كتبت – د. نرمين محمد توفيق
باحثة في الشؤون الأفريقية والمنسق العام لمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية
تسعى مصر باستمرار لتعزيز تواجدها الفاعل في القارة الأفريقية، فأفريقيا هي القارة التي تنتمي إليها مصر جغرافيًا، وترتبط مصر بعلاقات وطيدة وممتدة بغالبية الدول الأفريقية، التي تمثل الأمن القومي الجنوبي المصري، كما تتواجد مصر بقوة في المحافل الدبلوماسية الأفريقية وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي.
ومنذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، اهتم اهتمامًا كبيرًا بالبعد الأفريقي، واتضح ذلك من حرصه على الحضور بنفسه لمعظم الفاعليات المتعلقة بالاتحاد الأفريقي والقمم الأفريقية مع القوى العالمية، والزيارات المتعددة التي قام بها إلى عدد كبير من الدول الأفريقية، والتركيز على تعزيز علاقات التعاون والتكامل بين مصر ومحيطها الأفريقي، وظهر ذلك جليًا في أثناء تولي مصر لرئاسة الاتحاد الأفريقي في 2019.
أيضًا لمصر دور مهم في الحفاظ على الأمن والسلم ومكافحة الإرهاب في القارة الأفريقية، وللقوات المسلحة المصرية تواجد قوي في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في أكثر من دولة أفريقيا مثل (مالي وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية)، إضافة إلى إعلان مصر مؤخرًا المشاركة في البعثة الجديدة للاتحاد الأفريقي في الصومال، وكذلك دورها الفاعل في السعي لحل الأزمة السودانية الأخيرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والتأكيد على ضرورة إنهاء هذه الأزمة لحماية السودان من التقسيم وحماية المواطنين السودانيين، كما كان لمصر دور ملحوظ في استضافة اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب في السودان، بما يوضح رغبة مصر الدائمة في استقرار وأمن الدول الأفريقية.
هذا وقد تولت مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال شهر أكتوبر 2024، علمًا أنه تم انتخاب مصر لمقعد العامين بمجلس السلم والأمن بالإجماع خلال اجتماعات المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في فبراير 2024حتى 2026، كممثل عن إقليم شمال أفريقيا، وهو ما يعكس تقدير وثقة دول إقليم شمال أفريقيا، وكافة دول القارة لجهود مصر والتزامها بتعزيز السلم والأمن والاستقرار في أفريقيا.
وتتناول الدراسة الدور المصري في أفريقيا على مستوى المساهمة في حل الصراعات وحفظ السلم في أفريقيا ومستقبل هذا الدور، مع التركيز على دراسة الدور المصري في محاولة حل الأزمة السودانية والأزمة الصومالية، وذلك من خلال المحاور التالية:
أولًا – الإعلان عن تولي مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي:
أشار البيان الذي صدر بخصوص تولي مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي في الأول من أكتوبر 2024 ولمدة شهر (وفقا لما هو مُتبع في مجلس السلم والأمن)، أن مصر ستعمل على تعزيز دور المجلس كجهاز معني بصون السلم والأمن والاستقرار ومعالجة التحديات الأمنية والتنموية التي تشهدها القارة الأفريقية؛ حيث تأتي الرئاسة المصرية للمجلس في سياق إقليمي ودولي معقد تتزايد فيه التحديات الأمنية وهو ما تطلَّب تضافر الجهود والتشاور بشفافية حول سبل مواجهتها عبر مقاربة شاملة بُغية إرساء الاستقرار والأمن في القارة الأفريقية وتحقق أهداف أجندة الاتحاد الأفريقي للتنمية 2063.
وعن أبرز الفاعليات التي ركزت عليها القاهرة خلال رئاستها للمجلس وفقًا لما ذكره السفير الدكتور محمد جاد، سفير جمهورية مصر العربية لدى إثيوبيا ومندوبها الدائم لدى الاتحاد الأفريقي، هي:
- زيارة المجلس للقاهرة لعقد لقاء تفاعلي مع السيد وزير الخارجية والهجرة حول قضايا السلم والأمن في القارة، ومشاورات مع السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، وجلسة للمجلس على مستوى المندوبين الدائمين حول الرابط بين السلم والأمن والتنمية اتساقًا مع ريادة السيد رئيس الجمهورية لملف إعادة الإعمار والتنمية فيما بعد النزاعات، فضلاً عن زيارة المركز المصري للتدريب على عمليات حفظ السلام التابع لوزارة الداخلية. [1]
- تنظيم زيارة إلى بورسودان، والتي تعد الأولى منذ اندلاع الأزمة السودانية في 15 إبريل 2023، في إطار حرص مصر على تعزيز التضامن مع الشعب السوداني ودعم مؤسسات الدولة السودانية، وتهيئة المجلس والاتحاد الأفريقي للاطلاع على الأوضاع على الأرض، ولتحمل مسؤولياته في دفع جهود التوصل لحل سلمي للأزمة.
- عقد المشاورات السنوية بين مجلس السلم والأمن الأفريقي ومجلس الأمن الدولي، والثلاثي الأفريقي بمجلس الأمن، ولجنة الأمم المُتحدة لبناء السلام، وعقد جلسة مشتركة بين مجلس السلم والأمن ولجنة المندوبين الدائمين الفرعية للإشراف العام وتنسيق الميزانية والشؤون المالية والإدارية – التي ترأسها مصر – بهدف دراسة تمويل عمليات السلام الأفريقية.
- جلسة حول تطورات الأوضاع في الصومال وترتيبات ما بعد خروج بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية بهدف دعم مؤسسات الدولة الصومالية في مكافحة الإرهاب وبناء واستدامة السلام. وأفاد المندوب الدائم أيضًا بعقد جلسات أخرى حول مكافحة الإرهاب في القارة الأفريقية، والوضع الإنساني في القارة، وقضايا المرأة والسلم والأمن، والمناخ والسلم والأمن.[2]
ثانيًا – نبذة عن مجلس السلم والأمن الأفريقي.. النشأة والصلاحيات:
يُعد مجلس السلم والأمن الأفريقي The Peace & Security Council أحد أجهزة الاتحاد الأفريقي، وقد اعتُمد بروتوكول إنشاء مجلس السلم والأمن في 9 يوليو 2002، ودخل حيز النفاذ في ديسمبر 2003. وبدأ المجلس عمله بكامل طاقته في أوائل عام 2004.[3]
وهو المسؤول عن تنفيذ قرارات الاتحاد والعمل على منع وإدارة وتسوية النزاعات، مع التركيز على عمل ترتيبات الأمن الجماعي والإنذار المبكر لتسهيل الاستجابة الفعالة في الوقت المناسب لأوضاع النزاعات والأزمات في أفريقيا. وهو مشابه إلى حد كبير لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.[4]
أما بخصوص الإطار القانوني لمجلس السلم والأمن فقد تم إنشاؤه طبقًا للمادة 05/02 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، كجهاز دائم لصنع القرارات بشأن منع النزاعات وإدارتها وتسويتها داخل الاتحاد. يُعد هذا المجلس أحد ترتيبات الأمن الجماعي والإنذار المبكّر لتسهيل الاستجابة الفعالة، وفي الوقت المناسب لأوضاع النزاعات والأزمات في أفريقيا. تدعمه المفوضية وهيئة للحكماء، وكذلك نظام الإنذار المبكر القاري، وقوة أفريقية جاهزة، وصندوق أفريقي للسلام.[5]
أ- صلاحيات مجلس السلم والأمن، بالتعاون مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ما يلي:[6]
- توقع ومنع النزاعات والصراعات، وكذلك السياسات التي قد تؤدي إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، والقيام بمهام صنع السلام وبناء السلام لحل النزاعات أينما وقعت.
- الموافقة على تشكيل ونشر بعثات دعم السلام، ووضع مبادئ توجيهية عامة لإدارة هذه البعثات، بما في ذلك الولاية عليها.
- التدخل نيابة عن الاتحاد في دولة عضو فيما يتعلق بظروف خطيرة، وفقًا للمادة 4 (ح) من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، وهي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، كما هو محدد في الصكوك الدولية ذات الصلة.
- فرض عقوبات في كل مرة يحدث فيها تغيير غير دستوري للحكومة في دولة عضو.
- تنفيذ سياسة الدفاع المشتركة للاتحاد الأفريقي.
- ضمان تنفيذ الاتفاقيات الرئيسية المتعلقة بمكافحة الإرهاب.
- تعزيز مواءمة وتنسيق الجهود بين الآليات الإقليمية والاتحاد الأفريقي في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في أفريقيا.
- متابعة تعزيز الممارسات الديمقراطية، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واحترام حرمة الحياة البشرية والقانون الإنساني الدولي.
- تعزيز وتشجيع تنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بتحديد الأسلحة ونزع السلاح.
- دراسة الحالات التي يتعرض فيها الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية لأي دولة عضو للتهديد من أعمال العدوان، واتخاذ إجراءات في شأنها.
- دعم وتسهيل العمل الإنساني في حالات النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية الكبرى.
ب- الهيكل التنظيمي لمجلس السلم والأمن الأفريقي:
يتكون مجلس السلم والأمن من 15 عضوًا، يتم انتخابهم على أساس الحقوق المتساوية لدول القارة، كما هو منصوص عليه في المادة 5 (أ) من بروتوكول إنشاء مجلس السلم والأمن للاتحاد الأفريقي، منها خمسة بلدان يتم انتخابها كل ثلاث سنوات، وعشرة دول لمدة سنتين، وطبقًا للمادة 23 من قواعد إجراءات مجلس السلم والأمن، تتعاقب رئاسة المجلس بين أعضائه على أساس شهري وفقًا للترتيب الأبجدي في قائمة أعضاء مجلس السلم والأمن.[7]
يُنتخب جميع أعضاء مجلس السلم والأمن (15 عضوًا) من قبل المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي، ويُصادق عليهم مؤتمر الاتحاد الأفريقي خلال دوراته العادية. ورغم عدم وجود أعضاء دائمين، فإن بروتوكول مجلس السلم والأمن لا يمنع أي دولة عضو من الترشح لإعادة انتخابها مرة أخرى، كما يُنتخب أعضاء المجلس وفقًا لمبدأ التمثيل الإقليمي العادل والتناوب على النحو التالي:
وسط أفريقيا: ثلاثة مقاعد
شرق أفريقيا: ثلاثة مقاعد
شمال أفريقيا: مقعدان
جنوب أفريقيا: ثلاثة مقاعد[8]
غرب أفريقيا: أربعة مقاعد
تحدد المادة 5(2) من بروتوكول مجلس السلم والأمن المعايير المستخدمة في انتخاب أعضاء مجلس السلم والأمن، بما في ذلك: المساهمة في تعزيز السلام والأمن في أفريقيا وصونهما، المشاركة في حل النزاعات وصنع السلام وبناء السلام على المستويين الإقليمي والقاري، الاستعداد والقدرة على تحمل مسؤولية مبادرات حل النزاعات الإقليمية والقارية، المساهمة في صندوق السلام و/أو الصندوق الخاص، احترام الحوكمة الدستورية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والوفاء بالالتزامات المالية للاتحاد الأفريقي.[9]
ج- التواجد المصري في مجلس السلم والأمن الأفريقي
تأتي عضوية مصر في مجلس السلم والأمن الأفريقي في إطار مساعيها وجهودها للقيام بدور فعال في دعم وتعزيز بنية السلم والأمن في القارة الأفريقية، خاصة في ظل تصاعد تهديد التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، وقد وقعت مصر على البروتوكول المنشئ للمجلس في مارس 2004 ثم أودعت وثيقة التصديق على البروتوكول في مارس 2005، وفي ديسمبر 2006 أطلقت مصر المبادرة المصرية لإنشاء آلية التشاور بين مجلسي السلم والأمن الإفريقي والأمن الدولي خلال رئاستها لمجلس السلم والأمن. وانتُخبت مصر عضوًا بالمجلس أربع مرات، آخرها في 16 فبراير 2024، كما أن مصر انتُخبت لعضوية المجلس في أربع مرات:
الأولى: في الفترة من 2006 إلى 2008(سنتين)
الثانية: في الفترة 2012 إلى 2013 (سنتين)
الثالثة: في الفترة من 2016 إلى 2019 (ثلاث سنوات)
الرابعة: في الفترة من 2024 إلى 2026 (سنتين) [10].
ومن ثم فإن مصر حاليًا عضوة عن إقليم شمال أفريقيا في المجلس حتى عام 2026، كما أنها شغلت منصب رئيس المجلس خلال شهر أكتوبر 2024، كما سبق أن شغلت منصب رئيس المجلس خلال شهر نوفمبر 2021.
وعلى مدار تواجد مصر في مجلس السلم الأفريقي فإنها تقوم بأدوار فاعلة من خلال دعم القضايا الأفريقية والتعبير عن تطلعات الدول الأفريقية، كما تسعى لاستصدار قرارات تعكس رؤيتها في التعامل مع الجوانب المختلفة لظاهرة الإرهاب، مثل مكافحة الفكر المتطرف ومنع وصول الأسلحة للإرهابيين، أيضًا استضافت القاهرة عددًا من ورش العمل والدورات التدريبية بالتعاون مع مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام التي تستهدف فض النزاعات بين الدول الأفريقية، وتسعى باستمرار إلى تعزيز التعاون بين مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي وإبراز وجهة النظر الأفريقية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تمس القارة.
وخلال رئاسة مصر للمجلس في شهر نوفمبر 2021 ركَّزت على معالجة التحديات الأمنية التي تواجهها القارة وفي مُقدمتها الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة والتوترات العرقية والأزمات السياسية الداخلية وتبعات تغير المُناخ والكوارث الطبيعية، ومكافحة الإرهاب عبر تفكيك الخطاب والأيدولوجيات المُتطرفة وتجفيف منابع التجنيد، لا سيما في ظل تنامي الخطر الإرهابي بمناطق الساحل والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا، عن طريق عرض التجربة المصرية الرائدة في هذا المجال، والاستفادة منها. وكذلك جهود إعادة الإعمار والتنمية بعد الصراعات لاسيما من خلال مركز الاتحاد الأفريقي المُتخصص الذي تستضيفه مصر؛ حيث إن الدبلوماسية المصرية بالمحافل الأفريقية تُولي اهتماماً خاصاً بمُعالجة الأسباب الجذرية للصراعات والحيلولة دون تجددها، وذلك عبر أنشطة بناء السلام فضلاً عن كفالة الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني وتحسين سُبل نفاذ الإغاثة الإنسانية.[11]
ثالثًا- مستقبل الدور المصري في حفظ السلم في أفريقيا:
تسعى الدبلوماسية المصرية بشكل دائم للحفاظ على استقرار الدول الأفريقية وتفكيك الصراعات، ومحاولة الوصول لحلول للأزمات الأفريقية بالطرق السلمية، ويتضح ذلك من خلال الدور المصري في عدة ملفات، أبرزها أزمتا السودان والصومال، فهما بطبيعة الحال دولتان شقيقتان تُمثلان أهمية خاصة لمصر وأمنها القومي، كما أن للأزمات بهما تداعيات واسعة على الأمن والاستقرار الإقليمي والقاري، إضافة إلى المشاركة المصرية الفاعلة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في القارة.
وسيتم التطرق إلى المساعي المصرية لحل الأزمة السودانية بعد الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 2023، والدور المصري في حفظ أمن واستقرار الصومال ومواجهة التدخلات الخارجية به خصوصًا بعد الاتفاق غير الشرعي الذي سعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لعقده مع إقليم أرض الصومال الانفصالي للسيطرة على ميناء بربرة في يناير 2024، والحديث عن إعلان مصر مشاركتها في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لحفظ السلام في الصومال.
أ – الدور المصري في معالجة الأزمة السودانية:
منذ اندلاع الأزمة السودانية منتصف أبريل 2023، لعبت مصر دورا هامًا في تهدئة الصراع بين طرفي الأزمة، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولم تتدخر جهدًا في استضافة العديد من اجتماعات مختلف القوى السياسية وجميع الأطراف، إضافة إلى سعيها الحثيث في التعامل مع الأزمة الإنسانية التي نشأت جراء الحرب، وعلى رأسها نزوح مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين إليها، ومناشدة أطراف الصراع بإيصال المساعدات الإنسانية إلى الأماكن المتضررة في السودان لتخفيف معاناة المدنيين من النساء والأطفال السودانيين.
1 – السعي لوقف الأعمال القتالية:
بعد اندلاع الحرب السودانية في إبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق/ عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة/ محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، تفاقمت الأوضاع الأمنية للسودان إلى الأسوأ، واضطر ملايين من المواطنين السودانيين إلى النزوح خارج مناطق الصراع، ومنهم من لجأ إلى دول الجوار، وكانت وجهة الكثيرين منهم إلى مصر، وبدورها استقبلت مصر عددًا ضخمًا من اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، مع جهودها المستمرة من أجل وقف الحرب ودعوة أطراف الصراع إلى نبذ العنف واللجوء إلى المفاوضات، مع التأكيد على دعم سيادة السودان والحفاظ على وحدة الجيش السوداني من الانقسامات والانشقاقات.
وقد عبّر الرئيس السيسي عن الموقف المصري من الأزمة السودانية، أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، وأمام عدد من رؤساء الدول والحكومات الأفارقة، وأمام مسؤولي المنظمات الدولية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة ومفوضية الاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، والإيجاد، بضرورة التوصل لوقف شامل ومستدام لإطلاق النار وبما لا يقتصر فقط، على الأغراض الإنسانية، بل يمتد إلى وجوب الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية في السودان، والتي تعد العمود الفقري، لحماية الدولة من خطر الانهيار.[12]
2 – التعامل مع ملف اللاجئين السودانيين:
تعد مصر من أكثر دول الجوار السوداني التي استقبلت أكبر عدد من النازحين السودانيين منذ اندلاع الأزمة في أبريل ٢٠٢٣. وقدمت لهم الخدمات، خاصةً في قطاعات الصحة والتعليم، إضافة إلى الجهود المصرية المستمرة لدعم التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة في السودان، والتعاون الدولي والشراكات للتعاون في مواجهة تدفقات اللاجئين، أخذًا في الاعتبار حرص مصر على الوفاء بالتزاماتها تجاه اللاجئين.[13]
وقد أوضح الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الجلسة الافتتاحية لقمة دول جوار السودان في يوليو 2023 أن مصر بادرت فور اندلاع الأزمة في السودان، باستقبال مئات الآلاف من السودانيين الذين انضموا إلى ما يقرب من خمسة ملايين مواطن سوداني يعيشون فوق الأراضي المصرية منذ سنين عدة، كما قدمت الحكومة المصرية، مساعدات إغاثية عاجلة تضمنت مواد غذائية، ومستلزمات طبية للمواطنين السودانيين المتضررين من النزاع داخل الأراضي السودانية.[14]
وأكد أن مصر بذلت وتبذل كل ما في وسعها بالتعاون مع كافة الأطراف لوقف نزيف الدم السوداني، والمحافظة على مكتسبات شعب السودان، والمساعدة في تحقيق تطلعات شعبه، وأن مصر تعمل على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، المقدمة من الدول المانحة للسودان عبر الأراضي المصرية، وذلك بالتنسيق مع الوكالات والمنظمات الدولية المعنية، مشيرًا إلى خطورة الأزمة الراهنة، التي يوجهها السودان وتداعيات الاقتتال الدائر هناك، الذي نتج عنه إزهاق أرواح المئات من المدنيين ونزوح الملايين من السكان إلى مناطق أكثر أمانًا داخل السودان، أو اللجوء إلى دول الجوار، فضلًا عن الخسائر المادية الجسيمة التي تعرضت لها الممتلكات العامة والخاصة وتدمير العديد من المرافق الحيوية في البلاد، إضافة إلى العقبات التي تواجه الموسم الزراعي؛ مما ترتب عليه نقص حاد في الأغذية كما أدى الصراع وتداعياته السلبية، إلى تدهور المؤسسات الصحية، ونقص في الأدوية ومستلزمات الرعاية الصحية وهو الأمر الذي كانت له تداعيات كارثية، على مجمل الوضع الإنساني.[15]
بدورها أشادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بجهود مصر في استقبال اللاجئين الفارين من الصراع السوداني مؤكدة أن مصر تعد الدولة الأولى التي تستقبل اللاجئين الفارين من الصراع الحالي في السودان، فيما تعمل المفوضية بالتنسيق مع الحكومة على تكثيف الجهود في مجال الحماية والمساعدة لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للاجئين السودانيين الوافدين حديثًا، وأضافت المفوضية أن البيانات التي كشفت عنها الحكومة المصرية تشير إلى أن أكثر من 1.2 مليون سوداني سعوا للحصول على الحماية الدولية في مصر منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023.[16]
3 – أبرز الاجتماعات والفاعليات التي دعت إليها القاهرة بخصوص الأزمة السودانية:
- منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب في السودان، دعت كل من مصر والمملكة العربية السعودية إلى عقد اجتماع طارئ على مستوى المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية لمتابعة تطورات الوضع المتأزم بين القوى السياسية في السودان، وقد عُقد هذا الاجتماع في 6 مايو 2023، قبل نحو أسبوعين من موعد انعقاد القمة العربية بالسعودية في 19 مايو 2023، وترأست مصر اجتماعات الجامعة العربية باعتبارها رئيسة الدورة لمجلسها، وبحث وزراء الخارجية العرب بهذا الاجتماع، مساعيهم لاتخاذ موقف عربي موحد لحل الأزمة السودانية والحفاظ على الهدنة الخاصة بوقف إطلاق النار بين طرفي الأزمة.
- في 19 يونيو 2023، استضافت مدينة جنيف في سويسرا مؤتمر مانحي السودان برئاسة (مصر والسعودية وقطر وألمانيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)، جاء المؤتمر لدعم الاستجابة الإنسانية للسودان بشكل مشترك بين مصر والدول المعنية والمنظمات المعنية بالأزمة السودانية، وذلك في إطار إعلان الأمم المتحدة عن تعهدها بتقديم دعم بقيمة مليار ونصف المليار دولار للسودان والدول المجاورة التي تستضيف لاجئين فارين من الصراع.
- استضافت القاهرة “قمة دول جوار السودان” في 13 يوليو 2023 ، لبحث سُبل إنهاء الصراع والتداعيات السلبية له على دول الجوار ووضع آليات فاعلة لتسوية الأزمة في السودان بصورة سلمية بالتنسيق مع المسارات الإقليمية والدولية الأخرى، وفي كلمته أمام قمة دول جوار السودان بالقاهرة عبَّر الرئيس عبدالفتاح السيسي عن موقف مصر الثابت حيال الأزمة ورؤيتها للحل، وصياغة رؤية مشتركة لدول الجوار المُباشر للسودان، واتخاذ خطوات لحل الأزمة، والحفاظ على الدولة السودانية ومُقدراتها، والحد من استمرار الآثار الجسيمة للأزمة على دول الجوار وأمن واستقرار المنطقة ككل.[17]
- في يوليو 2024 استضافت مصر مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية،في مسعى لتوحيد الرؤى والجهود للخروج بالسودان من أزمته، وافتتح وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي المؤتمر، بحضور ممثلي القوى السياسية والمدنية السودانية والأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي وجامعة الدول العربية وعدد من الدول الفاعلة وذات الاهتمام بملف السودان.[18]
- هذا وتقدم مصر خدمات لكل اللاجئين أو المهاجرين على أراضيها، من دون تعريض أي منهم إلى المكوث في مراكز إيواء أو مخيمات على الحدود، مع اتخاذ إجراءات لتقنين اللجوء وضبط هذا الملف أمنيًا، لما له من ارتباطات مع الأمن القومي المصري والأمن المائي والغذائي، وحتى الديموغرافي.[19]
4 – مستقبل الدور المصري وتحركاتها الدبلوماسية في الأزمة السودان:
تكشف التحركات السابقة التي قامت بها مصر على مستوى الأزمة السودانية حرصها الشديد على السعي لحل الأزمة السودانية والحفاظ على وحدة واستقرار السودان واحترام سيادته، والحفاظ على وحدة القوات المسلحة السودانية الرسمية، وهذا ما تستمر عليه خلال الفترة المقبلة.
وقد اتضح ذلك جليًا من رفض مصر للحكومة الموازية التي سعت قيادة الدعم السريع لتشكيلها في كينيا، بعد الهزائم المتتالية التي مُنيت بها قوات الدعم السريع؛ حيث أصدرت الخارجية المصرية بيانًا في الثاني من مارس 2025 أوضحت فيه أن الرفض المصري لمحاولات تشكيل حكومة سودانية موازية، وأن جمهورية مصر العربية تُعرب عن رفضها لأي محاولات تهدد وحدة وسيادة وسلامة أراضي السودان الشقيق بما في ذلك السعي نحو تشكيل حكومة سودانية موازية، الأمر الذي يعقِّد المشهد في السودان، ويعيق الجهود الجارية لتوحيد الرؤى بين القوى السياسية السودانية، ويفاقم الأوضاع الإنسانية.
كما طالبت مصر كافة القوى السودانية بتغليب المصلحة الوطنية العليا للبلاد والانخراط بصورة إيجابية في إطلاق عملية سياسية شاملة، دون إقصاء أو تدخلات خارجية.[20]
أيضًا ستستفيد مصر من عضويتها في مجلس السلم والأمن الأفريقي (2024-2026) في التأكيد على ضرورة دعم السودان واستقراره، حيث يتلاقى الموقف المصري مع موقف مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي رفض بدوره أيضًا تشكيل حكومة سودانية موازية، ودعا في بيان له في الثاني عشر من مارس 2025، الدول الأعضاء والمجتمع الدولي إلى «عدم الاعتراف بأي حكومة أو كيان يسعى لتقسيم السودان، وحكم جزء من أراضيه أو مؤسساته»، وحضّ الدول الأفريقية والمجتمع الدولي على «الامتناع عن دعم أو مساعدة أي مجموعة مسلحة أو سياسية، تسعى لإنشاء حكومة أو دولة موازية في السودان».
وجدد «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، التزامه بالمحافظة على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ودعم الحل السلمي للنزاع، ودعا الأطراف المتقاتلة إلى «الاستجابة لدعوات وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، والالتزام بمحادثات سلام شاملة»، كما تعهد المجلس «بمواصلة التعاون مع جميع الأطراف السودانية لإنهاء النزاع القائم، استناداً إلى خريطة الطريق الخاصة بالاتحاد الأفريقي».[21]
وهذا يوضح التواجد المصري الفاعل في مجلس السلم والأمن الأفريقي، وأن مصر حريصة على دعم أمن واستقرار السودان في جميع المحافل.
ب – الدور المصري في معالجة الأزمة الصومالية:
تُعتبر الصومال من الدول الأفريقية الهامة في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا؛ حيث تمتع بموقع جيواستراتيجي على ممرات مائية هامة تتحكم في مسار التجارة العالمي مثل مضيق باب المندب والمحيط الأطلنطي والبحر الأحمر وخليج عدن، ورغم ذلك فإنها تعاني من عدم الاستقرار منذ التسعينيات من القرن الماضي مع وقوع الحرب الأهلية بها وانهيار مؤسسات الدولة.
وتربط مصر علاقات قوية بالصومال؛ حيث لم تتوقف جهود مصر لوقف نزيف الدم وحماية وحدة التراب الصومالي، بل كانت حاضرة بقوة في جميع الجهود الدولية للمّ شمل الصوماليين، ورفضت تقسيم الصومال أو الاعتراف بانفصال إقليم الشمال “أرض الصومال – صومالاند”، كما نظمت مصر عددًا من مؤتمرات المصالحة لإنهاء الاقتتال الداخلي في مقديشو وإحلال السلام في ربوع الصومال شارك فيها معظم الفصائل المتناحرة.[22]
واتضح الدور المصري مؤخرًا بقوة في الدعم الكبير للصومال من خلال:
- دعم الصومال في الحفاظ على سيادته على ميناء بربرة المطل على البحر الأحمر: حينما سعى آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي في عقد اتفاق غير شرعي يخالف مبادئ القانون الدولي مع حكومة إقليم أرض الصومال الانفصالية وغير المعترف بها.
البداية كانت في أكتوبر 2023 حينما أطلق آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي تصريح مثير للجدل بي أحمد، أن من حق بلاده الوصول إلى البحر الأحمر، لأسباب جغرافية وتاريخية واقتصادية.
وأضاف أحمد، أنه “من المفارقة التامة أن تظل إثيوبيا صامتة عند مناقشة البحر الأحمر للوصول إلى المواني، بينما تتمتع الدول الأخرى بحقوقها في مناقشة سد النهضة والأنهار الأخرى العابرة للحدود من أجل المنفعة المتبادلة”، وفقًا لوكالة الأنباء الإثيوبية، وتابع مشيرًا إلى أن “إثيوبيا محاطة بالمياه، لكنها تظل غير ساحلية”، ولفت أحمد إلى أن “البحر الأحمر ونهر النيل متشابكان مع إثيوبيا”، مضيفًا أنهما “يحددان مصير البلاد وأساس تنميتها أو تدميرها”.[23]
تجدر الإشارة إلى أن إثيوبيا دولة حبيسة فقدت منفذها المباشر على البحر الأحمر في عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود.
لم تمض فترة وجيزة على تصريحات آبي أحمد بخصوص النفاذ على البحر الأحمر، حتى استيقظت دول القرن الأفريقي في أول يوم من 2024 (1 يناير) على بيان لمكتب آبي أحمد، يذكر أن إثيوبيا وقعت، مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لاستخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر.
تتمتع أديس أبابا بموجب هذا الاتفاق بالوصول إلى البحر الأحمر تمهيدًا لإقامة قاعدة بحرية تجارية إثيوبية بالقرب من ميناء بربرة على مساحة 20 كيلومتر مربع لمدة 50 عامًا بحسب الاتفاق، مقابل اعتراف الحكومة الإثيوبية بـ”أرض الصومال” كدولة مستقلة، وحصول “أرض الصومال” على حصة من الخطوط الجوية الإثيوبية.[24]
فور نشر تفاصيل الاتفاق أعلن الصومال رفضه الشديد له، وفي 2 يناير وصفته حكومة الصومال بأنه عمل “عدواني”، وأعرب مجلس الوزراء الصومالي، فى بيان له أن “توقيع مذكرة التفاهم غير المشروعة بين إثيوبيا، وإدارة أرض الصومال بشأن استخدام منفذ بحري، اعتداء سافر على السيادة الداخلية لجمهورية الصومال الفيدرالية، مستنكرًا انتهاك إثيوبيا سيادة الصومال”.[25]
في 3 يناير استدعت الحكومة الصومالية سفيرها في إثيوبيا للتشاور بعد ساعات من الإعلان عن اتفاق بين أديس أبابا ومنطقة أرض الصومال احتجاجًا على “انتهاك السيادة الصومالية”.[26]
وقع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في 7 يناير 2024 قانونًا يلغي الاتفاقية البحرية التي اعتبرها “غير قانونية” بين إثيوبيا. وجمهورية أرض الصومال الانفصالية، وقال الرئيس الصومالي إن اعتماد مشروع القانون هذا يلغي الاتفاق الذي وصفه بأنه “غير قانوني”.[27]
أما عن الموقف المصري من الاتفاق غير الشرعي فبدورها أعلنت مصر رفضها مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، التي بموجبها تحصل أديس أبابا على منفذ بحري؛ حيث تلقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم 2 يناير تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تطوير التعاون المشترك، واستمرار التنسيق وتعميقه في مختلف المجالات، بما يتفق والطبيعة التاريخية للعلاقات بين البلدين، وتطرق الاتصال للأوضاع الإقليمية، حيث أكد السيد الرئيس موقف مصر الثابت بالوقوف بجانب الصومال الشقيق، ودعم أمنه واستقراره.[28]
وأصدرت وزارة الخارجية المصرية في 3 يناير 2024، بيانًا أكدت فيه “ضرورة الاحترام الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة على كامل أراضيها، ومعارضتها لأية إجراءات من شأنها الافتئات على السيادة الصومالية، مشددةً على حق الصومال وشعبه دون غيره في الانتفاع بموارده”، وحذر البيان من “خطورة تزايد التحركات والإجراءات والتصريحات الرسمية الصادرة عن دول في المنطقة وخارجها، التى تقوض من عوامل الاستقرار فى منطقة القرن الأفريقي، وتزيد من حدة التوترات بين دولها”، وشدّدت مصر على “ضرورة احترام أهداف القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ومنها الدفاع عن سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها واستقلالها… وعدم تدخل أي دولة عضو في الشؤون الداخلية لدولة أخرى”.[29]
وأعقب ذلك عدة تحركات وتصريحات مصرية أكدت دعهما للشعب الصومالي في الحفاظ على مقدراته وسيادته على أراضيه ومواني بلاده.
هذا وقد التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي في أكتوبر 2024 بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في إريتريا بدعوة من الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وأكد الرئيس السيسي من جديد على دعم مصر لوحدة واستقلال وسلامة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية على كامل أراضيها، ورفض الإجراءات الأحادية التي تهدد وحدة وسيادة الدولة، وتطوير وتعميق التعاون والتنسيق بين مصر والصومال من أجل تعزيز إمكانات مؤسسات الدولة الصومالية لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، وتمكين الجيش الفيدرالي الصومالي الوطني من التصدي للإرهاب بكافة صوره، وحماية حدوده البرية والبحرية وصيانة وحدة أراضيه.[30]
2 – إعلان مصر عن مشاركتها بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لحفظ السلام في الصومال: يُعد الصومال من أكثر بلدان منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي معاناة من الإرهاب، وذلك مع إعلان حركة الشباب المجاهدين الإرهابية عن نشأتها في الصومال منذ 2007، وخلال ما يقرب من عقدين من الزمن عانت الصومال من ممارسات هذه الحركة التي استهدفت مئات المدنيين بالقتل ونفذت العديد من التفجيرات والهجمات الإرهابية.[31]
ورغم بعثات حفظ السلام المتعددة التابعة للاتحاد الأفريقي والمدعومة من الأمم المتحدة لحفظ السلام في الصومال، وعلى رأسها بعثة أميسوم AMISOM في 2007 ثم بعثة أتميس ATMIS عام 2022، إلا أنها لم تستطع القضاء التام على حركة الشباب المجاهدين الإرهابية.
ومن هذا المنطلق أعلنت مصر في ديسمبر 2024 مشاركتها بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لحفظ السلام في الصومال أوصوم AUSSOM، حينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقاء له مع نظيره الصومالي أحمد معلم فقي أن مصر ستُسهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال[32]. جدير بالذكر أن مجلس الأمن وافق على قرار نشر بعثة أوصوم لدعم الاستقرار في الصومال على أن تباشر مهامها اعتبارًا من الأول من يناير 2025.
ولمصر مشاركات هامة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا؛ حيث شاركت مصر في عدد كبير من هذه البعثات على النحو التالي:
· بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية MINURSO
· بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى MINUSCA
· بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي MINUSMA
· بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في كوت ديفوار UNOCI
· بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في ليبيريا UNMIL
· بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية MONUSCO
· البعثة الهجين للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة بدارفور UNAMID
· بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية جنوب السودان UNMISS[33]
3 – مستقبل الدور المصري في الصومال: ستساعد الخبرة المصرية في عمليات حفظ السلام في أفريقيا بعثة الاتحاد الأفريقي في أداء مهامها بالصومال، والأمر لا يتوقف فقط على المشاركة المصرية في بعثات حفظ السلام في القارة، وإنما التجربة المصرية الناجحة في قضاء مصر على الإرهاب الذي عانت منه بعد عام 2011؛ حيث إن خطر الإرهاب في الصومال لا يتوقف فقط على حركة الشباب المجاهدين التي تبايع تنظيم القاعدة، وإنما أيضَا فرع تنظيم داعش الذي يتواجد شمال الصومال.
أيضًا هناك ضرورة لتعزيز تعاون بين القوات الصومالية والقوات المشاركة في بعثة أوصوم، ومنها مصر مع العشائر الصومالية في الحرب ضد حركة الشباب المجاهدين الإرهابية، ومعالجة الخلافات التي بدأت تدب بين العشائر، وقد أثبتت استراتيجية تعاون قوات الأمن في الصومال مع العشائر الصومالية دورًا فاعلًا في ملاحقة حركة الشباب في السنوات الأخيرة، وتوجيه ضربات قوية لها.
وظهر هذا واضحًا بعد إعلان الرئيس حسن شيخ محمود الحرب على الحركة في 2022، وضم عشائر إليه في هذه الحرب، بمساعدة بعثة الاتحاد الأفريقي، ونجاحهم في استعادة مناطق واسعة من حركة الشباب؛ ما يعني أن الفترة القادمة ستتطلب مزيدًا من التنسيق القوي بين الطرفين، علمًا بأن الحركة تسعى من جهتها إلى شق الصف بين قوات الأمن والعشائر الصومالية، هذا يستدعي ضرورة حذر السلطات الصومالية وبعثة الاتحاد الأفريقي من تحركات الحركة، وتعزيز التعاون مع العشائر، ومنع أي تقارب بين الحركة وبينهم، والسعي لحل الأزمات التي تؤدي إلى تجدد الصراعات بين العشائر.[34]
وقد شدد الرئيس السيسي خلال لقائه بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في يناير 2025، على مواصلة العمل المشترك، تفعيلًا لبروتوكول التعاون العسكري، الموقع بين البلدين بالقاهرة، في أغسطس 2024، بهدف تدعيم قدرات الدولة الصومالية ومؤسساتها الوطنية، لحفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، ومشاركة القوات المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة في الصومال، وأكد أن الهدف من المشاركة في هذه البعثة، هو تحقيق الأمن والاستقرار في الصومال، ولا تهدف إلى تهديد أي دولة، تضامنًا مع الأشقاء في الصومال.[35]
ومن ثم ستسعى قوات مصر المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي “أوصوم” خلال الفترة المقبلة إلى اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على وحدة واستقرار الصومال وسلامة أراضيه وسيادته على مقدراته.
ختامًا: يتضح من العرض السابق الدور القوي لمصر في قارتها الأفريقية على مستوى حفظ أمن واستقرار دول القارة، والتأكيد على احترام سيادة ووحدة هذه الدول وعدم التدخل في شؤونها، وذلك من خلال مشاركتها الفاعلة في المحافل الدولية والإقليمية، مثل المشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أو تلك التابعة للاتحاد الأفريقي، وأيضًا من خلال عضويتها في الأجهزة المختصة بحفظ السلم والأمن في أفريقيا، مثل مجلس السلم والأمن الأفريقي، إضافة إلى تجربة مصر الرائدة في مكافحة الإرهاب والقضاء عليه؛ ما يُمَكنها من مساعدة الدول الأفريقية التي تعاني من ظاهرة الإرهاب مثل الصومال، واستضافتها لمركز مكافحة الإرهاب لتجمع دول الساحل والصحراء.
وما يُميز التجربة المصرية في دعمها لأشقائها الأفارقة أنها لا تتوقف على الجانب الأمني فقط، وإنما تمتد لتشمل البُعد التنموي من خلال المشروعات التنموية المصرية في الدول الأفريقية، مثل مشروع “محطة وسد جوليوس نيريري لتوليد الكهرباء في تنزانيا” الذي أنشأته مصر من خلال شركاتها الوطنية كـ “المقاولون العرب” و “السويدي إلكتريك”، لتؤكد أنها تحرص على تنمية الدول الأفريقية، وكذلك تحرص مصر على تعزيز علاقاتها بمحيطها الأفريقي على المستوى الاقتصادي، والصحي، والثقافي والتعليمي، وفي مختلف المجالات التنموية.[36]
وأيضًا يبرز الدور المصري من خلال دور القاهرة الهام في إعادة الإعمار بعد الصراعات، حيث تشارك مصر في عمليات إعادة الإعمار في ليبيا، ومن المتوقع أيضَا أن تشارك في عمليات إعادة الإعمار في السودان بعد انتهاء الحرب، كما أنها تستضيف مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد الصراعات، وكل هذا يوضح الرغبة المصرية في التعاون والتكامل مع دول قارتها الأفريقية، انطلاقًا من مبدأ تحقيق المصلحة لجميع دول أفريقيا.
[1] الموقع الإلكتروني لرئاسة مجلس الوزراء المصري، مصر تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال شهر أكتوبر 2024، تاريخ النشر 30 سبتمبر 2024، الرابط: https://www.cabinet.gov.eg/News/Details/77270
[2] المرجع السابق.
[3] The Peace & Security Council, African Union Website, https://au.int/en/psc
[4] الهيئة العامة للاستعلامات، مجلس السلم والأمن الإفريقي، تاريخ النشر 22 فبراير 2024، الرابط: https://shortlink.uk/TRZL
[5] هندسة الأمن والسلم في أفريقيا: مقاربة قانونية مؤسساتية، موقع القرن الأفريقي للأبحاث، تاريخ النشر نوفمبر 2023، الرابط: https://hornafrica.uk/2023/11/22/security-peace-africa
[6] The Peace & Security Council, Op.cit.
[7] مؤتمر الاتحاد الأفريقي، تقرير مجلس السلم والأمن عن أنشتطه ووضع السلم والأمن في أفريقيا، الدورة العادية الرابعة عشرة، 31 يناير – 2 فبراير 2010، الرابط: https://www.peaceau.org/uploads/assembly-au-3-xiv-a.pdf
[9] The Peace & Security Council, Op.cit.
[10] الهيئة العامة للاستعلامات، المرجع السابق.
[11] وكالة أنباء الشرق الأوسط أ ش أ، مصر تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال شهر نوفمبر المقبل، تاريخ النشر 31 أكتوبر 2021، الرابط: https://www.mena.org.eg/news/dbcall/table/textnews/id/9246245
[12] الهيئة العامة للاستعلامات، الأزمة السودانية.. محطات رئيسية، تاريخ النشر 25 أغسطس 2024،
الرابط: https://shortlink.uk/WBpU
[13] وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، مصر تستضيف ندوة رفيعة المستوى لتحسين الاستجابة الإنسانية والتنسيق الإقليمي في السودان، تاريخ النشر 21 يناير 2025، الرابط: https://www.mena.org.eg/ar/news/dbcall/table/webnews/id/11036315
[14] الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الجلسة الافتتاحية لقمة دول جوار السودان، تاريخ النشر 13 يوليو 2023، الرابط: https://shortlink.uk/WC2b
[15] المرجع السابق.
[16] The UN Refugee Agency (UNHCR), Egypt now biggest recipient of Sudanese forced to flee ongoing war, Published on 8 Nov 2024, https://www.unhcr.org/eg/48939-egypt-biggest-recipient-of-sudanese-forced-to-flee-ongoing-war.html
[17] الهيئة العامة للاستعلامات، الأزمة السودانية.. محطات رئيسية، مرجع سبق ذكره.
[18] وكالة الأنباء الصينية، شينخوا، انطلاق فعاليات مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة، تاريخ النشر 7 يوليو 2024
الرابط: https://arabic.news.cn/20240706/68ec2a52f9064700a6a7edd66884cf05/c.html
[19] العربية نت، أزمة اللاجئين في مصر.. حصر الأعداد والكلفة الاقتصادية، تاريخ النشر 6 مايو 2024،
الرابط: https://surl.li/uhsfcd
[20] الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مصر ترفض محاولات تشكيل حكومة سودانية موازية، تاريخ النشر 2 مارس 2025، الرابط: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=957302616579585&set=pb.100068995666430.-2207520000&type=3
[21] صحيفة الشرق الأوسط، «مجلس السلم والأمن الأفريقي» يرفض حكومة موازية في السودان، تاريخ النشر 12 مارس 2025، الرابط: https://shortlink.uk/WBqs
[22] الهيئة العامة للاستعلامات، مصر والصومال، تاريخ النشر 15 يناير 2013، الرابط: https://shortlink.uk/WC67
[23] Ethiopia has Right to Peacefully Claim of Access to Sea: PM Abiy, ENA, published on 15 Oct. 2023, https://www.ena.et/web/eng/w/eng_3458629
[24] موقع دوتيشه فيللة الألماني، أرض الصومال تمكن إثيوبيا من الوصول للبحر الأحمر، تاريخ النشر 1 يناير 2024، الرابط: https://shortlink.uk/TS07
[25] موقع سي إن إن الإخباري، الصومال: مذكرة التفاهم بشأن حصول إثيوبيا على منفذ بحري في أرض الصومال “غير مشروعة”، تاريخ النشر 2 يناير 2024، الرابط: https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/01/02/somalia-ethiopia-sea-port-somaliland
[26] صحيفة الأهرام، احتجاجًا على انتهاك سيادته الصومال يستدعى سفيره فى إثيوبيا رفضًا لاتفاقها البحرى، تاريخ النشر 3 يناير 2024، الرابط: https://gate.ahram.org.eg/daily/News/927175.aspx
[27] موقع دوتشييه فيللة، الصومال يوقع قانونًا يلغي الاتفاقية بين إثيوبيا وأرض الصومال، تاريخ النشر 7 يناير 2024، الرابط: https://shortlink.uk/WBrA
[28] الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية على فيسبوك، تاريخ النشر 3 يناير 2024، الرابط: https://shortlink.uk/TS0n
[29] مجلس الوزراء المصري نقلًا عن وزارة الخارجية، مصر تؤكد على ضرورة احترام سيادة الصومال على أراضيه، تاريخ النشر 4 يناير 2024، الرابط: https://www.cabinet.gov.eg/News/Details/74758
[30] وكالة أنباء الشرق الأوسط أ ش أ ، مصر والصومال تؤكدان دعم وحدة واستقلال وسلامة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية على كامل أراضيها، تاريخ النشر 10 أكتوبر 2024، الرابط: https://www.mena.org.eg/ar/news/dbcall/table/webnews/id/10906665
[31] لمزيد من المعلومات حول حركة الشباب المجاهدين وتواجدها بالصومال، انظر: د. نرمين محمد توفيق، حركة الشباب المجاهدين بالصومال وعلاقتها بالقاعدة.. نشأتها وأفكارها والسيناريوهات المستقبلية (القاهرة، المكتب العربي للمعارف، 2015).
[32] موقع روسيا اليوم، مصر تعلن نشر قوات لحفظ السلام في الصومال، تاريخ النشر 24 ديسمبر 2024، الرابط: https://shortlink.uk/TS0
[33] الهيئة العامة للاستعلامات، مساهمة مصر في عمليات حفظ السلام في أفريقيا، الرابط: https://shortlink.uk/TS1b/
[34] د. نرمين توفيق، الإرهاب في شرق أفريقيا.. تصاعد الهجمات وتطور استراتيجيات المواجهة، في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر 14 سبتمبر 2024، الرابط: https://acpss.ahram.org.eg/News/21266.aspx
[35] سكاي نيوز، السيسي يوضح هدف نشر قوات مصرية في الصومال، تاريخ النشر 23 يناير 2025، الرابط: https://shortlink.uk/TSLf
[36] للمزيد حول الدور التنموي المصري في أفريقيا، يمكن الاطلاع على دراسة: د. نرمين محمد توفيق، “النموذج المصري منذ 2014 ودوره في تنمية الدول الأفريقية”، في أعمال المؤتمر الدولي لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة (يونيو 2022).





