التواجد المصري في القرن الأفريقي وإعادة تشكيل موازين القوى

ديسمبر 21, 2025

بقلم – مريم أحمد عبد المطلب

باحث سياسي

يُعد القرن الأفريقي منطقة استراتيجية للتجارة العالمية وخصوصًا لنقل النفط، وتُمثل مصالح مصر فيه أولوية نظرًا لتأثيره المباشر على الأمن المائي عبر أزمة سد النهضة، والاستقرار في السودان، ومواجهة الإرهاب، إضافة إلى التنافس الإقليمي على إقامة قواعد بحرية. بالتالي، تتسم أجندة مصر في المنطقة بتعدد الأبعاد بين السياسي والأمني والاقتصادي.

وقد شهدت العلاقات المصرية–الإثيوبية خلال العقد الأخير تصاعدًا ملحوظًا في مستوى التوتر، على خلفية مشروع سدّ النهضة، الذي شكّل في بدايته أزمة فنية–قانونية تتعلق بحصص المياه وقواعد الملء والتشغيل. غير أن تطورات السنوات الأخيرة، لا سيما منذ عام 2024، تشير إلى انتقال هذا الخلاف من نطاقه الفني الضيق إلى إطار صراع جيوسياسي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي، والتحالفات الإقليمية، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. كما أن هناك تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، من خلال السياسات الإثيوبية الرامية إلى فرض الأمر الواقع، مقابل الاستراتيجية المصرية القائمة على بناء شبكة ضغط إقليمي متعددة الأبعاد، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، تتمثل في توسّع الدور المصري في جيبوتي وإريتريا والصومال، وأن هذا التحول يعيد تشكيل ديناميات التفاوض بشأن سدّ النهضة وله انعكاسات مباشرة على الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا.

الدور الأمريكي وملف سدّ النهضة

لا يمكن فهم تطورات الأزمة بين مصر وإثيوبيا بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، وبخاصة الدور الأمريكي في إدارة توازنات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. فالولايات المتحدة، تاريخيًا، نظرت إلى حوض النيل والبحر الأحمر باعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن القومي المرتبطة بأمن إسرائيل، وضمان حرية الملاحة، ومنع بروز قوى إقليمية مستقلة قادرة على تعطيل هذه المنظومة. في هذا الإطار، مثّل سدّ النهضة أداة ضغط استراتيجية محتملة على مصر، بما يتيح للولايات المتحدة هامش مناورة سياسي في ملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وقد برز هذا الربط بشكل غير مباشر خلال فترات التصعيد في غزة، حيث تزايدت محاولات توظيف الأزمات الإنسانية والأمنية للضغط على القاهرة. وعليه، فإن التصعيد المصري غير العسكري ضد إثيوبيا لا يستهدف فقط تعديل سلوك أديس أبابا، بل يحمل في طياته رسالة غير مباشرة إلى واشنطن مفادها أن أمن مصر المائي والإقليمي غير قابل للمساومة أو التوظيف في ملفات أخرى، بما فيها ترتيبات الأمن الإقليمي المرتبطة بإسرائيل وغزة[1].

سدّ النهضة الإثيوبي عاملاً للتصعيد

بلغ التصعيد ذروته عقب الافتتاح الرسمي لسدّ النهضة في سبتمبر 2025، حيث أقدمت إثيوبيا، خلال موسم الفيضان، على فتح بوابات السد وضخ كميات كبيرة من المياه دون تنسيق مسبق. وأسفرت هذه الخطوة عن فيضانات واسعة في السودان، وارتفاع غير مسبوق في منسوب المياه ببعض المناطق المصرية، ما دفع مصر إلى تصريف كميات إضافية من المياه عبر مفيض توشكى. واعتبرت مصر هذه الإجراءات الأحادية دليلًا على سوء إدارة السد، وانتهاكًا لمبدأ عدم إحداث ضرر جسيم، وصعّدت تحركاتها الدبلوماسية في المحافل الدولية، من خلال طرح القضية مجددًا أمام مجلس الأمن، مؤكدة أن الأزمة لم تعد فنية، بل باتت تمس الأمن القومي لدول المصب[2].

 وفي هذا السياق، اتجهت مصر إلى تفعيل مسارات متعددة في ردّ فعلها، شملت تكثيف التحركات الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي. كما عملت على توسيع نطاق التنسيق مع السودان والدول العربية والأفريقية المتأثرة بقضايا الأمن المائي، بهدف بلورة موقف جماعي يرفض الإجراءات الأحادية الإثيوبية. وعلى الصعيد الداخلي، عززت مصر استعداداتها الفنية والمؤسسية لإدارة المخاطر المائية المحتملة، كما اتجهت إلى استراتيجية تهدف إلى خلق توازن ردع غير مباشر في مواجهة السياسة الإثيوبية[3].

جاءت جهود مصر في إطار هذه الاستراتيجية من خلال تعزيز تواجدها ودورها الفاعل من خلال نعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم مع جيبوتي والصومال وإريتريا والسودان[4].  وتأمين وإدارة موانئ خاصة في إريتريا وجيبوتي بما لا يسمح بأي فرصة لوجود إثيوبي بها.

جيبوتي:

العلاقة الإثيوبية الجيبوتية هي علاقة تاريخية قوية ومترابطة على أسس التعاون المتبادل في مجالات متنوعة، بما في ذلك الاقتصاد والبنية التحتية والسياسة والأمن. يرتكز هذا التعاون على التبادل التجاري (خاصة عبر ميناء جيبوتي الذي يعتمد عليه اقتصاد إثيوبيا غير الساحلية بشكل كبير) ومشروعات البنية التحتية المشتركة مثل خط السكة الحديد وطرق النقل، إضافة إلى التعاون في مجال المياه والطاقة. لذلك وسعت مصر عبر بناء شراكات استراتيجية مع جيبوتي، (لطالما كان ضمان وصول إثيوبيا إلى البحر أولوية وطنية رئيسية). حيث تُعد جيبوتي أحد المفاتيح الجيو-اقتصادية الأساسية في معادلة التوترات المصرية–الإثيوبية، نظرًا لاعتماد إثيوبيا شبه الكامل على موانئ جيبوتي، وبخاصة ميناء دوراليه، الذي يُمثل الشريان التجاري الرئيسي حيث تمر عبره النسبة الأكبر من وارداتها وصادراتها.

وفي عام 2025مثَّل قرار مصر المشاركة في إدارة وتشغيل ميناء دوراليه تحولًا مهمًا في استراتيجيتها تجاه البحر الأحمر، فالوجود المصري يقتصر على تخصيص مساحة تُقدّر بنحو 150 ألف متر مربع داخل المنطقة الحرة بالميناء، تُستخدم كمركز لوجستي للشركات المصرية، بما يعزز قدرة القاهرة على النفاذ إلى أسواق القرن الأفريقي، ويمنحها موطئ قدم مؤثرًا في أحد أهم الموانئ المرتبطة بالتجارة الإثيوبية. يوفر للقاهرة أداة جديدة لتعزيز نفوذها في ظل تصاعد التوترات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة. فمن خلال تعزيز حضورها في أحد أكثر الممرات البحرية الاستراتيجية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، تسعى مصر إلى إعادة تأكيد نفوذها الإقليمي وتأمين طرق تجارتها وإمدادات الطاقة وحركتها البحرية. كما يُسهم هذا التطور في إعادة تشكيل الحسابات الجيوسياسية المحيطة بقضية مياه النيل، في وقت تواصل فيه إثيوبيا اتخاذ إجراءات أحادية بشأن السد وتوسيع شراكاتها في القرن الأفريقي. ويضيف هذا التطور طبقة جديدة من الضغط الاستراتيجي على أديس أبابا.

الصومال:

اتبعت إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة سياسة لكسر قيدها الجغرافي كدولة حبيسة والحصول على منفذ بحري خاص بها. ويُعد الاتفاق الذي أُعلن في يناير 2024 بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي (صومالي لاند) نموذجًا واضحًا لهذه السياسة، حيث تعهدت أديس أبابا بالاعتراف بالإقليم مقابل الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر بسعة ٥٠ كم. لكن هذه الخطوة أغضبت الصومال التي ترفض الاعتراف بمطالبة أرض الصومال بالاستقلال.[5] . كما أن هذه الخطوة مثلت تهديد لمصر وللأمن في البحر الأحمر، نظرًا لما يترتب على ذلك من تعزيز القدرة على التأثير في مضيق باب المندب وبوابة البحر الأحمر، بوصفهما من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية للتجارة الدولية وحركة الطاقة.

وردًا على ذلك، أعربت مصر عن دعمها العلني للصومال وبدأت التحركات المصرية بالأساس في عام 2024، عندما أرسلت معدات عسكرية ومعدات تدريب للصومال. ومع عام 2025 تدخلت تحت راية قوات الاتحاد الأفريقي، عبر المشاركة المكثفة في بعثة الاتحاد الأفريقي (AUSSOM)[6]، لدعم الاستقرار ومحاربة الإرهاب ونشرت أكتر من 1100 جندي مصري على الأراضي الصومالية، مباشرةً بجوار إقليم “أوجادين” في جنوب إثيوبيا، وهو إقليم يعاني من هشاشة أمنية وتوترات قبلية، وهو إقليم ذو عرقية صومالية في الأساس، واستولت عليه إثيوبيا منذ سنوات بعد حرب دامية بين البلدين، ووضع قوات مصرية جواره، وعلى الأراضي الصومالية-دولة تاريخيًا معادية لإثيوبيا- هي خطوة أثارت قلق إثيوبيا من اقتراب الوجود المصري من حدودها الشرقية [7].[8]لذلك سعت مصر، من خلال تحالفها مع الصومال، إلى زيادة الضغط على إثيوبيا.[9] .

إريتريا:

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيس إريتريا “أسياس أفورقي”، في أكتوبر الماضي2025، وخلال اللقاء أكد السيسي التزام مصر الثابت بدعم سيادة إريتريا وسلامة أراضيها[10]،وتعزيز مصر علاقاتها مع إريتريا، عن طريق تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، بما يخدم تأمين الملاحة في البحر الأحمر ودعم استقرار منطقة القرن الأفريقي. ويأتي هذا التقارب في سياق تاريخي تتسم فيه العلاقات الإريترية–الإثيوبية بالتوتر والصراع، وهو توتر لا ينفصل عن تعقيدات المشهد الداخلي الإثيوبي وما يشهده من صراعات أهلية ممتدة. وفي هذا السياق، يكتسب التحالف المصري–الإريتري بأبعاده الاقتصادية والعسكرية دلالة جيوسياسية خاصة، إذ يُشكّل أحد أضلاع الاستراتيجية المصرية الهادفة إلى بناء نطاق ضغط إقليمي متكامل حول إثيوبيا، بما يعزز القدرة المصرية على التأثير في معادلات الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.[11]، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي.

وقد أدت هذه التحركات المتزامنة إلى خلق ما يمكن وصفه التطويق الجيوسياسي حول إثيوبيا، يمتد من الشرق (الصومال)، إلى الشمال (إريتريا)، مرورًا بالشمال الشرقي (جيبوتي)[12][13]، وصولًا إلى الغرب (السودان)، حيث إن الرئيس السيسي استقبل في ديسمبر 2025 الفريق أول عبدالفتاح البرهان ،رئيس مجلس السيادة السوداني، لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان وعلى هامش اللقاء أصدرت الرئاسة المصرية بياناً لوحت فيه باتفاقية الدفاع المشترك وأن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن التهاون بشأنها (عدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان)باعتبار أن ذلك يمس مباشرة الأمن القومي المصري.

ويُفسر هذا الواقع الجديد التصعيد في الخطاب الإثيوبي، واتهام القاهرة، في ديسمبر 2025، بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي واستخدام دول الجوار كأدوات ضغط. ويعكس هذا الخطاب إدراكًا إثيوبيًا متزايدًا لتقلص هامش المناورة الاستراتيجية، في ظل تداخل الأزمات الداخلية الإثيوبية مع الضغوط الإقليمية المتصاعدة. وتسعى مصر، من خلال استراتيجية التطويق الجيوسياسي والردع غير العسكري، إلى دفع إثيوبيا للقبول بتسوية دبلوماسية عادلة وملزمة، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

وفي الختام، نتهج مصر استراتيجية تطويق متعددة الأبعاد تقوم على الضغط العسكري غير المباشر، وتوظيف النفوذ الاقتصادي، وبناء شبكة تحالفات إقليمية. ويسهم الحضور المصري في الصومال وإريتريا وجيبوتي في توفير أدوات ضغط جيو-اقتصادية فعّالة مع الالتزام بإطار الشرعية الدولية، بما يعزز قدرة القاهرة على التأثير في التفاعلات الإقليمية وربط الصراع بقضايا أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية. وفي المقابل، أثارت هذه الاستراتيجية مخاوف متزايدة لدى إثيوبيا في ظل شعورها بتطويق استراتيجي عبر الدول المجاورة، ومساعٍ مصرية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية من خلال اتفاقيات تعاون ودفاع مشترك. ونتيجة لذلك، تطور الخلاف بين البلدين من أزمة فنية مرتبطة بسدّ النهضة وحصص المياه إلى صراع استراتيجي شامل يحمل أبعادًا وجودية، مع احتمالات إحداث تحولات مؤثرة في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة خلال الأجل القريب. 


[1]

[2] https://english.ahram.org.eg/News/557329.aspx

[3] https://www.egypttoday.com/Article/1/142518/Egypt-vows-to-take-all-necessary-legal-measures-to-protect?utm_source=chatgpt.com

[4] https://sis.gov.eg/ar/

[5] https://martinplaut.com/2024/09/27/somalia-ethiopia-tensions-at-a-level-not-seen-since-the-ogaden-war-of-1977/

[6] https://www.thereporterethiopia.com/47530/

[7] https://shabellemedia.com/egypt-finalizes-troop-deployment-plan-to-somalia/#google_vignette

[8] https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/egypt-somalia-ethiopia-gerd/

[9] https://www.geopoliticalmonitor.com/egypt-opens-new-front-against-ethiopia-with-somalia-deal/

[10] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2025

[11] https://www.trtafrika.com/english/article/2103fc70b012

[12] https://www.mts.gov.eg/en/  

[13] https://capitalethiopia.com/2025/11/09/egypt-to-build-new-port-logistics-facilities-in-djibouti/