كتبت – أسماء حمدي
تتزايد المخاوف عالميًا من صناعة تدر مليارات الدولارات سنويًا، لكنها تدمر صحة الملايين من النساء ذوات البشرة السمراء والداكنة، وهي كريمات تبييض البشرة. فقد كشفت أبحاث طبية حديثة عن صلة هذه المنتجات المحملة بمواد سامة مثل الهيدروكينون والكورتيكوستيرويدات بارتفاع حالات الإصابة بسرطانات الجلد وأضرار لا يمكن علاجها، من تشوهات دائمة في الوجه والجسد.
ورغم أن حملات التحرر منذ ستينيات القرن الماضي رفعت شعار “البشرة السمراء جميلة”، فإن إرث الاستعمار والعنصرية ما زال يرسّخ اللون الفاتح كرمز للجمال والقبول الاجتماعي. اليوم، وبينما يتوقع أن تبلغ قيمة السوق 18 مليار دولار بحلول 2033، يحذر أطباء من أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب ما هو أبعد من القوانين، “نضال طويل ضد التمييز والوصمة التاريخية للون البشرة”.
الجمال السام
في ستينيات القرن الماضي، دوّى شعار “البشرة السمراء جميلة” في شوارع الولايات المتحدة وبريطانيا مع حركات الحقوق المدنية، قبل أن يتردد صداه في حركات التحرر عبر الجنوب العالمي.
كان الشعار تحديًا مباشرًا لمعايير جَمالية رسّختها قرون من الاستعمار والعنصرية، حيث صُوّرت البشرة السمراء والملامح الإفريقية والشعر الطبيعي كرموز لا تعبر عن الجمال.
صناعة بمليارات الدولارات
لكن وبعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن الموروث الاستعماري لا يزال حيًا. ملايين النساء في إفريقيا يواصلن استخدام كريمات تفتيح البشرة، على الرغم من احتوائها على مواد مسرطنة أو سامة. والأدهى أن بعض التقارير تكشف عن آثار هذه المنتجات حتى على الأطفال الرضع.
ووفق تقديرات السوق، تبلغ قيمة صناعة كريمات التفتيح اليوم 10.7 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 18.1 مليار دولار بحلول عام 2033. هذه الأرقام تعكس ليس فقط حجم الاستهلاك، بل أيضًا مدى تغلغل “اللون الفاتح” كرمز للجاذبية والنجاح الاجتماعي، بحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية.
حكاية من العيادة
في مكتبها بجامعة كوازولو ناتال في جنوب إفريقيا، تستقبل البروفيسورة نكوزا دلـوفا، رئيسة قسم الأمراض الجلدية، يوميًا حالات مروعة.
إحدى المريضات جاءت بوجه متضرر: “تصبغات قاتمة، علامات تمدد، وتباين صارخ بين بشرة وجهها وجسدها. كانت النتيجة المباشرة لاستخدام كريم تفتيح لثلاث سنوات متواصلة. عندما سألتها دلـوفا عن السبب، أجابت: أردت أن أبدو مثل صديقتي.. كانت أجمل مني”.
تروي دلـوفا بحزن: “قلت لها للأسف، لا يمكنني إعادة بشرتك كما كانت. يمكنني فقط مساعدتك في منع الأسوأ، باستخدام واقيات الشمس وحمايتك من خطر السرطان”. لكن المريضة انهارت بالبكاء.
من الزئبق إلى الهيدروكينون
لم تكن هذه الظاهرة وليدة اليوم. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت تظهر تقارير عن النساء الإفريقيات اللواتي يتعرضن لمضاعفات خطيرة بسبب كريمات تحتوي على الزئبق. وبحلول عام 1975، حُظرت هذه المواد في جنوب إفريقيا، بعد أن تبين أنها تسبب أضرارًا بالدماغ والجلد.
لكن الشركات لم تتوقف، إذ استبدلت الزئبق بمادة الهيدروكينون.، ورغم أن دراسات مبكرة بينها بحث نشره البروفيسور جورج فايندلاي في المجلة البريطانية للأمراض الجلدية عام 1975، حذّرت من مخاطره، لكن هذه المنتجاتانتشرت في الأسواق الإفريقية.
فايندلاي وصف في بحثه أن الهيدروكينون قد يمنح تفتيحًا مؤقتًا، لكنه سرعان ما يُسبب خشونة الجلد وتصبغات سوداء تتحول لاحقًا إلى تقرحات ودمامل، خصوصًا عند التعرض للشمس. هذا الاكتشاف قاد دولًا مثل رواندا وغانا إلى فرض حظر رسمي. لكن ضعف الرقابة سمح باستمرار تداولها، فيما لجأت شركات أخرى لإضافة الستيرويدات لزيادة المفعول.
آثار لا تُمحى
الميلانين، الصبغة الطبيعية التي تحمي البشرة الداكنة من أشعة الشمس، يتعرض للتدمير عبر هذه المنتجات، ما يؤدي إلى ترقق الجلد لدرجة أن أبسط المستحضرات تُسبب حرقة، كما يتسبب بالتهابات فطرية بسبب ضعف المناعة الجلدية، بينها حب شباب أو حبوب البشرة ذات اللون الوردي.
بالإضافة إلى شعر زائد في الوجه والمناطق التي تم استخدام تلك المنجات عليها، كما تترك علامات تمدد وتشوهات بسبب نقصالكولاجين، والأخطر سرطان الجلد.
دراسة حديثة لِدلـوفا على 700 امرأة كشفت أن 30% منهن يستخدمن كريمات تفتيح، و90% لم يكنّ على دراية بمخاطرها.
لماذا تستمر النساء في هذا السلوك رغم المخاطر؟
تقول دلـوفا: “المسألة نفسية واجتماعية وسياسية وتاريخية. جذورها في الاستعمار. البشرة الفاتحة ارتبطت دائمًا بالتفوق”.
الدراسات الحديثة تؤكد أن النساء ذوات البشرة الأفتح يحصلن غالبًا على أحكام قضائية أخف، فرص عمل أفضل، واحتمالات أكبر في الزواج مقارنةً بنظيراتهن ذواتي البشرة السمراء، هذه الحقائق تغذي ضغوطًا هائلة على النساء لتغيير لون بشرتهن.
ظاهرة عالمية
رغم أن الصور الأشد قسوة تأتي من إفريقيا، إلا أن هذه الممارسات ليست حكرًا عليها، تقول دلـوفا: “ليست قضية إفريقية فقط.. إنها عالمية.. الجميع يحاولون أن يكونوا بيضًا، بسبب الاستعمار”.
حتى حينما حاولت الحكومات منع هذه المنتجات، أعادت وسائل التواصل الاجتماعي بعثها بقوة. عبر إنستجرام وتيك توك وفيسبوك، حيث يروّج مؤثرون لمستحضرات تفتيح البشرة باعتبارها سرًا للتحول الشخصي، متجاهلين التحذيرات الطبية.
كيف نواجه الأزمة؟
ترى دلوفا أن التشريعات وحدها غير كافية، وشددت على ضرورة إطلاق حملات توعية شاملة، شبيهة بتلك التي غيرت السلوك العالمي تجاه التدخين أو الإيدز، مضيفة: “يجب أن تكون مستمرة ومكثفة، حتى يعتاد الناس سماع الرسائل ويعرفوا الحقيقة”.
تضيف دلوفا: “لهذا انضمت إلى فريق عمل عالمي أسسته “الرابطة الدولية لجمعيات الأمراض الجلدية”، يضم أطباء وباحثين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة، إضافةً إلى مؤرخين وعلماء اجتماع ونفسيين، إذ يهدفالمشروع إلى بناء استراتيجية متعددة الجوانب لمواجهة التمييز اللوني ومنع تدمير الأجيال المقبلة.
تختم دلوفا حديثها بنبرة حزينة: “الأمر يمس قلبي بشدة.. بعض المريضات يدخلن في اكتئاب حاد أو ميول انتحارية بعد أن يكتشفن أن الأضرار دائمة.. من المؤلم أن أرى ذلك.. لكنه يزيدني إصرارًا على الاستمرار”.





