بقلم – عصام البدري
باحث ماجستير في العلاقات الدولية
تشير ظاهرة “الحروب منخفضة الحدة” إلى نمط صراعي مركب وممتد لا يستهدف الحسم العسكري المباشر بقدر ما يقوم على إدارة العنف وضبط مستوياته بما يضمن استمراره. وفي هذا السياق، يصبح العنف أداة تنظيمية تُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى، أكثر منه وسيلة لإنهاء الصراع، وهو ما يفسر بقاء هذه الحروب عند مستويات منخفضة من الشدة دون الانزلاق إلى حروب شاملة أو الوصول إلى تسويات نهائية[1]. وتستمد الحروب منخفضة الحدة في القارة الأفريقية قدرتها على الاستمرار من اقتصاد موازٍ متشابك، يقوم على تهريب الموارد الطبيعية، والجبايات غير الرسمية، وتجارة السلاح، بما يحول الصراع ذاته إلى مصدر دخل مستدام لفاعلين محليين وإقليميين. وفي ظل هشاشة مؤسسات الدولة وضعف احتكارها لاستخدام القوة، يتداخل الرسمي مع غير الرسمي، وتذوب الحدود بين السلطة الشرعية وشبكات المصالح المسلحة، بما يُبقي الصراع في حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث تظل كُلفة استمرار العنف أقل سياسيًا واقتصاديًا من كلفة السلام الشامل.
لماذا تُعد الحروب منخفضة الحدة نمطًا مهيمنًا في السياق الأفريقي؟
يرجع هيمنة نمط الحروب منخفضة الحدة على السياق الأفريقي لكونها لا تقوم على منطق الحسم العسكري، بل على إدارة العنف بوصفه حالة مستدامة قابلة للاحتواء. ففي هذا النمط، تُفضل الأطراف المتصارعة إبقاء مستوى القتال دون عتبة الحرب الشاملة، بما يسمح باستمرار السيطرة على مناطق النفوذ والموارد، مع تفادي الكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة للتصعيد الكامل؛ ليتحول الصراع إلى وضع طبيعي دائم تُدار فيه المواجهة عبر اشتباكات متقطعة، وميليشيات محلية، وعمليات أمنية محدودة، بدلًا من معارك فاصلة. وفي هذا السياق يُعد “اقتصاد النزاعات” أحد المحركات الأساسية لهذا النمط من الحروب، فالكثير من النزاعات تتغذى على شبكات تهريب الذهب والماس والأخشاب والمخدرات، وعلى الجبايات غير الرسمية، وابتزاز السكان. كما تخلق هذه الموارد حوافز قوية لاستمرار القتال عند مستوى منخفض، لأن الحرب نفسها تصبح بمرور الوقت مصدر دخل لزعماء المليشيات ووسطاء السلاح وبعض النخب المحلية، ما يجعل السلام الشامل خيارًا مكلفًا مقارنة باستمرار النزاع[2].
كما تُعد هشاشة الدولة وتداخل السلطة الرسمية مع الفاعلين المسلحين عاملًا محوريًا لا يقل أهمية عن العوامل السابقة. ففي الصومال، على سبيل المثال، أسهمت محدودية سيطرة الدولة على الأطراف، وضعف الخدمات العامة، وانقسام المؤسسات الأمنية في خلق فراغات حكم استغلتها حركة الشباب. ومنذ عقدين تخوض الحكومة الصومالية الفدرالية وشركاؤها الدوليون حربًا ممتدة ضد الحركة. ورغم التصعيد الحاد في شدة القتال، لم تنجح هذه الجهود في إلحاق هزيمة حاسمة بها[3]. وفي المقابل، تسعى حركة الشباب إلى تحقيق نصر عسكري كامل على السلطات، لكنها فشلت بدورها في بلوغ هذا الهدف، حتى بات واضحًا أن الحسم العسكري وحده غير قادر على إنهاء الصراع، غير أن إصرار الطرفين على المقاربة العسكرية أسفر عن إطالة أمد المواجهة، وأدخل البلاد في سنوات إضافية من العنف المدمر[4].
كما تلعب التدخلات الإقليمية والدولية المجزأة دورًا في ترسيخ هذا النمط من النزاعات، فبدلًا من دعم مسارات سياسية شاملة طويلة الأمد، غالبًا ما تركز التدخلات على أهداف أمنية ضيقة لاحتواء الإرهاب، وحماية طرق التجارة والمصالح الاقتصادية للأطراف الخارجية، أو منع تدفقات الهجرة. ومن ثم يُسهم هذا النهج في معالجة الأعراض لا الجذور، فيُبقي الصراع تحت السيطرة دون إنهائه، ويشجع الفاعلين المحليين على التكيف مع واقع الحرب منخفضة الحدة بدلًا من السعي لتسوية نهائية[5].
وتظهر هذه الديناميات بوضوح في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فعلى الرغم من الخسائر البشرية الفادحة، تتعثر مراراً وتكراراً الجهود الدبلوماسية لحل النزاع بين الحكومة وحركة 23 مارس المتمردة. ويعود أحد الأسباب المحتملة لهذا الجمود إلى البنية الاقتصادية للصراع ذاته، حيث تُولد الحوافز المالية الراسخة المرتبطة بتهريب المعادن واستغلال الموارد شبكة مصالح تُثري الميليشيات والنخب السياسية وبعض عناصر القوات الحكومية، فضلًا عن بعض الدول المجاورة التي تستثمر في دعم الحركة المتمردة. كما باتت جهود الوساطة الخارجية تركز على ضمان الوصول إلى المعادن أكثر من تركيزها على حماية المدنيين. ولطالما ظل المتحاربون يجنون أرباحًا من الوضع القائم، فإن فرص صمود أي تسوية تفاوضية ستظل محدودة[6].
أما في القرن الأفريقي، فقد شهدت إثيوبيا موجات متقطعة من القتال أعقبتها تسويات هشة، بما يعكس صعوبة الانتقال من مجرد وقف إطلاق النار إلى سلام مستدام. ورغم انتهاء الصراع المسلح فعليًا في إقليم تيجراي، فإن الأزمة السياسية والأمنية في البلاد لا تزال تتفاقم. ويرتبط جانب كبير من انعدام الأمن بالتنافس على الموارد الطبيعية، وهو ما أسهم في تأجيج النزاعات على الأراضي، وتكثيف عمليات التهريب عبر الحدود، وتصاعد الصراعات بين المجتمعات المحلية. حيث تتصدر منطقة تيجراي، مقارنة ببقية الأقاليم، نشاط التنقيب عن الذهب ومنح التراخيص التجارية، إذ تضم أكثر من 90 شركة مرخصة لتعدين الذهب، وكانت من بين أكبر موردي الذهب للبنك الوطني الإثيوبي، بصادرات سنوية تقارب 26 قنطارًا (نحو 2.6 طن متري) بقيمة تُقدر بحوالي 100 مليون دولار. غير أنه منذ اندلاع حرب تيجراي جرى تهريب معظم ذهب الإقليم، بمشاركة أطراف متعددة شملت قادة عسكريين، ورعايا أجانب، ورجال أعمال محليين. وقد أصبحت السيطرة على الذهب أحد العوامل الرئيسية وراء الانقسام الداخلي في قيادة الحزب المهيمن على الإقليم، بما يكشف كيف تحولت الموارد الطبيعية إلى محرك مباشر لإعادة إنتاج الصراع[7].
وفي السودان، يكشف تكرار موجات التصعيد العسكري التي تعقبها فترات تهدئة قصيرة كيف يؤدي انقسام النخب العسكرية وضعف المؤسسات المدنية إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال أقل حدة، لكنها أكثر استدامة. وفي ظل هذا السياق، برزت مفارقة صارخة في قطاع الذهب: فعلى الرغم من ارتفاع الإنتاج إلى مستوى قياسي بلغ نحو 70.15 طنًا خلال الفترة بين 2023 و2025، لم تعكس القنوات الحكومية الرسمية سوى جزء محدود من هذا الإنتاج في صورة صادرات، ما يفضح اختلالًا عميقًا في بنية الاقتصاد الوطني. إذ اختفى أكثر من 55 طنًا من الذهب داخل الاقتصاد الخفي، بعيدًا عن خزينة الدولة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من إجمالي الإنتاج جرى تهريبه إلى الخارج منذ عام 2023، بالتوازي مع تنامي الشبكات السرية وازدهار اقتصاد حرب ترتبط خيوطه بمختلف أطراف النزاع. ويُعزى هذا النزيف المتواصل إلى غياب الرقابة الحكومية الفاعلة في مناطق التعدين، وإلى تصاعد انخراط الحركات المسلحة في عمليات الاستخراج غير المنظم، بما يحول الذهب من مورد تنموي محتمل إلى محرك مباشر لاستدامة الصراع[8].
نحو كسر الحلقة المفرغة.. شروط الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام
لا يتم الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام تلقائيًا مع توقف إطلاق النار؛ فاقتصاد الحرب ليس مجرد حالة طارئة، بل منظومة مصالح مترسخة تُعيد إنتاج نفسها عبر شبكات التمويل غير المشروع، والاقتصاديات الرمادية، وتحالفات السلاح والتهريب. لذلك يبدأ كسر الحلقة المفرغة بإعادة تعريف “السلام” بوصفه مشروعًا اقتصاديًا-مؤسسيًا طويل الأمد، لا مجرد تسوية أمنية. فالسلام المستدام يتطلب تفكيك الحوافز التي تجعل استمرار العنف أقل كلفة من إنهائه، وبناء بدائل اقتصادية حقيقية تمنح الفاعلين المحليين أسبابًا ملموسة للاستقرار[9].
ويتمثل الشرط الأول لكسر هذه الحلقة في إعادة بناء العقد الاجتماعي والدولة القادرة. فغياب الخدمات الأساسية، وضعف العدالة، وتآكل الثقة في المؤسسات، كلها عوامل تدفع المجتمعات للاعتماد على اقتصاديات موازية أو حماية مسلحة. كما يستلزم الانتقال إلى اقتصاد السلام استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، وتوسيع الوصول العادل إلى التعليم والصحة والبنية التحتية. فمن دون دولة فعالة ومحايدة، يبقى الاستثمار هشًا، وتظل الأسواق رهينة للابتزاز وعدم اليقين[10].
وتُستكمل هذه الجهود بتفكيك اقتصاديات الصراع نفسها، عبر تجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا في منظومة قانونية شفافة، وبناء قدرات الدولة في تتبع التدفقات المالية، من خلال تبني سياسات انتقالية ذكية توازن بين المحاسبة ومنع عودة العنف، بحيث لا تتحول مكافحة الفساد والتهريب إلى صدمات اجتماعية تدفع الفئات الهشة مجددًا نحو السلاح. فيما يُشكل خلق فرص اقتصادية بديلة واسعة النطاق حجر الزاوية في التحول. فالمقاتل السابق، أو الشاب العاطل في مناطق الهشاشة، يحتاج مسارًا واقعيًا للاندماج: برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج المرتبطة بسوق العمل، والاستثمار في الزراعة وسلاسل القيمة المحلية، ودعم المشروعات الصغيرة، وتمكين النساء والشباب اقتصاديًا؛ لإعادة توجيه الطاقات من اقتصاد العنف إلى اقتصاد الإنتاج[11].
كما يتطلب اقتصاد السلام حوكمة الموارد الطبيعية بعدالة وشفافية. ففي كثير من السياقات، كانت الثروات المحلية وقودًا للصراع. لذلك يستلزم التحول عقود امتياز واضحة، وتوزيعًا منصفًا للعوائد على المجتمعات المنتجة، ووضع آليات رقابة مجتمعية على الإيرادات. فعندما يشعر السكان بأن مواردهم تُدار لصالحهم، تتراجع قابلية التجنيد المسلح، وتزداد شرعية الدولة. لا ينجح المسار من دون ملكية وطنية مدعومة بشراكات دولية متناسقة. فالتدخلات الخارجية المجزأة، التي تركز على الأمن بمعزل عن التنمية، تُبقي النزاع عند مستوى منخفض دون حل جذوره[12].
في المحصلة، لا تُعد الحروب منخفضة الحدة في أفريقيا انحرافًا عابرًا عن مسار الاستقرار، بل تعبيرًا بنيويًا عن تداخل العنف بالاقتصاد، وضعف الدولة، وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية. فهي نزاعات تُدار أكثر مما تُحسم، وتُمول أكثر مما تُحل، ما يحولها إلى حالة دائمة من “اللا حرب واللا سلم”. ومن ثم، فإن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتحقق عبر المقاربات الأمنية وحدها، ولا من خلال تسويات سياسية سطحية، بل يتطلب إعادة هندسة عميقة لمنظومة الحوافز التي تُبقي الصراع مربحًا، وبناء دولة قادرة ومحايدة، واقتصادًا يفتح مسارات واقعية للاندماج والإنتاج بدل التهميش والعنف.
[1] سامح فوزي، النزاعات منخفضة الكثافة ممتدة المفعول في العالم العربي، بوابة الأهرام، 4 أبريل 2015، متاح على الرابط التالي: https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsPrint/376180.aspx
[2] Boko Haram’s Illicit Trade in Gold and Other Resources, African Security Analysis, 23 maj 2025, available at: https://shorturl.at/ibAeJ
[3] الصومال يسعى لتجنيد جنود لمواجهة حركة الشباب، Africa Defense Forum، 2 ديسمبر 2025، متاح على الرابط التالي: https://shorturl.at/IocJ0
[4] أفياري علمي، حركة الشباب وإشراكها في الصومال: الإخفاقات العسكرية وأسس الحوار، Middle East Council on Global Affairs، أكتوبر 2024، متاح على الرابط التالي: https://shorturl.at/LGbGz
[5] Alexandra Dent, The Transnational Smuggling Fueling Conflict in the Democratic Republic of Congo, Georgetown Security Studies Review, available at: https://shorturl.at/5Dwfi
[6] PSC Report, Keeping Africa’s natural assets from lining plunderers’ pockets, ISS Africa, 05 February 2025, available at: https://shorturl.at/xTVUX
[7]Abel Abate Demissie, Ahmed Soliman, Illicit gold is exacerbating Ethiopia’s conflicts, Chatham House, available at: https://www.chathamhouse.org/2024/09/illicit-gold-
[8] Sudan gold production surges during war as smuggling drains economy, Sudan Tribune, January 15 2026, available at: https://sudantribune.com/article/309393
[9] Mary Beth Sullivan, Moving from a War Economy to a Peace Economy, The Humanist, 23 December 2011, available at: https://thehumanist.com/magazine/january-february
[10] European Bank for Reconstruction and Development. (2022). The economics of war and peace. In Transition Report 2022, available at: https://2022.tr-ebrd.com/economics
[11] N J Colletta, M Kostner, I Wiederhofer, Transition from War to Peace in Sub-Saharan Africa. Africa Region Findings & Good Practice Info briefs, World Bank, available at: https://openknowledge.worldbank
[12] [12] N J Colletta, M Kostner, I Wiederhofer, Ibid.





