية التحول العادل للطاقة (JETP) للفترة من 2023 – 2027 وذلك لمواجهة التحديات القائمة في الطاقة، جهود التحول إلى الطاقة المتجددة تتزايد، مع أهداف لخفض الاعتماد على الفحم وزيادة قدرات الطاقة المتجددة بحلول 2030.
ثانيا: تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة
الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يمتلكان القدرة على المساهمة الفعالة في تعزيز تحسين استهلاك الطاقة، وتسعير الشبكة، والتقدير الدقيق للطلب على الطاقة وتوزيعها في المباني السكنية بدقة[3].
يُسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قطاع الطاقة من خلال تحسين كفاءة إنتاجها وإدارتها عبر مصادر متعددة؛ ففي الطاقة الشمسية تُستخدم تقنيات التعلم الآلي لتصميم خلايا شمسية أكثر كفاءة وأقل كُلفة، وتطوير أنظمة تتبع ذكية لحركة الشمس، إضافة إلى التنبؤ بنتاج الطاقة بناءً على البيانات الجوية لرفع كفاءة التشغيل. أما في طاقة الرياح فيُساعد الذكاء الاصطناعي على تصميم توربينات أكثر كفاءة، وتحديد المواقع المثالية لمزارع الرياح، والتنبؤ بسرعة واتجاه الرياح لضمان استقرار الشبكة وتحسين الدمج بين المصادر المختلفة. وفي مجال تخزين الطاقة تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير بطاريات أكثر كفاءة وأطول عمرًا، وبناء أنظمة تحكم ذكية لإدارة التخزين وتوزيع الطاقة المتجددة بفعالية أعلى، بما يحقق استدامة الطاقة وكفاءتها في الاستخدام والإنتاج[4].
توجد عدة استخدامات للذكاء الاصطناعي في الطاقة كما يأتي[5]
1- تحسين شحن المركبات الكهربائية بناءً على الطلب على الشبكة وأسعار الكهرباء، مما يقلل التكاليف ويعزز استقرار الشبكة.
2- إدارة المباني: تعمل أنظمة التدفئة والتهوية والتكييف المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تحسين استهلاك الطاقة من خلال تعلم عادات المستخدمين وضبط العمليات وفقًا لذلك.
3- مراقبة جودة التصنيع: تستخدم أنظمة الرؤية الآلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب بسرعة وتقليل استهلاك الكهرباء غير الضروري الناتج عن الجهود اليدوية الإضافية وهدر المواد.
4- الصيانة التنبؤية: يحلل الذكاء الاصطناعي بيانات المعدات للتنبؤ بالأعطال، مما يقلل من وقت التوقف عن العمل ويحد من الهدر في الطاقة الناتج عن الأجهزة المعطلة.”
ثالثا: الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة
يعزز الذكاء الاصطناعي الكفاءة الاقتصادية في الطاقة من خلال تحسين التنبؤ بالطلب، إدارة الشبكات الذكية، وتطوير الطاقة المتجددة، مما يقلل التكاليف التشغيلية ويحقق عوائد استثمارية. على سبيل المثال، يساعد AI في بناء مؤشرات تنافسية لإنتاج الهيدروجين، مما يعزز الصادرات العالمية ويملأ فجوة الطاقة المستدامة، مساهمًا في نمو الاقتصاد العالمي.
يلعب دورًا مهمًا في تحسين البيانات وتحليلها، مما يعزز تقييم وتطوير استراتيجيات الطاقة، ويؤدي إلى تقليل التكاليف التشغيلية وتحقيق عوائد استثمارية أعلى، خاصة في سياق تطوير صناعة الهيدروجين والطاقة المتجددة.
ويعد توقع أسعار النفط الخام من أهم توقعات أسعار الطاقة؛ لأن صدمات تحركات أسعار النفط لها تأثير كبير في الأسواق المالية والاقتصاد، مما لا شك فيه أن سعر النفط عاملًا مرجعيًا مهمًا للتنبؤات الكلية للحكومة واتخاذ القرارات السياسية، وأيضًا لتوزيع الأصول بالنسبة للمستثمرين، وتحول التركيز الحالي لتوقعات أسعار النفط الخام من المؤشرات الحتمية إلى مؤشرات عدم اليقين بسبب ظهور مؤشرات عدم اليقين المختلفة المرتبطة بالأسواق المالية وأسواق الطاقة.
وتجدر الإشارة إلي استخدام طرق الذكاء الاصطناعي، مثل الشبكات العصبية الاصطناعية والتعلم العميق في التحليل التجريبي للعوائد الأسبوعية واليومية للنفط الخام نهجًا جديدًا لأداة التعلم الآلي، ومنها استخدام نمذجة XGBoost لفحص تأثير أسعار الغاز الطبيعي ومؤشرات عدم اليقين الأخرى على القدرة على توقع أسعار النفط، مما أعطى أداءً تنبؤيًا ممتازًا؛ حيث أنها قادرة على توفير تنبؤات مستقرة ودقيقة، خفض تكاليف التحوّط وإدارة المخاطر، وتحسين تسعير العقود وتخصيص رأس المال، ودعم قرارات الاستثمار والسياسات بما يقلّل آثار تقلبات السوق على الإيرادات وعلى الاقتصاد.
رابعا: أمثلة واقعية لدور الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقة في جنوب أفريقيا
تُبرهن شركة كيلكن بلاتينيوم الجنوب أفريقية على تأثير الذكاء الاصطناعي على عمليات الإنتاج في مصنعها للمعالجة في ثابازيمبي الواقع في مجمع بوشفيلد الجيولوجي في جنوب أفريقيا، وهو أكبر حزام عالمي لخامات معادن مجموعة البلاتين (PGMs)، ويزود 75% من معادن مجموعة البلاتين العالمية كأكبر مورد لمعادن مجموعة البلاتين في العالم.. ويُشكل تطبيق تحسين الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من خطتها التوسعية لمضاعفة إنتاج معادن مجموعة البلاتين، حيث ارتفع الإنتاج إلى 40 كيلوغرامًا شهريًا، مقارنةً بخط أساس سابق لتطبيق الذكاء الاصطناعي بلغ حوالي 20 كيلوغرامًا.
تستخدم الشبكات العصبية في مصنع ثابازيمبي لضبط إعدادات الكسّارة آنيًا، فيتحسَّن معدل الاسترداد (أي نسبة المعدن المستخرج من إجمالي المعدن الموجود في الخام) بنحو 12%، ما يقلّل الهدر ويرفع كفاءة التشغيل. إضافةً إلى ذلك، خفّض نظام الذكاء الاصطناعي استهلاك الطاقة بنسبة 18% مع زيادة الإنتاج، مما يُظهر الفوائد المزدوجة لزيادة الإنتاج وتحسين الاستدامة.
هيمنة بوشفيلد تعتمد على مكاسب الكفاءة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، مما يسلط الضوء على كيفية الحفاظ على التقدم التكنولوجي للميزة التنافسية لجنوب أفريقيا في أسواق PGM العالمية.
تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالإشعاع الشمسي وتوقع إنتاج الطاقة الشمسية، حيث تم تدريب نماذج تعلم الآلة على بيانات من مناطق مختلفة في جنوب أفريقيا، مثل منطقة ليمبوبو، لتحسين دقة التوقعات وتقليل تأثير التغيرات العشوائية في الإشعاع الشمسي على إنتاج الطاقة الشمسية.
تطبيق الذكاء الاصطناعي للطاقة في جنوب أفريقيا يتضمن استخدام تقنيات التعلم الآلي لتحليل وتوقع إنتاج الطاقة، وتحسين استدامة وكفاءة أنظمة الطاقة، وتخطيط الإنتاج بشكل استراتيجي، وتقليل الفقر الطاقي وتقليل انبعاثات الكربون، إضافة إلى دراسة أمان الشبكة الكهربائية وتخطيط النقل والإنتاج.
خامسا: التحديات التي تواجه تطبيق الذكاء الاصطناعي في جنوب أفريقيا
على الرغم من الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، يواجه تبنيه على نطاق واسع في قطاع الطاقة بجنوب أفريقيا تحديات هيكلية وتنظيمية عميقة متمثلة فيما يأتي:
1. عائق البنية التحتية المهتزة والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي
يمثل عدم استقرار شبكة الطاقة والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي العائق المادي الأكبر أمام نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لمشاكل المتعلقة بانقطاع التيار المتكرر، الفاقد من خلال الاتصالات غير القانونية، ومشكلات البنية التحتية تُمثل تحديات أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة؛ حيث إن هذه التحديات تؤثر في كفاءة إدارة الطاقة وتطويرها.
تعاني جنوب أفريقيا من قيود تمويلية محلية ضاغطة تجعل جذب الاستثمار الدولي في مشروعات الذكاء الاصطناعي والطاقة أمرًا صعبًا. فتوسع القطاع يتطلب أموالًا ضخمة في التوليد والنقل والتوزيع، بينما الموارد العامة محدودة والديون المترتبة على المرافق مرتفعة. ويتضح من التقارير أن ارتفاع كُلفة التمويل وصعوبة تأمين قروض طويلة الأجل يزيدان من صعوبة استقطاب رؤوس الأموال لمشاريع جديدة، لا سيما تلك المبنية على تقنيات غير مجربة محليًا.
تحديات الجدوى الاقتصادية في أنظمة الطاقة اللامركزية والمتجددة
تُطرح أنظمة الطاقة اللامركزية (مثل الشبكات المصغرة والطاقة الشمسية المنتشرة) تحديات اقتصادية إضافية عند إدخال الذكاء الاصطناعي، فالدمج التجاري لمصادر متجددة موزعة يتطلب حلولًا تقنية مكلفة لتحقيق استقرار الشبكة والتعامل مع الطبيعة المتقطعة للإنتاج، وتؤكد الدراسات أن الكُلفة الأولية العالية للتكنولوجيا (بطاريات التخزين والألواح الشمسية الصغيرة) تزيد من مخاطر الاستثمار في مشروعات لامركزية، وحتى مع تبني تقنيات إدارة ذكية مثل إنشاء “محطات طاقة افتراضية”(Virtual Power) .
[1]https://www.oecd.org/en/publications/oecd-economic-surveys-south-africa-2025_7e6a132a-en/full-report/reforming-south-africa-s-electricity-sector_05fdccb6.html
https://www.oecd.org/en/publications/oecd-economic-surveys-south-africa-2025_7e6a132a-en/full-report/[2][2]reforming-south-africa-s-electricity-sector_05fdccb6.html
[3] Raihan, A. (2023). A comprehensive review of artificial intelligence and machine learning applications in energy sector. Journal of Technology Innovations and Energy, 2(4), p17.
[4] عصمت سليمان, & سارة. (2024). الدور المتنامي للذكاء الإصطناعي في مجال الطاقة. Journal of Intellectual Property and Innovation Management, 7(1), P339 – 340
[5] World Economic Forum, & Accenture. (2025, January). Artificial intelligence’s energy paradox: Balancing challenges and opportunities [White paper]. AI Governance Alliance.p11





