الانتخابات الأفريقية الأخيرة وتأثيرها في سياسات التحالف مع القوى الكبرى.. غانا – بنين – والكونغو الديمقراطية نماذجًا

فبراير 11, 2026

كتبت – د . مريم عبد السلام أحمد

مدرس العلوم السياسية

تشهد البيئة الدولية المعاصرة تحولات جوهرية في بنية النظام العالمي، حيث تتصاعد حدة التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ التقليدية والناشئة على حد سواء. وفي هذا السياق، برزت القارة الأفريقية كساحة محورية لهذا التنافس، نظرًا لما تمتلكه من موارد طبيعية استراتيجية، ومواقع جيوسياسية حيوية، وأسواق ناشئة واعدة، فضلًا عن كونها تمثل كتلة تصويتية مؤثرة في المحافل الدولية.[1] وقد تزامن هذا التنافس الدولي المتصاعد مع موجة ديمقراطية جديدة تجتاح القارة، تمثلت في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة 2024-2026، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى تأثير هذه التحولات السياسية الداخلية على خيارات التحالف الخارجية لهذه الدول. وفي إطار هذه الديناميكية المعقدة، تبرز ثلاث حالات أفريقية تستحق الدراسة المعمقة نظرًا لخصوصيتها الجيوسياسية وتوقيت دوراتها الانتخابية: غانا التي أجرت انتخاباتها الرئاسية في ديسمبر 2024، وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي أجرت انتخاباتها في ديسمبر 2023 وما زالت تداعياتها مستمرة، وبنين التي ستشهد استحقاقاتها الانتخابية في 2026.

حيث تمثل غانا نموذجًا للديمقراطية المستقرة نسبيًا في غرب أفريقيا، فقد نجحت في إجراء تسع انتخابات رئاسية سلمية منذ عودة الحكم المدني عام 1992، وهو ما جعلها محط أنظار القوى الغربية كشريك استراتيجي موثوق في منطقة تعاني من الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي. كما أن موقعها الجغرافي على ساحل خليج غينيا، واكتشافات النفط والغاز في مياهها الإقليمية، يضاعف من أهميتها الاستراتيجية للقوى الكبرى المتنافسة.[2] وفي المقابل، تمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة مغايرة تمامًا، حيث تعاني من هشاشة مؤسسية مزمنة وصراعات مسلحة متجددة في مناطقها الشرقية، لكنها في الوقت ذاته تحتضن ثروات معدنية هائلة تشمل الكوبالت والكولتان والذهب والنحاس، وهي معادن حيوية للصناعات التكنولوجية المتقدمة والتحول نحو الطاقة النظيفة، مما يجعلها بؤرة تنافس شرس بين القوى الكبرى رغم تعقيداتها السياسية والأمنية، أما بنين، فتقدم نموذجًا ثالثًا يتسم بالتحول التدريجي في طبيعة النظام السياسي، حيث شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا في المساحة الديمقراطية وتعزيزًا لسلطة الرئيس باتريس تالون، مع استمرارها في الحفاظ على علاقات متوازنة نسبيًا مع مختلف القوى الدولية. وفي هذا الإطار، يكتسب موقعها الاستراتيجي كدولة ساحلية صغيرة في غرب أفريقيا أهمية متزايدة في ظل التنافس على الوصول إلى الموانئ والطرق التجارية الأفريقية، خاصة مع تنامي الاهتمام الصيني بتطوير البنية التحتية اللوجستية في القارة ضمن مبادرة الحزام والطريق.[3]

وعلى صعيد التنافس الدولي على أفريقيا، تتجلى ثلاثة محاور رئيسية للتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى.

أولًا المحور الأمريكي-الأوروبي الذي يسعى للحفاظ على نفوذه التقليدي في القارة عبر ربط المساعدات والاستثمارات بشروط الحوكمة الرشيدة والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما يتضح من استراتيجية الولايات المتحدة الأفريقية الجديدة التي أطلقت عام 2022، والتي تركز على دعم الديمقراطية والأمن والتنمية الاقتصادية المستدامة.

ثانيًا المحور الصيني الذي يقدم نموذجًا بديلًا قائمًا على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتركيز على الاستثمارات البنيوية الضخمة، والتمويل الميسر دون شروط سياسية، وهو ما جعل الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا منذ عام 2009، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما مستويات قياسية متجاوزة 280 مليار دولار سنويًا.

ثالثًا – المحور الروسي الذي يعتمد على توظيف الإرث السوفييتي، وتقديم الدعم العسكري والأمني عبر شركات عسكرية خاصة، واستغلال المشاعر المعادية للاستعمار الغربي، خاصة في دول الساحل الأفريقي التي شهدت انقلابات عسكرية مؤخرًا.[4] كما تتقاطع هذه المحاور الثلاثة الرئيسية مع محاور إقليمية أخرى متنامية، حيث تسعى قوى ناشئة مثل تركيا والهند والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل إلى توسيع نفوذها في القارة الأفريقية عبر مزيج من الاستثمارات الاقتصادية والتعاون الأمني والدبلوماسية الثقافية والدينية. وفي هذا السياق، أصبحت الانتخابات الأفريقية محطات حاسمة في تحديد مسارات التحالف الاستراتيجي، حيث قد تؤدي النتائج الانتخابية إلى تغييرات جذرية في السياسات الخارجية للدول الأفريقية، أو إلى تعزيز التوجهات القائمة، أو إلى اعتماد سياسات توازن استراتيجي بين القوى المتنافسة.

المشكلة البحثية:

تتمحور المشكلة البحثية الرئيسية لهذه الدراسة حول استكشاف وتحليل الكيفية التي تؤثر بها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الدول الأفريقية في توجهات سياساتها الخارجية وخياراتها الاستراتيجية في مجال التحالفات مع القوى الكبرى المتنافسة. وبصياغة أكثر تحديدًا، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن السؤال المحوري التالي: إلى أي مدى شكلت الانتخابات في غانا (ديسمبر 2024)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (ديسمبر 2023)، وبنين (المقررة 2026) منعطفات حاسمة في إعادة تشكيل سياسات التحالف الاستراتيجي لهذه الدول مع القوى الكبرى، وما هي المتغيرات والآليات الداخلية والخارجية التي تتوسط هذا التأثير؟

حيث تنبثق إشكالية البحث من التوتر الظاهر بين افتراضين متعارضين في أدبيات السياسة الخارجية. فمن جهة، تفترض نظريات الاستمرارية في السياسة الخارجية أن التغييرات في القيادات السياسية عبر الانتخابات نادرًا ما تؤدي إلى تحولات جذرية في التوجهات الاستراتيجية الخارجية، نظرًا لثبات المصالح الوطنية والقيود الهيكلية التي تحد من حرية المناورة. ومن جهة أخرى، تشير نظريات التغيير في السياسة الخارجية إلى أن الانتخابات يمكن أن تشكل نقاط تحول استراتيجية، خاصة عندما تأتي بقيادات جديدة تحمل أيديولوجيات مختلفة أو عندما تتزامن مع تحولات كبرى في البيئة الدولية أو الإقليمية.

التساؤلات الفرعية: انطلاقًا من الإشكالية المحورية المطروحة، والتي سنبثق عنها مجموعة من التساؤلات الفرعية المترابطة:

  1. ما هي طبيعة وحدود التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى على القارة الأفريقية بشكل عام، وعلى دول الدراسة الثلاث بشكل خاص؟
  2. كيف أثرت انتخابات غانا في ديسمبر 2024 على توجهات سياستها الخارجية وتحالفاتها الاستراتيجية؟
  3. ما هي التداعيات المستمرة لانتخابات الكونغو الديمقراطية في ديسمبر 2023 على سياساتها في مجال الموارد الطبيعية والشراكات الدولية؟
  4. ما هي السيناريوهات المحتملة لانتخابات بنين عام 2026 وتأثيراتها المتوقعة على سياسات التحالف الخارجية؟
  5. ما هي أوجه التشابه والاختلاف بين الحالات الثلاث من حيث تأثير الانتخابات على سياسات التحالف؟ وعليه ستقوم الباحثة بالإجابة عن تلك التساؤلات البحثية من خلال المحاور التالية كالتالي:

أولًا خريطة التنافس الدولي على أفريقيا وأدواته:

يشهد التنافس الدولي على القارة الأفريقية تصاعدًا غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تتنافس القوى الكبرى على تأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية في القارة. وفي هذا الإطار، توظف كل قوة كبرى مجموعة من الأدوات والآليات لتعزيز نفوذها وجذب الدول الأفريقية نحو مدارها الاستراتيجي، تعتمد الولايات المتحدة والقوى الأوروبية على أدوات تقليدية تشمل المساعدات الإنمائية المشروطة بالإصلاحات الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، والتعاون العسكري والأمني لمكافحة الإرهاب، والاستثمارات الخاصة في قطاعات محددة. كما تركز هذه القوى على دعم مؤسسات المجتمع المدني والإعلام المستقل كأدوات للقوة الناعمة. وفي السنوات الأخيرة، أطلقت الولايات المتحدة مبادرات جديدة مثل “شراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي” لمنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، كما عززت الاتحاد الأوروبي استراتيجيته الأفريقية عبر “البوابة العالمية” التي تستهدف استثمار 150 مليار يورو في البنية التحتية الأفريقية بحلول 2027.[5]وفي المقابل، تعتمد الصين على نموذج مختلف يقوم على الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية دون شروط سياسية، والقروض الميسرة، والتبادل التجاري المتنامي، وتقديم المنح الدراسية لآلاف الطلاب الأفارقة سنويًا. حيث استثمرت الصين مئات المليارات من الدولارات في مشاريع السكك الحديدية والموانئ والطرق السريعة والسدود ومحطات الطاقة عبر القارة، مما جعلها الشريك الاقتصادي الأكثر حضورًا في البنية التحتية الأفريقية. كما تقدم الصين نموذجًا تنمويًا بديلًا يجذب النخب الأفريقية التي تسعى للتنمية السريعة دون الخضوع لشروط الإصلاح السياسي الغربية.

أما روسيا، فقد استعادت حضورها في أفريقيا عبر التركيز على الجانب العسكري والأمني، حيث وقّعت اتفاقيات تعاون عسكري مع أكثر من 20 دولة أفريقية، وقدمت أسلحة ومعدات عسكرية بأسعار تنافسية، ووظفت شركات أمنية خاصة لتقديم خدمات عسكرية وأمنية في عدة دول. كما استفادت روسيا من الخطاب المناهض للغرب والاستعمار، وقدمت نفسها كشريك لا يتدخل في الشؤون الداخلية ولا يفرض شروطًا سياسية، وهو ما لقي صدى واسعًا في دول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية طردت القوات الفرنسية واستبدلتها بالوجود الروسي.[6]

وفي ضوء هذا التنافس المحتدم، تجد الدول الأفريقية نفسها أمام خيارات استراتيجية معقدة، حيث يمكنها الانحياز الكامل لأحد الأقطاب، أو اعتماد سياسة التحوط والتوازن بين مختلف القوى لتعظيم المكاسب وتقليل الاعتماد على شريك واحد. وتشير الأدلة التجريبية إلى أن معظم الدول الأفريقية تميل نحو الخيار الثاني، حيث تسعى للاستفادة من التنافس الدولي دون الارتباط الكامل بمعسكر واحد، وهو ما يتضح في التصويت الأفريقي المنقسم في الأمم المتحدة حول قضايا خلافية مثل الحرب الروسية-الأوكرانية.

ثانيًا غانا كنموذج الديمقراطية المستقرة بين الاستمرارية والتحول:

شكلت انتخابات ديسمبر 2024 في غانا محطة حاسمة في تحديد مسار السياسة الخارجية الغانية للسنوات القادمة، حيث جاءت في سياق اقتصادي صعب تميز بأزمة ديون خانقة، وتضخم مرتفع، وانخفاض قيمة العملة المحلية، مما دفع الحكومة للجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار مقابل تطبيق إصلاحات اقتصادية صارمة. وقد فاز جون دراماني ماهاما، مرشح المؤتمر الديمقراطي الوطني المعارض، بنسبة ساحقة بلغت حوالي 56% من الأصوات، متفوقًا على نائب الرئيس السابق ماهامودو باوميا من الحزب الوطني الجديد الحاكم الذي حصل على 41% من الأصوات، وهو ما يمثل عودة ماهاما إلى السلطة بعد خسارته الانتخابات عام 2016.[7]

وعلى صعيد السياسة الخارجية، يمثل فوز ماهاما عودة لنهج أكثر توازنًا في التعامل مع القوى الكبرى مقارنة بسلفه، حيث عُرف المؤتمر الديمقراطي الوطني تاريخيًا بسياسة خارجية أكثر استقلالية وانفتاحًا على الشراكات المتنوعة. وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تشهد العلاقات الغانية-الصينية تعزيزًا ملحوظًا، خاصة في مجال الاستثمارات البنيوية والتعاون الاقتصادي، كما قد تسعى الحكومة الجديدة لتنويع مصادر التمويل والشراكات التنموية لتقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية وشروطها الصارمة. ومع ذلك، فإن هوامش المناورة المتاحة لماهاما تبقى محدودة بفعل عدة قيود هيكلية، أبرزها الالتزامات المالية تجاه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والاعتماد الكبير على الاستثمارات الغربية في قطاع النفط والغاز، والشراكة الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة في إطار مكافحة الإرهاب وتأمين خليج غينيا. كما أن غانا تبقى عضوًا في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهي مؤسسة إقليمية ترتبط بعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا، مما يحد من قدرتها على الانحراف الكبير عن المسار الغربي التقليدي.[8] وعلى المستوى الاستراتيجي الأوسع، تواجه غانا تحديًا متصاعدًا يتمثل في تنامي النفوذ الروسي في دول الساحل المجاورة، خاصة مالي والنيجر وبوركينا فاسو التي شهدت انقلابات عسكرية وطردت القوات الفرنسية واستبدلتها بوجود روسي-أمني. وفي هذا السياق، قد تسعى غانا لتقديم نفسها كنموذج ديمقراطي مستقر يمكن أن يلعب دورًا وسيطًا بين الغرب والمحور الروسي-الصيني، مستفيدة من تاريخها الديمقراطي وعلاقاتها المتوازنة نسبيًا مع مختلف القوى الدولية لتعزيز مكانتها الإقليمية والحصول على مزيد من الدعم والاستثمارات.

ثالثًا الكونغو الديمقراطية كنموذج للموارد الاستراتيجية ومعضلة التنافس الدولي

تمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة فريدة في السياق الأفريقي، حيث تجتمع فيها ثروات معدنية هائلة مع هشاشة سياسية مزمنة وصراعات مسلحة متجددة، مما يخلق بيئة معقدة للتنافس الدولي على مواردها وتحديد توجهاتها الاستراتيجية. وقد جرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر 2023، وفاز فيها الرئيس الحالي فيليكس تشيسكيدي بولاية ثانية بنسبة رسمية بلغت 73% من الأصوات، لكن هذه النتائج طُعن فيها من قبل المعارضة والمراقبين الدوليين بسبب مخالفات واسعة شملت تأخيرات في فتح مراكز الاقتراع، ومشاكل لوجستية كبيرة، ومزاعم بالتزوير.وعلى صعيد السياسة الخارجية، واجه تشيسكيدي في ولايته الأولى تحديات كبيرة في إدارة التنافس الدولي على موارد بلاده، خاصة الكوبالت الذي تنتج الكونغو نحو 70% من الإنتاج العالمي منه، وهو معدن حيوي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة. حيث تسيطر الشركات الصينية على أكثر من 80% من صناعة تعدين الكوبالت الكونغولي، مما يمنح بكين نفوذًا هائلًا في هذا القطاع الاستراتيجي ويثير قلقًا غربيًا متزايدًا بشأن الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد الحيوية.[9]

وفي محاولة لموازنة الهيمنة الصينية، سعى تشيسكيدي خلال ولايته الأولى لجذب استثمارات غربية في قطاع التعدين، حيث وقع اتفاقيات مع شركات أمريكية وأوروبية لتطوير مشاريع تعدينية جديدة، كما دعا إلى إعادة التفاوض على عقود التعدين القديمة التي وقعها سلفه جوزيف كابيلا مع الصين بشروط متدنية. ومع ذلك، واجهت هذه الجهود عقبات كبيرة تتمثل في ضعف البنية التحتية، والفساد المستشري، وانعدام الأمن في مناطق التعدين الشرقية، مما حد من قدرة الشركات الغربية على المنافسة الفعلية مع نظيراتها الصينية التي تتحمل مخاطر أعلى وتقدم شروطًا أكثر مرونة. وعلى الصعيد الأمني، تواجه الكونغو الديمقراطية تحديًا متصاعدًا يتمثل في تجدد الصراع مع حركة M23 المتمردة في المناطق الشرقية، والتي تتهم كينشاسا رواندا بدعمها عسكريًا ولوجستيًا، وهو ما أدى إلى تدهور كبير في العلاقات الكونغولية-الرواندية وتصاعد التوترات الإقليمية. وفي هذا السياق، يواجه تشيسكيدي معضلة استراتيجية في اختيار شركائه الأمنيين، حيث يتنافس الغرب وروسيا على تقديم الدعم العسكري والأمني، ولكل منهما حساباته الخاصة. فبينما تربط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعمهما الأمني بشروط حقوق الإنسان والإصلاح المؤسسي، تقدم روسيا بديلًا أكثر براغماتية عبر شركاتها الأمنية الخاصة دون شروط سياسية، وهو ما يجذب بعض الأطراف في النخبة العسكرية الكونغولية.[10]

وفي ضوء نتائج انتخابات 2023، من المتوقع أن تشهد ولاية تشيسكيدي الثانية استمرار سياسة التوازن الصعب بين القوى الكبرى، مع ميلتدريجي نحو تعزيز التعاون مع الشركاء الغربيين في محاولة لتقليل الاعتماد على الصين، لكن دون القطيعة معها نظرًا للاستثمارات الصينية الضخمة والتبعية الاقتصادية القائمة. كما من المرجح أن تشهد هذه الفترة مزيدًا من الضغوط الغربية على كينشاسا لإصلاح قطاع التعدين وتحسين الحوكمة والشفافية، خاصة في ضوء التشريعات الغربية الجديدة مثل قانون دود-فرانك الأمريكي وتشريعات الاتحاد الأوروبي حول المعادن الصراعية التي تتطلب تتبع مصادر المعادن وضمان استخراجها بطرق قانونية وأخلاقية. وعلى المستوى الإقليمي، قد تسعى الكونغو الديمقراطية في ظل القيادة الحالية لتعزيز دورها في المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا والاتحاد الأفريقي، مستفيدة من ثقلها الديموغرافي والجغرافي كأكبر دولة في أفريقيا جنوب الصحراء من حيث المساحة وثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان بعد نيجيريا. كما قد تحاول كينشاسا توظيف موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل بين شرق ووسط أفريقيا، وكمصدر رئيسي للمعادن الحيوية للاقتصاد العالمي، للحصول على مزيد من النفوذ السياسي والدعم الدولي في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.[11]

رابعًا بنين كنموذج للتحول السلطوي والموازنة الاستراتيجية وإعادة تشكيل سياسات التحالف في ظل التحول السياسي:

تُعد بنين من الدول التي ارتبط اسمها، منذ مطلع التسعينيات، بنموذج الانتقال الديمقراطي السلمي في غرب أفريقيا، حيث شكلت تجربتها في التعددية السياسية وتنظيم الانتخابات التنافسية مرجعًا إقليميًا لسنوات طويلة. غير أن هذا النموذج شهد خلال العقد الأخير تحولات تدريجية، اتسمت بإعادة تشكيل المجال السياسي وتعزيز قبضة السلطة التنفيذية، وهو ما انعكس على طبيعة التنافس الانتخابي وعلى علاقة الدولة بشركائها الخارجيين. وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات المقررة في عام 2026 أهمية خاصة، باعتبارها اختبارًا حاسمًا لمسار التحول السياسي الداخلي، ولقدرة النظام السياسي على الحفاظ على شرعية داخلية وخارجية في آن واحد.[12]

وفي هذا الإطار، تجري الانتخابات في بنين في ظل بيئة سياسية تتسم بتراجع مساحة المعارضة، وارتفاع حدة الانتقادات الدولية المتعلقة بقضايا الحكم الديمقراطي وحقوق الإنسان. وقد أسهم هذا الوضع في إعادة طرح تساؤلات حول مستقبل علاقات بنين مع الشركاء الغربيين، ولا سيما الاتحاد الأوروبي وفرنسا، اللذين ارتبط تعاونهما مع بنين تاريخيًا بخطاب دعم الديمقراطية والإصلاح السياسي. ومن ثم، فإن مخرجات انتخابات 2026 يُتوقع أن يكون لها أثر مباشر على طبيعة هذا التعاون، سواء من حيث مستواه أو شروطه.[13]

وفي هذا السياق، تشير المؤشرات إلى أن القيادة السياسية في بنين قد تسعى إلى توظيف الانتخابات كأداة لإعادة التفاوض مع الشركاء الدوليين، من خلال تبني خطاب يؤكد على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية باعتبارهما أولويتين تفوقان، في المرحلة الراهنة، الاعتبارات المرتبطة بالتعددية السياسية. ويعكس هذا الخطاب محاولة لإعادة تعريف معايير الشرعية السياسية، بما يتلاءم مع الواقع الداخلي، وفي الوقت ذاته يسعى إلى تقليل كلفة الضغوط الخارجية. ومن جهة أخرى، يفتح هذا السياق المجال أمام تعزيز العلاقات مع قوى دولية لا تضع مسألة الديمقراطية في صدارة شروط التعاون، مثل الصين وتركيا، اللتين توسعتا في السنوات الأخيرة في حضورهما الاقتصادي والسياسي داخل القارة الأفريقية. وقد يشكل هذا التوجه خيارًا عمليًا لتخفيف الاعتماد على الشركاء الغربيين، دون الوصول إلى حد القطيعة معهم. ومع ذلك، فإن الاعتماد الاقتصادي والأمني القائم على الدعم الأوروبي، فضلًا عن الروابط التاريخية والمؤسسية مع فرنسا، يفرض قيودًا واضحة على هامش المناورة المتاح أمام بنين.[14]

وعليه، يمكن القول إن الانتخابات في بنين لا تمثل بالضرورة مدخلًا لتحول جذري في سياسات التحالف، وإنما تشكل فرصة لإعادة ترتيب العلاقات الخارجية ضمن إطار من الموازنة الحذرة. فالدولة تسعى إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون مع الشركاء التقليديين، مع فتح قنوات إضافية مع شركاء جدد، بما يسمح بتقليل الضغوط السياسية دون المساس بالاستقرار الاقتصادي والأمني. ويعكس هذا التوجه نمطًا من البراغماتية السياسية التي باتت سمة مشتركة في عدد من الدول الأفريقية.

الخاتمة:

في ضوء التحليل الذي قدمته الأجزاء الثلاثة، يتضح أن الانتخابات الأفريقية خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026 قد لعبت دورًا مهمًا في إعادة تشكيل سياسات التحالف مع القوى الكبرى، وإن كان هذا الدور متفاوتًا من دولة إلى أخرى، ومشروطًا بالسياق الداخلي لكل حالة. ففي غانا، عكست الانتخابات نمطًا من الاستمرارية المرنة، حيث لم تؤدِ إلى تغيير جوهري في التحالفات الخارجية، لكنها أسهمت في إعادة ضبط الأولويات بما يسمح بمزيد من التنويع في الشراكات الاقتصادية. أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد ارتبط تأثير الانتخابات بشكل وثيق بالاعتبارات الأمنية والاقتصادية، حيث استُخدمت كأداة لتعزيز الشرعية وجذب الدعم الخارجي في ظل تحديات داخلية معقدة. وفي المقابل، تعكس حالة بنين نموذجًا لدولة تسعى إلى الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها التقليدية وتوسيع هامش المناورة في مواجهة الضغوط السياسية.

ويكشف هذا التحليل المقارن عن أن الانتخابات في السياق الأفريقي لا تشكل، في الغالب، نقطة قطيعة حادة مع سياسات التحالف السابقة، بل تمثل آلية لإعادة ضبط موقع الدولة داخل شبكة العلاقات الدولية. فالنخب السياسية الأفريقية تميل إلى تبني مقاربات براغماتية، تسعى من خلالها إلى تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر في بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس وعدم اليقين. كما أن تعدد القوى الكبرى المنخرطة في القارة يمنح الدول الأفريقية هامشًا أكبر للمناورة، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها تحديات متزايدة في إدارة علاقاتها الخارجية.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن تأثير الانتخابات على سياسات التحالف يظل مرهونًا بمدى قدرة الدولة على توظيف شرعيتها السياسية لتحقيق أهدافها الوطنية، وبمدى مرونة القوى الكبرى في التكيف مع التحولات الداخلية في الدول الأفريقية. ومن ثم، فإن فهم العلاقة بين الانتخابات والتحالفات الخارجية يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار تداخل العوامل الداخلية والخارجية، بعيدًا عن التفسيرات الاختزالية التي تربط السياسة الخارجية بتغيير القيادة السياسية وحده.

وبذلك، تخلص هذه الدراسة إلى أن الانتخابات في أفريقيا خلال الفترة 2024–2026 تمثل لحظة سياسية كاشفة، تُستخدم لإعادة التفاوض على موقع الدولة داخل النظام الدولي، أكثر من كونها نقطة تحول جذرية في اتجاهات التحالف. ويعكس ذلك طبيعة المرحلة الراهنة في السياسة الدولية، التي تتسم بتعدد مراكز القوة وتزايد أهمية الفاعلين الإقليميين، وهو ما يمنح الدول الأفريقية فرصًا جديدة، لكنه يفرض عليها أيضًا تحديات معقدة في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى.


[1] Adem, Seifudein. “Africa in Global Power Transitions.” Review of African Political Economy 42, no. 143 (2015): 124

[2] Gyimah-Boadi, E. “Another Step Forward for Ghana.” Journal of Democracy 20, no. 2 (2009): 138

[3] Brautigam, Deborah. The Dragon’s Gift: The Real Story of China in Africa. Oxford: Oxford University Press, 2009.

[4] Ramani, Samuel. “Russia in Africa: A New Arena for Great Power Competition.” American Foreign Policy Interests 41, no. 5 (2019): 341

[5] European Commission. “Global Gateway: EU’s Strategy for Sustainable Connectivity.” Brussels, December 2021.

[6] Kamerling, Stanzel, and van der Putten. “An African Perspective on the Wagner Group.” Netherlands Institute of International Relations, 2023.

[7] Asante, Richard. “Ghana’s 2024 Election: Economic Crisis and Political Change.” African Affairs 124, no. 494 (2025): 78

[8] Whitfield, Lindsay. The Politics of Aid: African Strategies for Dealing with Donors. Oxford: Oxford University Press, 2009.

[9] Wilson Center. “The New Cobalt Rush: DRC at the Center of Global Battery Race.” Washington, D.C., 2024.

[10] Stearns, Jason K. “The Fallout: M23 and Regional Dynamics in Eastern Congo.” Congo Research Group, 2024.

[11] Geenen, Sara. “A Dangerous Bet: The Challenges of Formalizing Artisanal Mining in the Democratic Republic of Congo.” Resources Policy 40 (2014): 27

[12] Freedom House. Freedom in the World 2025: Benin. Washington, DC: Freedom House, 2025.

[13] European Union External Action Service. EU–Benin Relations. Brussels: EEAS, 2024.

[14] African Union Commission. African Governance Report 2024. Addis Ababa: African Union, 2024.