كتبت – أسماء حمدي
في لحظة عابرة قد تبدو بسيطة، يتحول القماش إلى لغة، والزي إلى خطاب مكتمل الأركان، ليس مجرد اختيار يومي بين ألوان وأقمشة، بل قرار محمّل بطبقات من التاريخ والهوية والانتماء.
في أفريقيا، كما في مجتمعات الشتات، لا يُرتدى الزي التقليدي بوصفه زينة فحسب، بل باعتباره امتدادًا لذاكرة جماعية تعبر الحدود وتقاوم النسيان، وبينما يتنقل الأفراد بين عوالم متعددة، يصبح ارتداء هذا الزي فعلًا يتجاوز المظهر، ليعكس علاقة معقدة مع الذات والآخر، هنا، لا تعود الملابس حيادية، بل تتحول إلى ساحة صامتة لصراع الرموز والمعاني.

حين تصبح الملابس موضع سخرية
قبل أسابيع، ظهر الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما مرتديًا “الفوجو”، ذلك القميص التقليدي الفضفاض، بأكمام قصيرة واسعة وغالبًا ما يكون مخططًا بخطوط طولية ملونة، وذلك خلال زيارة رسمية إلى زامبيا.
لم تمر الإطلالة مرور الكرام، إذ تحولت سريعًا إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وُصف الزي بأنه “بلوزة” في تعليقات امتزجت فيها الدعابة بالتهكم، تلك اللحظة العابرة كشفت هشاشة العلاقة بين الزي التقليدي ونظرة الآخر، حتى داخل القارة نفسها.
غير أن الرد جاء من الداخل الغاني، حيث قررت الحكومة اعتماد يوم أسبوعي للاحتفاء بـ”الفوجو”، تحولت المبادرة إلى نقاش أوسع، تجاوز حدود الموضة ليغوص في أسئلة الهوية والكرامة الثقافية، لماذا يثير الزي التقليدي كل هذا التوتر؟ ولماذا يبدو ارتداؤه أحياناً كفعل مقاومة، لا مجرد اختيار يومي؟
جغرافيا الزي.. تفاوت في الحضور والدلالة
في السودان، تتدفق “الجلابية” و”الثوب” في الحياة اليومية بانسيابية، من الشوارع إلى المناسبات، دون أن تثير أي استغراب.
وفي نيجيريا، كما في المغرب، يظل القفطان والملابس التقليدية جزءًا أصيلًا من المشهد العام، حيث لا يحتاج الزي إلى تبرير، لأنه ببساطة امتداد طبيعي للهوية.
لكن الصورة تختلف في مدن مثل نيروبي أو جوهانسبرج وكيب تاون، حيث يتراجع حضور الأزياء التقليدية لصالح النمط الغربي، ليصبح المشهد متشابهًا مع أي مدينة عالمية، إلى حد أن فقدان الخصوصية البصرية يبدو واضحًا، وهذا التباين لا يمكن فصله عن التاريخ، فالدول التي عاشت فترات أطول من الاستعمار الاستيطاني شهدت تآكلًا أكبر في حضور زيها التقليدي داخل الفضاء العام.

الإرث الاستعماري ومعايير “اللياقة”
في كينيا، لم يقتصر الأمر على التحول الثقافي غير الرسمي، بل امتد إلى قرارات مؤسسية، فقد تم استبعاد بعض الأزياء الأفريقية من البرلمان، مع فرض معايير لباس أقرب إلى النمط الغربي الرسمي. مثل هذه السياسات تعكس بوضوح كيف تستمر آثار الاستعمار في تشكيل الذوق العام، بل وحتى تعريف “الملاءمة” و”الاحترافية”.
في المقابل، تحافظ دول أخرى مثل نيجيريا على حضور قوي للأزياء التقليدية داخل المؤسسات الرسمية. هذا التباين بين بلدين حصلا على استقلالهما بفارق زمني بسيط يطرح سؤالًا عميقًا: كيف يمكن للتجارب الاستعمارية المختلفة أن تعيد تشكيل علاقة الشعوب بملابسها، وبالتالي بذاتها؟.
المدينة والقرية.. صراع الحداثة والجذور
بعيدًا عن السياسة المباشرة، يظهر عامل آخر لا يقل أهمية، وهي الفجوة بين الريف والحضر، ففي القرى والمدن الصغيرة، يستمر الالتزام بالزي التقليدي كأمر بديهي، بينما تميل المدن الكبرى إلى تبني الأزياء الغربية بوصفها رمزًا للحداثة والانفتاح.
ارتبطت الملابس الغربية تدريجيًا بمفاهيم الكوزموبوليتانية والطبقة الاجتماعية، ما جعل الزي التقليدي يبدو في بعض السياقات أقل “عصرية”، وهنا تتسلل نظرة خفية تعتبر كل ما هو تقليدي أقل تقدمًا، وهي النظرة ذاتها التي غذّت السخرية من إطلالة ماهاما، وأعادت إنتاج ثنائية “الحديث” مقابل “البدائي”، وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية.

المغتربون و”تبديل الشفرة”
في المهجر، تزداد المسألة تعقيدًا، فاختيار الزي يصبح خاضعًا لمعادلة دقيقة بين الاندماج والاختلاف، فارتداء القفطان أو الداشيكي في مدينة أوروبية قد يبدو خروجًا عن المألوف، وربما إعلانًا صامتًا عن التميز، لذلك، يلجأ كثيرون إلى ما يشبه “تبديل الشفرة” في ملابسهم، وفق السياق الاجتماعي.
هذا التكيف لا يخلو من تناقضات، إذ يتخلى البعض عن الألوان الزاهية والخامات الطبيعية لصالح أزياء باهتة، تتماشى مع البيئة المحيطة، ومع الوقت، يتحول هذا التكيف إلى نمط دائم، يطرح سؤالًا وجوديًا: “هل نرتدي ما يعبر عنا حقًا، أم ما يضمن لنا القبول؟”.
الخوف من أن تكون “مختلفًا”
في العمق، تكمن حقيقة غير مريحة، فأحيانًا لا يرغب الإنسان في أن يكون ذلك الشخص المختلف، ففي الوطن، يبدو الزي التقليدي طبيعيًا ومريحًا، أما في الخارج، فقد يتحول إلى عبء رمزي، أو حتى “أداء” يُفهم باعتباره رسالة سياسية.
هذا التحول في الدلالة يجعل من قطعة القماش شيئًا أثقل بكثير مما تبدو عليه، فاختيار ارتداء زي تقليدي خارج سياقه قد يعني، دون قصد، الدخول في حوار مع الآخر حول الهوية والانتماء، وربما الدفاع عنهما أيضًا.
غطرسة “الأصالة” وتعقيدات الشتات
داخل مجتمعات الشتات، تظهر طبقات إضافية من التعقيد، فهناك من يرى أن التمسك المفرط بالزي التقليدي قد يكون محاولة لتعويض شعور بالانفصال عن الجذور، وفي المقابل، قد يُفسر الابتعاد عنه كدليل على الثقة بالهوية وعدم الحاجة لإثباتها.
هذا التوتر يخلق حالة من الارتباك الذاتي، خاصة لدى من نشأوا في بلدانهم الأصلية ثم انتقلوا إلى الخارج، إذ يصبح الزي هنا ساحة صراع داخلي بين ما هو أصيل وما هو متخيل، بين ما يُرتدى بدافع الراحة وما يُرتدى بدافع الإثبات.
تفاصيل يومية تكشف التناقض
لا تقتصر هذه التعقيدات على الملابس وحدها، بل تمتد إلى ممارسات ثقافية أخرى، حتى الحناء، التي ترتبط بمناسبات محددة في بعض الثقافات، قد تتحول في سياقات أخرى إلى زينة يومية، ما يثير شعورًا بالغرابة أو حتى الرفض لدى البعض.
هذه التفاصيل الصغيرة تكشف عمق الفجوة بين ما يعتبر طبيعيًا في سياق، وغريبًا في آخر، وهي فجوة لا تتعلق فقط بالمسافة الجغرافية، بل بالتحولات النفسية التي ترافق الانتقال بين العوالم.”الزي” تعبيرًا حرًا عن الذاتفي نهاية المطاف، يبدو أن الزي التقليدي سيظل أكثر من مجرد خيار جمالي، إنه مرآة تعكس تاريخًا معقدًا من الاستعمار والمقاومة، ومن الهجرة والتكيف، ومن الرغبة في الانتماء والخوف من الاختلاف. وربما تكمن الإجابة في تبسيط هذه العلاقة، في استعادة الزي كحق طبيعي لا يحتاج إلى تبرير أو دفاع، حينها فقط يمكن أن يتحرر من ثقل السياسة، ليعود إلى جوهره الأول، تعبيرًا حرًا عن الذات. وحتى يحدث ذلك، سيبقى ارتداء الزي التقليدي فعلًا مشحونًا بالمعاني، يتجاوز القماش ليحكي قصة الإنسان في بحثه الدائم عن هويته .






