الذكاء الاصطناعي والتنمية في أفريقيا.. بين فرص التحول الرقمي وتحديات الفجوة التكنولوجية

يونيو 11, 2026


كتبت :  مريم أحمد عبد المطلب
باحث ماجستير علوم سياسية


لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تكنولوجية ترتبط بالتطور التقني أو التحول الرقمي، بل أصبح أحد أبرز عناصر القوة في النظام الدولي الجديد. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الأسواق أو الموارد الطبيعية، وإنما على البيانات والبنية التحتية الرقمية وقدرات الحوسبة والنماذج الذكية القادرة على التأثير في الاقتصاد والأمن وصناعة القرار. وبالنسبة للقارة، لا يتعلق الذكاء الاصطناعي فقط بتبني أدوات رقمية جديدة، بل بإعادة تعريف موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. وبينما ينظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة غير مسبوقة لتسريع التنمية ومعالجة مشكلات مزمنة في قطاعات الصحة والزراعة والتعليم، تبدو أفريقيا أمام لحظة فارقة؛ حيث يتزايد الجدل حول ما إذا كانت تمتلك المقومات التي تسمح لها بالاستفادة من هذه الثورة، أم إنها قد تتحول إلى ساحة جديدة للتبعية الرقمية في ظل هيمنة الشركات والدول الكبرى على التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية.


وتزداد أهمية هذا التحول في ضوء التقديرات الدولية التي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف ما يقرب من 2.9 تريليون دولار إلى الاقتصاد الأفريقي بحلول عام 2030 إذا نجحت الدول الأفريقية في تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الاستثمار في المهارات التكنولوجية[1]. تشير تقارير البنك الأفريقي للتنمية (AfDB) إلى احتمالية إضافة تريليون دولار للناتج المحلي الإجمالي بحلول [2]2035. بالإضافة إلى بيانات (AfDB)، فقد أصبح قطاع التكنولوجيا الرقمية يُسهم بما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة السمراء في عام 2023، وهو مستوى مؤهل للارتفاع إلى 8% بحلول عام 2030 في حال استمرار معدلات الاستثمار الحالية[3]. كما أن أفريقيا تمتلك ميزة ديموغرافية فريدة؛ إذ وتشير تقديرات الأمم المتحدة واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة إلى أن الشباب الأفارقة سيشكلون نحو 42% من إجمالي شباب العالم بحلول عام 2030، وهو ما يعزز مكانة القارة باعتبارها أحد أهم الأسواق المستقبلية للاقتصاد الرقمي العالمي ومصدرًا رئيسيًا لرأس المال البشري خلال العقود المقبلة[4].

ومن ثم، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا لن يتحدد فقط بمدى انتشار التطبيقات الذكية أو حجم الاستثمارات الرقمية، وإنما بقدرة الدول الأفريقية على تحويل التنافس الدولي الجاري إلى فرصة لبناء قدرات وطنية وإقليمية مستقلة. فكما سعت دول القارة خلال العقود الماضية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي، يبدو أن التحدي الجديد في العقد الحالي يتمثل في تحقيق الاستقلال الرقمي، بما يضمن أن تصبح أفريقيا شريكًا في إنتاج التكنولوجيا وقواعدها، لا مجرد سوق لاستهلاكها.


يأتي هذا التحول في ظل إدراك متنامٍ بأن المنافسة العالمية لم تعد تقتصر على الموارد الطبيعية أو التجارة، وإنما أصبحت ترتبط بالقدرة على التحكم في البيانات والحوسبة والمنصات الرقمية. ففي مايو 2025 أكد الاتحاد الأفريقي أن الذكاء الاصطناعي أصبح أولوية استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، داعيًا إلى توسيع الاستثمارات في البنية الرقمية والمهارات التكنولوجية وتعزيز الابتكار المحلي. كما تبنى الاتحاد استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي التي أقرها في يوليو 2024، للفترة 2025–2030 بهدف دمج التكنولوجيا في قطاعات الزراعة والصحة والتعليم والخدمات الحكومية، مع التركيز على بناء قدرات محلية وتقليل الفجوة الرقمية بين الدول الأفريقية[5].

وبرز خلال عام 2026 دور متزايد للاتحاد الأفريقي في محاولة صياغة رؤية قارية مشتركة للذكاء الاصطناعي. فمع تزايد المخاوف من اتساع الفجوة التكنولوجية بين أفريقيا وبقية العالم، بدأت المؤسسات الأفريقية في الدفع نحو تطوير أطر تنظيمية وسياسات مشتركة تعزز السيادة الرقمية وتدعم بناء بنية تحتية أفريقية للبيانات والذكاء الاصطناعي.


صعود الذكاء الاصطناعي الأفريقي: نماذج وطنية


بدأت تظهر نماذج أفريقية لافتة تعكس إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية: وتتصدر دول مثل مصر وكينيا وساحل العاج جهود التنمية عبر استراتيجيات وطنية مدعومة بالاستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي التي أقرها الاتحاد الأفريقي بالإضافة إلى رواندا ونيجريا، وغانا وإثيوبيا.
·تعد رواندا من أبرز الأمثلة في هذا السياق؛ إذ تبنت الحكومة استراتيجية طموحة للتحول الرقمي تستهدف دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة، خاصة الزراعة والصحة والخدمات الحكومية. وفيما يتعلق بمشروع تسريع الرقمنة” (Digital Acceleration Project) الذي أطلقته الحكومة بالتعاون مع البنك الدولي بتمويل قدره 280 مليار فرنك رواندي (حوالي 200 مليون دولار)، والممتد منذ عام 2022 إلى عام 2026، فقد حقق حتى منتصف ،2025 55% من أهدافه، وشمل ربط أكثر من 1,200 مؤسسة تعليمية وصحية بشبكات الإنترنت الحكومية. وهو ما انعكس على مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ إذ ارتفعت نسبة الاستثمار قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 19% في الربع الأول من عام 2025، وأسهم في تحقيق نمو إجمالي للناتج المحلي بلغ 7.8% في نفس الفترة، كما تستهدف أن يصبح الاقتصاد الرقمي أحد المحركات الرئيسية لرؤية 2050.[6]

بالإضافة إلى أنها دعمت إنشاء مراكز للابتكار الرقمي وشراكات مع مؤسسات دولية لتطوير تطبيقات تعتمد على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. وبرزت مبادرات محلية مثل تطوير أدوات ذكية لدعم المزارعين عبر اللغات المحلية وتحسين القدرة على تشخيص الأمراض الزراعية وإدارة المحاصيل، كما، أعلنت الحكومة في مارس 2025 خطة لتطوير 50 تطبيقًا للذكاء الاصطناعي خلال أربع سنوات، تغطي قطاعات الصحة، التعليم، الزراعة، الخدمات المالية، والإدارة العامة. وفي 4 أبريل 2025، وقعت رواندا مع Bill & Melinda Gates Foundation مذكرة تفاهم لإنشاء “Rwanda AI Scaling Hub”بتمويل 7.5 مليون دولار (2025-2028)، لتسريع نشر حلول الذكاء الاصطناعي وتدريب 500 خبير بيانات بحلول عام 2027. وهو ما يعكس توجهًا نحو توظيف التكنولوجيا لمعالجة مشكلات تنموية مباشرة بدلًا من استنساخ نماذج غربية لا تتناسب مع الواقع المحلي[7].


·تُعد كينيا مثالًا واضحًا على تداخل التحول الرقمي مع التنافس الدولي على النفوذ التكنولوجي في أفريقيا. فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مراكز الابتكار الرقمي في القارة، حيث تصدرت أفريقيا في حجم التمويل التكنولوجي خلال عام 2025 بعد أن استحوذت على نحو 1.04 مليار دولار من الاستثمارات الموجهة للشركات الناشئة، كما تضم أكثر من 400 شركة ناشئة[8]، ما جعلها أكبر تجمع للشركات التكنولوجية في شرق أفريقيا وبوابة رئيسية للاستثمارات الغربية في الاقتصاد الرقمي الأفريقي. وفي المقابل، استفادت كينيا بشراكات قوية مع الشركات الأمريكية والأوروبية في مجالات التكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية، بينما استفادت في الوقت نفسه من الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات ومن توسع الحضور الصيني في البنية التحتية الرقمية؛ إذ تشير تقديرات إلى أن الشركات الصينية شاركت في بناء أو تزويد ما يقرب من 70% من شبكات الجيل الرابع في أفريقيا، مع وجود عمليات لها في أكثر من 50 دولة أفريقية. وعلى المستوى التنموي، قدمت كينيا خلال عام 2026 نموذجًا متقدمًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة، من خلال استخدام تطبيقات تعتمد على تحليل البيانات المناخية والتنبؤ بالآفات الزراعية وتقديم الإرشادات للمزارعين. وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأن القطاع الزراعي يسهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي الكيني ويوفر فرص العمل لأكثر من 40% من السكان، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة ليس فقط للتحول الرقمي، وإنما أيضًا لتعزيز الأمن الغذائي والحد من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالتغيرات المناخية.[9] [10]


·برزت نيجيريا باعتبارها أحد أهم النماذج الأفريقية الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث استحوذت على نحو 572 مليون دولار من التمويل التكنولوجي خلال 2025، واصلت الحكومة خلال عام 2026 تنفيذ برامج تستهدف دعم الشركات الناشئة وتوسيع برامج التدريب الرقمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والخدمات المالية بعد إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي[11]. وتكتسب التجربة النيجيرية أهمية إضافية بالنظر إلى أن البلاد استحوذت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من 30% من إجمالي التمويل الموجه للشركات الناشئة في أفريقيا، كما أصبحت مركزًا رئيسيًا للاستثمار التكنولوجي في غرب القارة. وتعكس هذه المقاربة توجهًا متزايدًا نحو التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا اقتصاديًا منتجًا وليس مجرد أداة خدمية.


·أصبحت غانا خلال السنوات الأخيرة إحدى أهم الوجهات الأفريقية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2025 أعلنت شركة التكنولوجيا الأمريكية “جوجل” استثمار 37 مليون دولار لدعم أبحاث الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية والأمن الغذائي في أفريقيا[12]، وبرزت كأحد النماذج الأفريقية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال تركيزها على بناء القدرات البشرية وتعزيز منظومة البحث العلمي والابتكار. كما أصبحت مقرًا لأول مركز أبحاث تابع لـ Google Research Africa في القارة، وهو ما عزز مكانتها كمركز إقليمي لتطوير الحلول الرقمية الموجهة للتحديات الأفريقية. وتركز التجربة الغانية على توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والزراعة والخدمات المالية، إلى جانب الاستثمار في تدريب الباحثين والمبرمجين المحليين[13].


·تستهدف مصر أن تصل مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. كما أعلنت الحكومة خلال 2025–2026 بدء تنفيذ المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025–2030)[14]، والتي تستهدف دمج الذكاء الاصطناعي في: الصحة، الزراعة، التعليم، العدالة، والخدمات الحكومية الرقمية. كما أنها تستهدف خلق قيمة اقتصادية سنوية تصل إلى 42.7 مليار دولار من الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. كما شهد عام 2026 إطلاق النموذج اللغوي الوطني “الكرنك”، واستضافة القاهرة لقمة AI Everything MEA Egypt بمشاركة أكثر من 350 شركة و100 مستثمر من مختلف أنحاء العالم[15]، في خطوة تعكس سعي مصر إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في أفريقيا والشرق الأوسط. وقد اتبعت مقاربة مختلفة تقوم على تنويع الشركاء الدوليين وعدم الاعتماد على طرف واحد. فالقاهرة عززت تعاونها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين ودول مجلس التعاون الخليجي في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وبناء القدرات الرقمية، في محاولة للاستفادة من الفرص التي يتيحها التنافس الدولي دون الوقوع في دائرة التبعية التكنولوجية. وينطبق الأمر بدرجة ما على المغرب، الذي سعى إلى توظيف شراكاته المتنامية مع الاتحاد الأوروبي لتعزيز التحول الرقمي ودعم مشروعات المدن الذكية والصناعة المتقدمة.


·ساحل العاج من النماذج الصاعدة في غرب أفريقيا في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث سعت الحكومة خلال السنوات الأخيرة إلى توظيف التكنولوجيا الرقمية كأحد محركات النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. وفي هذا الإطار، أطلقت أبيدجان برامج لتطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الإنترنت وتعزيز الاقتصاد الرقمي ضمن رؤية أوسع تستهدف تحويل البلاد إلى مركز تكنولوجي إقليمي في غرب أفريقيا. كما بدأت المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص في استكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الزراعة والخدمات المالية والإدارة العامة، خاصة في ظل الأهمية الكبيرة للقطاع الزراعي الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الإيفواري. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة بالنظر إلى أن ساحل العاج تُعد أكبر منتج للكاكاو في العالم، ما يفتح المجال أمام استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالإنتاج وتحسين إدارة المحاصيل ومواجهة المخاطر المناخية. وتعكس التجربة الإيفوارية توجهًا متزايدًا داخل الدول الأفريقية متوسطة الدخل نحو توظيف التحول الرقمي ليس فقط لتحسين الخدمات، وإنما لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التكنولوجية الناشئة.


·وفي شرق أفريقيا، تبرز إثيوبيا كنموذج مختلف؛ فعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها، واصلت الحكومة تنفيذ برامج للتحول الرقمي وتطوير الخدمات الإلكترونية في إطار جهود أوسع لتحديث الاقتصاد الوطني. ويعكس ذلك اتساع نطاق الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ليشمل دولًا تواجه ظروفًا تنموية معقدة. كما تمثل موريشيوس حالة لافتة، إذ استطاعت الدولة، رغم محدودية حجمها الجغرافي والديموغرافي، أن تبني نموذجًا متقدمًا نسبيًا في مجالات التكنولوجيا المالية والحوكمة الرقمية، مستفيدة من بيئة تنظيمية مرنة وقدرتها على جذب الاستثمارات الدولية.[16]


معضلة الحوكمة والسيادة الرقمية


لا تزال الدول الأفريقية تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية مراكز البيانات، ونقص التمويل والمهارات التقنية، وهي عوامل قد تؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بدلًا من تقليصها ومثال على ذلك; التطورات التي شهدتها جنوب أفريقيا كشفت جانبًا آخر أكثر تعقيدًا من العلاقة بين التكنولوجيا والحوكمة. ففي أبريل 2026 اضطرت الحكومة إلى سحب أول مسودة رسمية لسياستها الوطنية الخاصة بالذكاء الاصطناعي بعد اكتشاف وجود مراجع أكاديمية وهمية يبدو أنها أُنتجت بواسطة أدوات ذكاء اصطناعي دون مراجعة بشرية كافية.[17]

وقد أثارت الواقعة جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية، ليس فقط بسبب الخطأ الفني، وإنما لأنها سلطت الضوء على الفجوة القائمة بين الطموح الرقمي والقدرة المؤسسية على إدارة هذه التكنولوجيا بصورة فعالة. كما أعادت فتح النقاش حول مخاطر الاعتماد غير المنظم على أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع السياسات العامة. وأن التحدي الحقيقي أمام أفريقيا ليس “الوصول إلى الذكاء الاصطناعي”، بل “بناء الحوكمة الرقمية” القادرة على توظيفه بصورة آمنة ومستدامة.
وتعكس هذه الحادثة إشكالية أوسع تواجه أفريقيا في عام 2026، تتمثل في اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي المتفائل حول الذكاء الاصطناعي والواقع الفعلي للبنية التحتية الرقمية. فبحسب تقرير Data Centres in Africa 2026 الصادر عن Africa Data Centres Association، لا تزال أفريقيا تستحوذ على نحو 0.6% فقط من القدرة العالمية لمراكز البيانات [18]، كما لا يزال نحو 600 مليون أفريقي يفتقرون إلى الكهرباء الموثوقة، بينما لا يتجاوز مستخدمو الإنترنت المنتظمون نحو 40% من سكان القارة[19]، الأمر الذي يحد من فرص التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية المتقدمة، وهو ما يمثل أحد أبرز العوائق أمام التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.


وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر مخاوف متزايدة بشأن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات المراقبة والأمن. فوفقًا لتقرير صادر عن مجلس الأطلسي (Atlantic Council) في أواخر عام [20]2025، أصبحت 49 دولة أفريقية تطبق شكلاً واحدًا على الأقل من أنظمة الهوية البيومترية التي تشمل التعرف على الوجه وبصمات الأصابع ومسح قزحية العين. كما كشف تقرير لمعهد دراسات التنمية البريطاني (IDS) في مارس 2026 أن 11 دولة أفريقية أنفقت أكثر من 2 مليار دولار على تقنيات المراقبة الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أنظمة التعرف على الوجوه وتتبع المركبات، مع تمويل جزء كبير من هذه المشروعات عبر شراكات وقروض خارجية. ورغم ما توفره هذه التقنيات من مزايا أمنية، فإن ضعف الأطر القانونية والتنظيمية الخاصة بحماية البيانات والخصوصية يثير مخاوف متزايدة من تحولها إلى أدوات لمراقبة المجتمعات والحد من الحريات المدنية.[21]


وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض المبادرات الإقليمية في طرح رؤى مختلفة تقوم على تطوير نماذج وتقنيات تستند إلى البيانات المحلية وتخدم الاحتياجات التنموية للدول الأفريقية بدلًا من الاعتماد الكامل على النماذج الجاهزة القادمة من الخارج. كما برزت دعوات متزايدة لإنشاء بنية تحتية أفريقية للحوسبة والبيانات وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي تراعي اللغات والسياقات الثقافية المحلية.


بينما تسعى الحكومات إلى الاستفادة من التكنولوجيا لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الاعتماد المفرط على البنية التحتية الأجنبية والشركات العالمية الكبرى إلى ترسيخ أشكال جديدة من التبعية الرقمية. ويزداد هذا القلق مع استمرار محدودية مراكز البيانات والحوسبة السحابية داخل القارة واعتماد أغلب الدول على منصات خارجية لإدارة البيانات وتشغيل التطبيقات المتقدمة.


إن الاستثمار في التعليم الرقمي والمهارات التقنية أصبح شرطًا أساسيًا لضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل جديد يعمق البطالة والفجوات الاجتماعية. كما تبرز الحاجة إلى تطوير مناهج تعليمية أفريقية قادرة على إعداد أجيال جديدة للتعامل مع الاقتصاد الرقمي، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية واللغوية للقارة.


وفي الختام، تكشف التجارب الأفريقية المختلفة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للتنمية، بل أصبح أحد مجالات التنافس الجيو-اقتصادي بين القوى الكبرى. فبينما استحوذت كينيا وحدها على نحو 1.04 مليار دولار من التمويل التكنولوجي خلال عام 2025، واستقطبت غانا استثمارات وشراكات أمريكية في مجال البحث والتطوير، سعت مصر إلى تبني سياسة تنويع الشركاء بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. وفي المقابل، واصلت بكين تعزيز حضورها من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات التي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الأفريقي. ويعكس ذلك أن التنافس على أفريقيا لم يعد يدور فقط حول الموارد الطبيعية أو الأسواق الاستهلاكية، بل امتد ليشمل البيانات والبنية التحتية الرقمية والقدرات التكنولوجية التي ستحدد مكانة القارة في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

───

[1] https://techafricanews.com/2024/07/17/gsma-report-ai-predicted-to-drive-2-9-trillion-growth-in-africa-by-2030/?utm_
[2] https://www.afdb.org/en/news-and-events/press-releases/africas-ai-revolution-african-development-bank-report-projects-1-trillion-additional-gdp-2035-use-ai-enhance-productivity-89619
[3] https://shamscenter.com/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA/#google_vignette
[4] https://www.uneca.org/eca-events/stories/ecas-claver-gatete-urges-youth-raise-their-voice-shaping-africas-development?utm_
[5] https://oecd.ai/en/dashboards/policy-initiatives/continental-artificial-intelligence-strategy?utm
[6] https://shamscenter.com/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA/
[7] https://shamscenter.com/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA/
[8] https://dabafinance.com/en/news/african-tech-funding-venture-capital-2025?utm_
[9] https://www.gov.uk/international-development-funding/ai-for-climate-smart-agriculture-and-food-security-in-kenya
[10] https://nation.africa/kenya/health/young-kenyans-turn-to-ai-to-grow-food-and-fight-climate-change-5181488
[11] https://fmcide.gov.ng/initiative/nais/
[12] https://edition.cnn.com/2019/04/14/africa/google-ai-center-accra-intl
[13] https://techpoint.africa/news/googles-37m-ai-investment/?utm_
[14] https://oecd.ai/en/dashboards/policy-initiatives/egypt-national-artificial-intelligence-strategy
[15] https://arab-digital-economy.org/?p=27173
[16] https://www.trade.gov/market-intelligence/ethiopia-digital-economy
[17] https://www.reuters.com/world/africa/south-africa-targets-january-2027-revised-ai-policy-after-earlier-withdrawal-2026-05-26/?utm_
[18] https://africadca.org/en/data-centres-in-africa-2026-the-economic-report?utm
[19] https://mitsloan.mit.edu/centers-initiatives/ksc/africa-not-ready-ai-era-and-few-are-willing-to-say-it?utm_
[20] https://www.ipsnews.net/2026/03/rapid-rise-of-smart-city-surveillance-tech-across-africa-to-spy-on-citizens/
[21] https://smartthinking.org.uk/report/smart-city-surveillance-in-africa-mapping-chinese-ai-surveillance-across-11-countries/? #