كتب – عميد أركان حرب دكتور / تامر محمد سامي
المتخصص في قضايا الأمن القومي وسياسات الدفاع الاستراتيجي
سعت إسرائيل إلى مدّ نفوذها الأمني في القارة الأفريقية بما يتوافق مع استراتيجيتها في توسعة دائرة الحماية إلى خارج حدود دائرة صراعها الجغرافية؛ حيث يمكن فهم اهتمام إسرائيل بأفريقيا في سياق الدبلوماسية الإسرائيلية النشطة والمعنية بتقويض دعائم دول جوارها الإقليمي في الوطن العربي، وذلك فيما يعرف باسم “استراتيجية شد الأطراف”. هذا وقد استثمرت إسرائيل توقيع اتفاقية السلام مع مصر في فتح الأبواب المؤصدة أمامها في العديد من الدول الأفريقية التي طالما دعمت الدول العربية خلال مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، وفي هذا السياق، تُعنى هذه الدراسة بتحليل البعد الأمني والعسكري في العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، وذلك من خلال ثلاثة محاور، على النحو الآتي:
- تاريخ العلاقات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية الأفريقية.
- العوامل المُحفزة والمانعة للتقارب الإسرائيلي الأفريقي.
- مرتكزات البعد الأمني والعسكري بين إسرائيل والدول الأفريقية.
- رؤية تحليلية وخاتمة.
أولًا: تاريخ العلاقات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية الأفريقية:
كان اتفاق التعاون العسكري بين إسرائيل وزائير عام 1981 – الكونغو الديمقراطية حاليًا – هو أول الاتفاقات الأمنية والعسكرية التي وقعتها إسرائيل مع دولة أفريقية، وقد مهَّد هذا الاتفاق إلى تطوير تعاونهما عسكريًا وأمنيًا فيما بعد. وبعد ذلك توالت الاتفاقيات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل وأفريقيا؛ حيث وقعت اتفاقية تعاون أمني وعسكري مع كل من (ساحل العاج في فبراير 1982، والكاميرون في أغسطس 1982، وتوجو في يونيو 1987، وليبيريا في أغسطس 1983)، وذلك قبل أن توقع اتفاقيات عسكرية أخرى في تسعينيات القرن العشرين، مع نحو أربعين بلدًا من أفريقيا.
هذا إلى جانب الدور الإسرائيلي البارز في الحرب الأهلية بين قبيلتي التوتسي والهوتو، حيث زودت الجيش البورندي والرواندي بالسلاح. وذلك إضافة إلى دعمها للحركة الانفصالية في جنوب السودان الذي انفصل لاحقًا عن السودان – فقد ذكر تقرير بعثة مجلس الأمن الدولي إلى جنوب السودان في أغسطس 2015، بأن البعثة قد وجدت أسلحة إسرائيلية الصنع. كذلك ساندت إسرائيل إثيوبيا في صراعها مع الصومال فيما يُعرف باسم “حرب أوجادين” عام 1977، وكذلك دعم كل من إثيوبيا وإريتريا في الحرب الإثيوبية الإريترية 1998، حيث دعمت إسرائيل إثيوبيا في بداية الحرب لمنع استقلال إريتريا – كانت إسرائيل مدفوعة بفكرة أن استقلال إريتريا يحول البحر الأحمر إلى مياه عربية بالكامل – ثم عادت إسرائيل لدعم الجبهة الوطنية لتحرير إريتريا ضد إثيوبيا وذلك بعد إقامة علاقات قوية مع إريتريا كان أبرز علاماتها علاج الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي في تل أبيب.[1]
ثانيًا: العوامل المُحفزة والمانعة للتقارب الإسرائيلي الأفريقي:
يوجد في المنطقة العربية والساحة الدولية مجموعة من العوامل التي قد تشكل قوة دافعة لتحقيق التقارب الأفريقي الإسرائيلي، ومنها[2]:
- استمرار حالة السيولة في المنطقة وحالة الاحتراب بين ثورات الشعوب العربية
والثورات المضادة، في اليمن وليبيا وسوريا. - غياب وحدة الموقف العربي حول العديد من القضايا العربية.
- غياب غالبية الدول العربية عن قضايا القارة الأفريقية.
- غياب الاستراتيجية العربية الموحدة تجاه القارة الأفريقية.
- التقارب العربي الإسرائيلي، سواء من خلال اتفاقيات التسوية السلمية الموقعة أو من خلال التفاهمات غير المعلنة، والتي تستغلها إسرائيل في تطوير علاقاتها مع الدول المساندة للقضية الفلسطينية.
- تقارب المصالح الأفريقية الإسرائيلية في العديد من القضايا، وخصوصًا الأمنية منها والعسكرية، وحتى التنموية التي تستطيع إسرائيل الإسهام فيها بشكل أو بآخر.
- النفوذ الغربي، وخصوصًا الأمريكي في القارة الأفريقية، التي تدفع أحيانًا باستخدام طرف ثالث هو إسرائيل في تثبيت أو إزاحة بعض الأنظمة بشكل غير مباشر.
- اللوبي اليهودي الصهيوني النشط، والمكون من رجال الأعمال الإسرائيليين، ومن أبناء البلدان الأفريقية من اليهود.
في المقابل، هناك عدد من العوامل التي قد تشكل قوة مانعة من حدوث هذا التقارب بين الدول الأفريقية وإسرائيل، ومنها:
- الإرث النضالي التاريخي لدول وشعوب القارة الأفريقية في وجه الاستعمار الغربي.
- صورة الكيان الإسرائيلي، الذي طالما ساند وتعاون مع نظام الفصل العنصري
في جنوب أفريقيا. - الممارسات الإسرائيلية كدولة فصل عنصري واضطهاد للآخرين، بما في ذلك العنصرية
تجاه اليهود من أصول أفريقية، وتجاه اللاجئين الأفارقة. - التواجد التركي والإيراني النشط في السنوات الأخيرة في القارة الأفريقية كمنافس للنشاط الإسرائيلي.
- وجود العديد من الدول الأفريقية سواء العربية أم غير العربية، التي ما تزال تساند القضية الفلسطينية والتوجهات العربية ولها وزنها في القارة، مثل جنوب أفريقيا وغيرها.
- تقاطع مصالح عدد من الدول الأفريقية مع دول عربية.
ثالثًا: مرتكزات البعد الأمني والعسكري بين إسرائيل والدول الأفريقية:
تعتمد إسرائيل في تقاربها مع الدول الأفريقية في المجالين الأمني والعسكري على سَرديات تقوم على عدة محاور كالتالي:
- التأكيد على التشابه بين التجارب التاريخية للأفارقة مع الاسترقاق والاستعمار، ومعاناة اليهود الذين عانوا التمييز في أوروبا.
- الخطر المشترك الذي يواجهه كلا الطرفين، وهو الإرهاب والتطرف.
- العديد من الدول الأفريقية التي تلقت تدريبات عسكرية إسرائيلية تشارك بفعالية في مهام حفظ السلام، بما في ذلك على الحدود الإسرائيلية مع سوريا ولبنان، ويعد وجود قوات تحت قيادة جنود تدربوا على أيدي إسرائيليين مفيدًا للأمن الإسرائيلي.
- دعم إسرائيل في المحافل الدولية، مثل مشاركة ممثلين من 11 دولة أفريقية في حفل افتتاح السفارة الأمريكية لدى إسرائيل في القدس. ويعد تأييد قادة دول الكاميرون وكينيا وغانا وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية لإسرائيل وإدانتهم للمقاومة الفلسطينية دليل على ازدياد النفوذ الإسرائيلي، كما يعتبر ثمرة للجهود التي بذلها المدربون الإسرائيليون في هذه الدول.
ومن ناحية أخرى، شمل التعاون الأمني والعسكري الإسرائيلي مع أفريقيا عدة محاور، وذلك كالتالي:
1.المدربون العسكريون:
يحتل المدربون الخاصون موقعًا مركزيًا في مخطط التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، وتهدف منه تل أبيب إلى تحقيق مكاسب دبلوماسية لدى السلطات وفي دوائر الحكم دون ضجة، وهو ما يعطي وجودها مغزاه الحقيقي. وذلك من خلال تقديم الاستشارات العسكرية من المتقاعدين من الجيش الإسرائيلي، والمشاركة في تدريب وحدات النخبة في الجيوش الأفريقية. وتشير التقارير أنه ببداية عام 2025، تقوم قوات الكوماندوز الإسرائيلية بتدريب قوات محلية في أكثر من 12 دولة أفريقية، من بينها إثيوبيا ورواندا وكينيا وتنزانيا ومالاوي وزامبيا وجنوب أفريقيا وأنغولا ونيجيريا والكاميرون وتوغو وساحل العاج وغانا وأوغندا وإريتريا وجنوب السودان وغيرها.
ففي الكاميرون على سبيل المثال، يتولى خبراء إسرائيليون تدريب كتيبة التدخل السريع (BIR) التابعة للرئيس الكاميروني، وتتميز الوحدة بمكانتها الخاصة في الكاميرون، حيث تخضع مباشرة للرئيس وليس لوزارة الدفاع، مما يجعلها مستقلة عن الجيش الكاميروني. كما يأتي تمويل الوحدة من نسبة معينة من أرباح شركة النفط الوطنية وصفقات التنقيب عن الغاز.
ويتم تجنيد دفعات جديدة للوحدة كل بضع سنوات، حيث يتولى المدربون الإسرائيليون تدريبهم وتزويدهم بأسلحة إسرائيلية. وكشف مجندون سابقون في وحدة التدخل السريع عن تفاصيل تدريبهم على يد مدربين إسرائيليين، حيث تضمَّن التدريب القتال الحضري وتعلم الكراف ماغا، وهو فن قتالي طورته قوات الدفاع الإسرائيلية، وهو التدريب القتالي ذاته الذي يتلقاه الجنود في تنزانيا على يد مدربين إسرائيليين إلى جانب التدريب على إنقاذ الرهائن والقتال في المدن. أما في كينيا، فقد تلقى حوالي 2,000 عنصر من وحدة Recce Squad التابعة لوحدة الخدمة العامة الكينية تدريبًا من خبراء إسرائيليين، مما ساهم في تعزيز قدراتهم في مكافحة الإرهاب. كما تقوم شركة “سبارتا سيكيوريتي سوليوشنز” الإسرائيلية بتدريب وحدات خاصة من الجيش الغيني في قواعد عسكرية داخل البلاد، بحضور مدربين إسرائيليين يرتدون زيًا يحمل شعار الشركة والعلم الإسرائيلي.[3]
2. الشركات الأمنية:
تختلف شركات الأمن الإسرائيلية عن سواها في آليات العمل، فبينما تتشارك الشركات الأمنية الخاصة والكيانات العسكرية الروسية مثلا مهمة حماية الأصول من أي تهديدات عنيفة في البلدان التي تتنشط فيها، فإن المؤسسات الأمنية الإسرائيلية الخاصة تسلك مسارًا مختلفًا عن نظيراتها الروسية والغربية بأهدافها المنصبة حاليًّا نحو سد الفجوات الأمنية من خلال تأهيل قوات النخبة المكلفة بحماية القيادات، أو تأمين استثمارات رجال أعمال إسرائيليين.
ففي الوقت الذي تسهم فيه الكيانات الأمنية الأخرى بشكل فعال في صقل مهارات القتال للدول التي تراها حيوية لتحقيق مصالحها الإستراتيجية وتشارك في العمليات القتالية البرية، تقتصر مهمة الكيانات الإسرائيلية على إعداد قوات النخبة دون الانخراط المباشر في الحروب. ورغم تعدد الوقائع، إلا أنه لا يوجد حصر دقيق لعدد الشركات الأمنية الإسرائيلية الخاصة العاملة في أفريقيا، إلا أن تلك الشركات لطالما شكلت جسورًا مع الأوساط الحاكمة في أفريقيا. فقد شهدت القارة تأثيرًا بالغًا بأشطة عدد من هذه الشركات، والتي كانت في الغالب نقطة محورية في تعزيز العلاقات مع الدوائر الأمنية الأفريقية، ومع رؤساء تلك الدول.
من بين هذه الشركات “ماغال سكيوريتي سيستمز” (Magal Security Systems) المتخصصة في أنظمة المراقبة والأمن، وكذلك شركات “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems)، و(بلاك كيوب) و(مير)، وشركة “غيفاتيم ” (Givatiim)، ومجموعة (G4S Israel) والتي تُعد واحدة من أكبر الشركات الأمنية في العالم، ولها فروع في أكثر من دولة، حيث تقوم الأخيرة بخدمات مثل: حراسة المنشآت وإدارة السجون وتدريب القوات الأمنية، وهي إحدى الشركات المعروفة بسجلها الحقوقي المزدحم بالحوادث المنافية للقانون.
في سياق متصل، تتولى مجموعة الاحتياطي الدولية (IRG)، وهي شركة إسرائيلية أيضًا تأمين مركز التسوق ويست في نيروبي، كما أنها تقدم مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات الأمنية، ولديهم قائمة عملاء محليين تشمل قصر الدولة والسفارات الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية وسوق قرية “ويايا” وبعض الفنادق في كينيا.
كما تقدم خدمات ومشاريع دفاعية للدول الأفريقية، من بينها إنشاء وحدات مكافحة الإرهاب، كاملة بالمعدات والذخيرة والتدريب، وإنشاء وحدات رئاسية وتدريب، وإنشاء وحدات مشاة خاصة كاملة.
وتستغل تل أبيب تلك الشركات ورجال الأعمال والمستشارين الذين لهم علاقات بمسؤولي القارة، لاختراق المنظومات الأمنية الأفريقية، حيث يعمل هؤلاء المستشارين لخدمة مصالح بلادهم بشكل غير مباشر، بعض هذه الشركات عمل لسنوات في السودان وغانا، حتى إن الشركات الأمنية الإسرائيلية الخاصة أصبحت مهيمنة تمامًا على سوق التنصت والمراقبة الإلكترونية في أفريقيا جنوب الصحراء، ومن بين الشركات شركتا “فيرينت و”إن إس أو جروب”، التي أسسها شاليف هوليو، ومن أهم منتجاتها برنامج التجسس بيغاسوس.
وكذلك مجموعة مير، التي تعمل في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتقدم خدمات لوكالة الاستخبارات الوطنية، كما أنها تقوم بالدور نفسه في كلا من “غينيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو”، بينما ترتكز شركة “إلبيت سيستمز”، في أنجولا وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا”.تنطلق هذه الشركات في تسويق منتجاتها كونها وثيقة الصلة بالجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات، حيث خدم العديد من موظفيها في السابق في وحدة 8200 التابعة لقوات الدفاع الإسرائيلية والمتخصصة في الحرب السيبرانية. كما هو الحال مع شبتاي شافيت، الذي يدير شركة “أثينا جي إس 3” التابعة لمجموعة مير، وكان مديرًا للموساد في الفترة من عام 1989 حتى 1996.[4]
3. التعاون الاستخباراتي:
لم يتوقف التمدد الإسرائيلي في أفريقيا على العلاقات السياسية والعسكرية فقط، بل إن إسرائيل تمددت استخباراتيًا في أفريقيا عبر كل من “مجموعة مير” و”بلاك كيوب”، وهما من المؤسسات الإسرائيلية البارزة في مجال الاستخبارات الخاصة وأعمال التجسس.
وتأسست مجموعة “مير” (Mer Group) عام 1982 على يد حاييم مير حيث تُقدم خدمات أمنية واستخبارية متقدمة، وتُعتبر من أبرز الجهات الفاعلة في مجال الأمن والتكنولوجيا العسكرية. تتخذ الشركة من القدس مقرًا لها، وتبرز أنشطة مير في الكونغو الديمقراطية والكاميرون على وجه الخصوص.
تعمل مجموعة “مير” جنبًا إلى جنب مع شركات أمنية إسرائيلية أخرى مثل “بلاك كيوب”، والتي تورطت في عمليات تجسس على معارضين سياسيين في أفريقيا، خاصة في الكونغو الديمقراطية.
وتأسست شركة “بلاك كيوب” (Black Cube) عام 2010 على يد ضباط سابقين في وحدات النخبة الاستخبارية الإسرائيلية، دان زورلا (Dan Zorella)
وأفي يانوس (Avi Yanus)، وتتخذ الشركة من تل أبيب ولندن ومدريد مقرات لها، وتضم في صفوفها موظفين سابقين في جهاز الموساد ووحدات استخباراتية أخرى.
تقدم “بلاك كيوب” خدمات استخباراتية وتحقيقات خاصة، وتُعرف بأنها “الموساد الخاص”؛ حيث تستخدم تقنيات استخباراتية في قضايا قانونية وتجارية لصالح عملاء من الأفراد الأثرياء والشركات الكبرى. هذا ومن أشهر العمليات الاستخباراتية لبلاك كيوب في أفريقيا “عملية كولتان” في الكونغو الديمقراطية، وعملية “كامبريدج أناليتيكا” في نيجيريا، والتي نفذتهما الشركة لصالح الدولتين، كما قدمت إسرائيل من خلال بلاك كيوب دعمًا استخباراتيًا وتقنيًا لنيجيريا في حربها ضد جماعة بوكو حرام.
إلى جانب تقديم الاستخبارات الإسرائيلية دعمًا للجيش الأنغولي في تعقب قوات UNITA، بما في ذلك استخدام طائرات بدون طيار لتحديد مواقع زعيم UNITA، جوناس سافيمبي مما أسهم في إنهاء الحرب الأهلية. كما تعاونت أوغندا مع إسرائيل في مجالات جمع المعلومات الاستخباراتية والأمن السيبراني، بهدف مواجهة التهديدات المتزايدة مثل الإرهاب والجرائم الإلكترونية. شمل هذا التعاون تبادل الخبرات والتقنيات لتعزيز قدرات أوغندا في هذه المجالات الحيوية، ومن جانب آخر، ينشط التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل وكينيا حيث تقدم إسرائيل لكينيا معلومات استخباراتية مهمة لمواجهة حركة الشباب.
كما وقعت إثيوبيا وإسرائيل في نوفمبر 2020 اتفاقًا للتعاون في مجال الاستخبارات والأمن، يشمل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات. هذا إلى جانب التعاون بين شركة “كايميرا تكنولوجيز” الإسرائيلية والإدارة الرئاسية في غينيا؛ حيث تقدم الشركة حلولًا للاتصالات الآمنة والتشفير، بما في ذلك نظام تشغيل خاص لحماية الهواتف المحمولة من الاختراق والتجسس.
وفي عام 2023، تم الكشف عن تورط شركة إسرائيلية تُدعى “تيم خورخي”، أسسها ضباط سابقون في الموساد والشاباك، في تقديم خدمات تأثير سياسي لصالح حملة إعادة انتخاب الرئيس السنغالي ماكي سال عام 2019، مقابل 6 ملايين يورو. وشملت هذه الخدمات حملات تضليل إعلامي واختراقات إلكترونية، مما يسلط الضوء على وجود تعاون استخباري غير رسمي بين الجانبين.[5]
4. التدريبات العسكرية والأمنية المشتركة:
تبرز في هذا المضمار عدة دول أفريقية، تأتي على رأسها المملكة المغربية؛ حيث تم توقيع مذكرة تعاون عسكري في 2022 تضمنت إنشاء لجان عسكرية مشتركة، إجراء تدريبات متبادلة، والمشاركة في التمارين الدولية ، وذلك في أول زيارة عسكرية رسمية إسرائيلية إلى المغرب، كما شاركت إسرائيل في مناورات “الأسد الأفريقي 2022” التي نظمتها المغرب والولايات المتحدة في يونيو 2022، والتي تم تنفيذها مرة أخرى عام 2025 مما يعكس تعميق التعاون العسكري بين البلدين. في حين شهدت السنوات الأخيرة تدريبات عسكرية مشتركة تعقد بشكل دوري بين القوات الأوغندية والإسرائيلية، خاصة في مجال القوات المحمولة جوًا (المظليين). تُجرى تدريبات في منطقة “نيبي” غرب النيل، بهدف تعزيز قدرات الجنود على استخدام المظلات الحديثة وتحسين الجاهزية العملياتية.[6]
ومن جانب آخر، تنظم وزارات الدفاع في إسرائيل ورواندا دوريًا ندوة مشتركة في كيغالي حول حماية الحدود. يشارك فيها مسؤولون من قوات الدفاع الرواندية والشرطة الوطنية، لمناقشة استراتيجيات الأمن البري والجوي والبحري، إضافة إلى أمن المطارات.
5. مبيعات السلاح الإسرائيلي:
سعت إسرائيل إلى تطوير نشاطها العسكري في أفريقيا، فطوّرت من حجم مبيعاتها من السلاح مع الدول الأفريقية. فمنذ عام 2022، بلغت صادرات الأسلحة الإسرائيلية حول العالم 12.5 مليار دولار، ثم ارتفعت إلى 13 مليار دولار في 2023، و15 مليار دولار في 2024 محققة رقمًا قياسيًا للعام الثالث على التوالي، وكانت حصة أفريقيا من هذه الصادرات. 3% من إجمالي مبيعات السلاح الإسرائيلي في 2024.
وتُعد نيجيريا الشريك الأكبر لإسرائيل في القارة الأفريقية، فيما يخص صفقات الأسلحة الإسرائيلية، حيث تشتري نيجيريا من إسرائيل أنظمة مراقبة ساحلية متكاملة، وطائرات بدون طيار (UAVs) من نوع Aerostar، ومركبات سطحية غير مأهولة (USVs) من نوع Seastar، إضافة إلى الرادارات ساحلية ومراكز قيادة وتحكم.
وزوارق دورية من طراز Shaldag.[7]
كما تأتي المغرب أيضًا ضمن أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي في أفريقيا؛ حيث تستخدم منظومة الدفاع الجوي “باراك إم إكس”، إلى جانب شراء قمرين صناعيين من طراز Ofek 13 بقيمة تقارب مليار دولار، ما يجعلها أكبر صفقة بين إسرائيل ودولة أفريقية. إضافة إلى ذلك، أبرمت شركة BlueBird Aero Systems اتفاقًا لإنشاء مصنع للطائرات بدون طيار في المغرب. كما تتضمن القائمة أيضًا أنجولا، التي أعلنت عن صفقة ضخمة مع شركات السلاح الإسرائيلية تتجاوز المليار، تضمنت الصفقة مدفعية وهاونات وذخائر من شركة “سولتام”، ومعدات غير مفصلة من شركتي “IAI” و”Tadiran”.
كما تستخدم أوغندا عددًا من الأنظمة العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك مدافع الهاون الثقيلة “كاردوم” و “ATMOS 2000″ كما تعتمد القوات المسلحة الأوغندية على نظام “SPEAR” عيار 120 ملم من إنتاج شركة “إلبيت سيستمز”، والذي يُركب على مركبات “Plasan SandCat” التكتيكية.هذا إلى جانب أن أوغندا أصبحت مركزًا رئيسيًا لتجارة الأسلحة الإسرائيلية، حيث تمر عبرها شحنات إلى ميليشيات في الكونغو، جنوب السودان، ورواندا. ويجري ذلك بدعم من السلطات الأوغندية، وبإشراف من وزارة الدفاع الإسرائيلية.
ومن جانب آخر، تُعد إسرائيل من أبرز مزودي إثيوبيا بالمساعدات العسكرية، حيث زودتها بأسلحة ومنظومات قتالية مثل البنادق الهجومية “تافور” و”عوزي”، إضافة إلى تصنيع العربات المدرعة الإسرائيلية “ثاندر” محليًا في إثيوبيا. هذا إلى جانب منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية “سبايدر-MR” التي تستخدمها إثيوبيا لحماية سد النهضة من أي هجمات جوية محتملة. ضافة إلى ذلك، اشترت السنغال معدات عسكرية متطورة من إسرائيل، بما في ذلك أنظمة المراقبة والطائرات بدون طيار، مثل طائرات “Hermes 900” و”Skylark”، التي تُستخدم في عمليات المراقبة ومكافحة التمرد. كما لعبت شركات أمنية إسرائيلية كبرى، مثل “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems) و”إسرائيل للصناعات الجوية” (Israel Aerospace Industries)، دورًا مهمًا في توريد معدات عسكرية وتقديم استشارات أمنية للسنغال.[8]
6. القواعد العسكرية:
تتركز القواعد العسكرية الإسرائيلية في أفريقيا في منطقة القرن الأفريقي
وفي إريتريا على وجه التحديد، وذلك كالتالي[9]:
أ – قاعدة جوية وأخرى بحرية فى جزيرة حالب .
ب – قاعدة عسكرية فى مدينة رواجيات وأخرى فى ميهالى .
ﺟ- قاعدة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في العاصمة الإريترية أسمرة .
د- مركز للاتصالات العسكرية فى جزيرة زالك والتي تبعد 32 كم فقط من السواحل اليمنية وتتخذ إسرائيل من الجزيرة مركزًا لها للرصد والمراقبة في البحر الأحمر لمراقبة السعودية واليمن والسودان وحركة ناقلات النفط، كما أنها تعد أيضًا محطة لتشغيل الغواصات الإسرائيلية المزودة بالصواريخ النووية، التي تقوم بمراقبة حركة الملاحة عند مضيق باب المندب.
ھ- شبكة ضخمة من الرادارات العسكرية بطول السواحل الإريترية .
و- قاعدة جوية وأخرى بحرية فى جزيرة كانيو، وقد قصفت إسرائيل عدة مرات قوافل السلاح في السودان عبر هذه القواعد العسكرية.
ز- قاعدة عسكرية في جزيرة دهلك.
ح- قاعدة بحرية في جزيرة موسى.
ط- قاعدة بحرية في جزيرة تمارا.
رابعًا: رؤية تحليلية وخاتمة:
يعتنق العقل الجمعي في إسرائيل فكرة أنها دولة صغيرة محاطة بالأعداء من جميع الجهات، وأنها في محيط إقليمي مضطرب ومعادٍ. ومن هذا المنطلق، تعمل إسرائيل على تمديد نفوذها خارج محيطها الإقليمي واكتساب الحلفاء والنفوذ في غير الدوائر القريبة في الشرق الأوسط.
ولما كانت أفريقيا – ولا تزال – مطمع للعديد من القوى الدولية والإقليمية، فإن إسرائيل ليست إستثناءً من ذلك، وذلك لأسباب أمنية وعسكرية إلى جانب دوافع أخرى جيوسياسية واقتصادية.
وبحكم الموقع الجغرافي، تشكل أفريقيا الفناء الخلفي للدول العربية في شمال أفريقيا، كما أنها نقطة اقتراب مهمة لدول الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية، هذا إلى جانب إشرافها على عدد من الممرات الملاحية الهامة والمؤثرة في حركة التجارة العالمية – مضيق باب المندب وقناة السويس – هذا إلى جانب ثرواتها الطبيعية الوفيرة، ومصادر المياه، هذا إضافة إلى السيولة السياسية في غالبية دول القارة، والتي تسمح لإسرائيل بالنفاذ إلى القاده ودوائر صنع القرار والتأثير فيها بسهولة.
ولما كانت الدراسة تسلط الضوء بالأساس على الأبعاد الأمنية والعسكرية، فتهدف إسرائيل من هذا التقارب إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية ومصالحها الحيوية، والتي يمكن إجمالها كالتالي:
- كسب ولاء القادة الأفارقة الذين تقوم إسرائيل بحمايتهم أو تدريب قوات محلية
مختصة بحمايتهم ضد معارضيهم. - اكتساب حلفاء جدد كظهير دولي مساند وداعم لإسرائيل عند الحاجة.
- قطع الطريق أمام منافسين آخرين يسعون لاكتساب النفوذ في أفريقيا (إيران – تركيا – …)
- العمل على انحسار الدعم الدولي للقضايا العربية أو التوجهات المناهضة لإسرائيل.
- جمع المعلومات الاستخباراتية واستخدامها في القضايا الإقليمية والدولية المختلفة.
- استخدام بعض الدول الأفريقية كنقاط انطلاق لتجمعات إقليمية أفريقية، مثل إثيوبيا وكينيا في الشرق، أوغندا في الوسط، نيجيريا والسنغال في الغرب.
- خلق حالة من الألفة مع العسكريين الأفارقة الذين يتلقون تدريباتهم على يد مدربين عسكريين إسرائيليين سواء في داخل إسرائيل أو في معسكرات تدريب داخل الدول الأفريقية.
- التواجد في مناطق تأثير استراتيجية تحقق المصالح الحيوية لإسرائيل (منابع النيل، الممرات البحرية، المعادن النادرة، النفط والغاز…).
- تحقيق مكاسب مالية واقتصادية من خلال زيادة مبيعات السلاح الإسرائيلي الصنع.
- تطبيع العلاقات مع إسرائيل وفتح قنوات دبلوماسية مع الدول الأفريقية.
[1] إحسان مرتضى، الأمن القومي العربي وإشكاليات التغلل الإسرائيلي في أفريقيا، متاح على الرابط: https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88-%D8%A5%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%BA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7
[2] عمر الخياط، الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه أفريقيا: الأدوات والنتائج، المركز الديمقراطي العربي، متاح على الرابط: https://democraticac.de/?p=83864
[3] آيات إدريس، المدربون العسكريون: نقطة ارتكاز النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا، متاح على الرابط: https://www.ajnet.me/politics/2024/3/4/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%A8%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B2
[4] عبدالغني دياب، جيوش الظل: كيف عززت شركات الأمن الإسرائيلية الديكتاتورية في أفريقيا، متاح على الرابط: https://www.geeska.com/ar/jywsh-alzl-kyf-zzt-shrkat-alamn-alasrayylyt-aldyktatwryt-fy-afryqya
[5] بديعة الصوان، أذرع الموساد في أفريقيا: اختراق ناعم وولاءات مدفوعة، متاح على الرابط: https://www.ajnet.me/politics/2025/5/28/%D8%A3%D8%B0%D8%B1%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7
[6] المناورات الكبرى “الأسد الأفريقي 2025″، متاح على الرابط: https://www.defense-arabic.com/2025/05/12/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-2025-%D8%AA%D9%86%D8%B7/
[7] رحمة حسن، تحولات العلاقات الإسرائلية الأفريقية بعد حرب غزة، متاح على الرابط: https://ecss.com.eg/53257/
[8] محمود شعبان، من توريد السلاح إلى الدعم الاستخباراتي: خريطة توغل إسرائيل في الدول الأفريقية، متاح على الرابط: https://arabicpost.live/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D8%A9/2025/04/16/%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%AE/
[9] حمد سعيد العود ، أمن الممرات المائية العربية ، جامعة دمشق ، 2018 ، ص 24 .





