استخدام المفاعلات النووية الصغيرة والمحطات العائمة في تحقيق أمن الطاقة للمجتمعات الأفريقية النائية (دراسة)

سبتمبر 8, 2025

كتبت – نشوى عبد النبي – باحث سياسي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء

يواجه أمن الطاقة في أفريقيا تحديات كبيرة تتطلب حلولًا تقنية ومالية مبتكرة لضمان توفير طاقة مستدامة وموثوقة. ومن أبرز هذه الحلول، العمل على نشر تقنيات مثل المفاعلات النووية الصغيرة، التي توفر خيارًا آمنًا وفعالًا لتوليد الكهرباء في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية. إلى جانب ذلك، فإن خفض تكلفة الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يُعد ضروريًا لتوسيع استخدامها على نطاق واسع، مما يسهم في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، مع الحفاظ على التزامات الدول الأفريقية بخفض الانبعاثات الضارة.

وفي المقابل، فإن ضعف الإمدادات الحالية للطاقة يُجبر العديد من الدول على الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة، رغم تأثيراته البيئية والاقتصادية السلبية. هذا الاعتماد المفرط يُعيق تنفيذ خطط تحول الطاقة ويجعل من الصعب الالتزام بالجداول الزمنية الموضوعة لتحقيق انتقال عادل للطاقة. فبدون توفير بدائل نظيفة وفعالة، ستظل جهود القارة نحو التحول الطاقي متأخرة، مما يهدد تحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.

تُظهِر الطاقة النووية في أفريقيا إمكانات كبيرة لأن تُصبح أحد الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي والتصنيع وأمن الطاقة على المدى الطويل. فهي تُعد مصدرًا نظيفًا وموثوقًا للكهرباء، يُمكن أن يسهم في مواجهة النقص الحاد في إمدادات الطاقة الذي يعانيه العديد من بلدان القارة. في ظل الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري ومحدودية الطاقة المتجددة، تُوفّر الطاقة النووية بديلاً إستراتيجيًا مستدامًا يمكن أن يدعم خطط التنمية ويعزز القدرات الصناعية للدول الأفريقية.

وقد بدأت الحكومات الأفريقية بالفعل التوجّه نحو الاستثمار في الطاقة النووية، نظرًا لكونها خيارًا منخفض الكربون وموثوقًا لمعالجة أزمة الكهرباء المتفاقمة. وتشير التقديرات إلى أن القارة قد تُضيف نحو 15 ألف ميغاواط من السعة النووية بحلول عام 2035، ما يُمثل سوقًا واعدة تقدر بنحو 105 مليارات دولار. ويأتي هذا التحول في سياق عالمي يشهد عودة قوية للطاقة النووية، في ظل سعي الدول لتحقيق أهداف الحياد الكربوني وضمان استقرار الشبكات الكهربائية في مواجهة التغيرات المناخية والطلب المتزايد على الطاقة.

يتعيّن على أفريقيا أن تأخذ خيار الطاقة النووية بجدية، ليس فقط كوسيلة للحد من آثار تغير المناخ، بل أيضًا كمسار استراتيجي لتحقيق الرفاهية والتنمية الاقتصادية المستدامة. فالتوسع في استخدام الطاقة النووية يُتوقع أن يجلب فوائد اقتصادية وصناعية كبيرة، من خلال تحفيز تطوير البنية التحتية وبناء سلسلة إمدادات محلية قوية، ما يُعزّز فرص العمل ويزيد الطلب في قطاعات حيوية مثل التصنيع والبناء والهندسة. بهذا الشكل، لا تمثل الطاقة النووية مجرد خيار بيئي، بل ركيزة محتملة لتحول اقتصادي شامل في القارة[1].

كيف سيبدو مستقبل الطاقة في أفريقيا على المدى الطويل في عالم يتعيّن عليه التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري للحد من الاحتباس الحراري؟

يوجد عاملان رئيسان يحددان مشهد الطاقة في أفريقيا خلال العقود المقبلة: الطلب على الطاقة والنمو السكاني.

  • مع استمرار التنمية الاقتصادية في مختلف أنحاء القارة، سيزداد الطلب على الطاقة بشكل كبير، إن تلبية هذا الطلب سيتطلب زيادة متوسط استهلاك الفرد إلى 8.62  برميلًا من النفط المكافئ سنويًا، مقارنةً بـ3براميل فقط حالياً، وهو المعدل الأدنى عالميًا. هذا الفارق يُبرز حجم الفجوة الطاقية في أفريقيا، وضرورة الاستثمار في مصادر طاقة موثوقة ومستدامة مثل الطاقة النووية لتلبية الاحتياجات المتزايدة دون الإضرار بالبيئة.
  • أما العامل الثاني، فهو النمو السكاني السريع، والذي يُعد من أبرز التحديات والفرص في آنٍ واحد. فقد بلغ عدد سكان أفريقيا نحو 1.448 مليار نسمة في عام 2022، متجاوزًا الصين التي وصلت إلى ذروتها السكانية، واقترب من الهند التي لا تزال في مسار تصاعدي. هذا النمو السكاني سيزيد الطلب على الكهرباء والمياه والغذاء والخدمات، ما يعني أن القارة بحاجة إلى استراتيجيات طاقة طويلة الأمد قادرة على مواكبة هذه الديناميكيات، وهنا تبرز الطاقة النووية كحل محوري لضمان أمن الطاقة وتحقيق التنمية المستدامة.

بحلول عام 2066، من المتوقع أن يتجاوز عدد سكان أفريقيا عدد سكان الهند، في حين ستستمر الصين في مواجهة تراجع قوي في تعدادها السكاني. ومع هذا النمو السكاني السريع في أفريقيا، ستزداد احتياجات القارة من الطاقة بشكل كبير، مما يؤدي إلى أن يصبح الطلب على الطاقة في أفريقيا أعلى من نظيره في الهند ابتداءً من حوالي عام 2061، حسب البيانات التي رصدتها منصة الطاقة المتخصصة. وهذا يعكس الحاجة الملحة لتطوير مصادر طاقة مستدامة وفعالة تواكب هذا النمو المتسارع.

تمثل مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح والطاقة الحرارية الأرضية نسبة ضئيلة جدًا لا تتجاوز 2% من إجمالي إنتاج الطاقة في أفريقيا، ما يشير إلى أن التحول الكامل من الوقود الأحفوري إلى هذه المصادر النظيفة سيستغرق وقتًا طويلًا. ورغم الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها طاقة الشمس والرياح في توفير الكهرباء للمنازل، خاصة من خلال الحلول خارج الشبكة والمناطق الريفية، إلا أنها لا تفي بمتطلبات الأحمال الأساسية الضخمة التي تحتاجها القارة لتلبية احتياجات التنمية السريعة.

أما الطاقة الكهرومائية، التي تشكل حوالي 3.2% من إنتاج الطاقة في أفريقيا، فهي تواجه تحديات متزايدة بسبب تغير المناخ. فالتقلبات المناخية وسقوط الأمطار غير المنتظم يهددان استقرار هذه المصادر، كما حدث في زامبيا التي شهدت انخفاضًا حادًا في هطول الأمطار، مما أثر سلبًا في قدراتها الكهرومائية التي تعتمد عليها لتوليد 86% من الكهرباء في شبكتها الوطنية. هذا الوضع يضع بلدانًا كثيرة في مأزق ويبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستدامة في قطاع الطاقة.

الطاقة النووية في أفريقيا.. هي الحل

تجعل التحديات المتزايدة في قطاع الطاقة المتجددة والاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري الطاقة النووية خيارًا بارزًا لتعزيز أمن الطاقة في دول أفريقيا، خاصة مع تزايد الطلب على الكهرباء نتيجة النمو السكاني والتنمية الاقتصادية. وتُعتبر محطة كويبيرغ في جنوب أفريقيا هي المحطة النووية الوحيدة العاملة حاليًا في القارة، ما يعكس محدودية هذا القطاع رغم إمكانياته الكبيرة. وفي خطوة مهمة لتعزيز البنية التحتية النووية في أفريقيا، شرعت روسيا في عام 2022 ببناء أربع محطات نووية كبيرة في مدينة الضبعة غرب مصر، مخصصة لتحلية المياه وتوليد الكهرباء، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة بحلول عام 2026، بتكلفة تقارب 30 مليارات دولار، ما يعكس الاستثمارات الكبيرة التي تشهدها القارة في مجال الطاقة النووية كحل مستدام لمشاكل الطاقة.

محطة ” كويبيرغ” في جنوب أفريقيا

حتى مع التطورات والاستثمارات الحالية، ستظل الطاقة النووية تمثل أقل من 1% من إجمالي إنتاج الطاقة في أفريقيا بشكل عام. ومع ذلك، وفقًا للجمعية النووية العالمية، تُسهم الطاقة النووية بحوالي 10% من إجمالي الكهرباء المولدة في القارة، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى الاعتماد على بعض المحطات التقليدية الكبيرة مثل محطة كويبيرغ في جنوب أفريقيا. هناك نحو 60 مفاعلًا نوويًا قيد الإنشاء في أفريقيا، إضافة إلى عدد مماثل تقريبًا في مراحل التخطيط، وغالبية هذه المفاعلات هي محطات تقليدية ضخمة الحجم، مما يشير إلى نية القارة في توسيع دور الطاقة النووية رغم التحديات التي تواجهها.

أولاً: المفاعلات النووية “المعيارية” الصغيرة

تمثل المفاعلات النووية الصغيرة خيارًا مثاليًا في أفريقيا، خاصة في ظل التكلفة العالية والوقت الطويل اللازمين لبناء المحطات النووية الكبيرة التقليدية. فهذه المفاعلات الصغيرة تتيح فرصة تدريجية لتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية مثل النفط والغاز والفحم في توليد الكهرباء، مما يسهم في خفض الانبعاثات وتحسين جودة البيئة. ويُذكر أن أكثر من 600 مليون شخص في القارة السمراء يعانون نقصًا في الحصول على الكهرباء، ما يجعل الحاجة إلى حلول طاقة موثوقة وعالية الكفاءة أمرًا ملحًا. وبفضل مرونتها وحجمها المناسب، يمكن للمفاعلات النووية الصغيرة أن تلعب دورًا حيويًا في معالجة مشكلة انقطاع التيار الكهربائي، وتوفير إمدادات كهربائية أكثر استقرارًا ونظافة للملايين من السكان[2].

تتزايد فرص استخدام المفاعلات المعيارية الصغيرة في أفريقيا، نظرًا لقدرتها على توفير طاقة نووية نظيفة وموثوقة بتكلفة أقل وبمرونة تشغيلية أعلى مقارنة بالمفاعلات التقليدية. هذه المفاعلات تُعد خيارًا مثاليًا للعديد من الدول الأفريقية التي تفتقر إلى شبكات كهرباء واسعة النطاق، إذ يمكن نشرها في المناطق النائية لتوفير الطاقة وتشغيل مشروعات حيوية. ومن بين التطبيقات الواعدة المرتبطة بهذه التكنولوجيا، إزالة ملوحة مياه البحر لتوفير المياه الصالحة للشرب، وإنتاج الهيدروجين النظيف كمصدر مستقبلي للطاقة، مما يفتح آفاقًا صناعية وتنموية جديدة للقارة[3].

في هذا السياق، تُعتبر إزالة الكربون أحد الأهداف المركزية لتوسيع استخدام الطاقة النووية في أفريقيا، لما لذلك من دور في خفض الانبعاثات والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. ولكي تفي الدول الأفريقية بالتزاماتها الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، لا بد من التحرك نحو حلول طاقة منخفضة الكربون وفعالة، وعلى رأسها الطاقة النووية. هذا التوجه يُعزز من فرص القارة للاندماج في الاقتصاد العالمي الأخضر، ويمنحها أدوات حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة والانتقال العادل للطاقة.

يُعد الخيار النووي أحد الحلول الأساسية لإزالة الكربون وتلبية احتياجات المياه والطاقة والغذاء في أفريقيا، في ظل التحديات المتزايدة الناتجة عن تغير المناخ. فالتقنيات النووية لا تقتصر على توليد الكهرباء فحسب، بل تمتد لتشمل تحلية المياه، ودعم سلاسل الإمداد الغذائي، وتوفير الطاقة للمشروعات الزراعية والصناعية. ومن المهم أن ندرك أن التخفيف من آثار تغير المناخ سيتطلب كميات ضخمة من الكهرباء، وهو ما يجعل من الطاقة النووية خيارًا حيويًا يجب النظر فيه بجدية، حتى لا يؤدي الاعتماد المفرط على مصادر طاقة ملوثة إلى تفاقم الأزمات البيئية.

ومع النمو السكاني المتسارع في أفريقيا، والذي يفرض ضغوطًا إضافية على الموارد والخدمات، يصبح من الضروري إدراج الطاقة النووية ضمن النقاشات الاستراتيجية حول مستقبل القارة. فإغفال هذا الخيار قد يعني تفويت فرصة فريدة لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة، تعتمد على طاقة موثوقة ومنخفضة الانبعاثات. لذلك، يجب أن تكون الطاقة النووية جزءًا فاعلًا من الحوار الدائر الآن حول الأمن المناخي والطاقي في أفريقيا، خصوصًا في ظل الحاجة إلى حلول طويلة الأمد تتناسب مع طبيعة التحديات التي تواجه القارة[4].

يمكن الدفاع عن أفضلية المفاعلات النووية الصغيرة، حيث أنها تتيح إمكانية التوسع والانتشار بتكلفة أقل بكثير مقارنة بالمحطات النووية التقليدية الكبيرة. وأوضح أن هذه المفاعلات يمكن نشرها في أفريقيا بقدرات تتراوح بين 50 و300 ميغاواط، وهو حجم مناسب لشبكات ومرافق الكهرباء في القارة التي قد لا تتحمل الضغط الناتج عن تشغيل محطات كبيرة الحجم، والتي تشكل عبئًا ماليًا واقتصاديًا كبيرًا على الدول.

ومن ناحية أخرى، يوفر نشر المفاعلات النووية الصغيرة مرونة مالية كبيرة، حيث يمكن تطوير وتشغيل كل مفاعل بشكل مستقل مع إمكانية إنفاق منفصل على كل مشروع، مما يسهل استدامة التمويل. كما أن هذه المفاعلات تسهم في توليد كهرباء نظيفة، وتدعم إنتاج الهيدروجين النظيف، وتساعد في الصناعات المختلفة بالإضافة إلى تحلية المياه، مما يجعلها حلاً متعدد الفوائد يدعم التنمية المستدامة في أفريقيا.

ثانيًا: محطات الطاقة النووية العائمة

في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه أفريقيا، تُعد محطات الطاقة النووية العائمة خيارًا مبتكرًا وواعدًا لتوفير الكهرباء بكفاءة ومرونة، خصوصًا في المناطق الساحلية أو التي تفتقر إلى بنية تحتية متطورة. وتعمل العديد من دول القارة، بدعم من قوى عالمية كروسيا، على استكشاف إمكانات هذه التكنولوجيا لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وتعزيز التنمية المستدامة، مع تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية مثل الفحم والنفط، وتحقيق أمن طاقي أكثر استقرارًا وموثوقية.

وتسعى عدة دول أفريقية إلى إقامة محطات طاقة نووية، سواء ثابتة أو عائمة، كاستجابة استراتيجية لنقص الطاقة الذي تعاني منه القارة في ظل تحديات اقتصادية وسياسية معقدة، وأزمات جيوسياسية عالمية مستمرة تؤثر في استقرار الإمدادات وأسعار الطاقة. وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود حثيثة لإيجاد حلول فعّالة ومستدامة، تضمن توفير طاقة نظيفة وآمنة ومنخفضة التكلفة، وتقلل من التبعية للوقود الأحفوري وما يصاحبه من تقلبات في الأسعار والآثار البيئية السلبية[5].

في ظل افتقار العديد من الدول الأفريقية إلى الإمكانات المالية والتكنولوجية لبناء محطات طاقة تقليدية على البر، تبرز محطات الطاقة النووية العائمة كحل ضروري وفعّال لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة في مواجهة النقص الحاد في موارد الطاقة التقليدية. وتؤثر هذه التحديات بشكل مباشر في حياة الأفراد وقطاعات الإنتاج والصناعة، ما يؤدي إلى تراجع معدلات التنمية وارتفاع تكاليف المعيشة. ونتيجة لذلك، تتجه العديد من الدول الأفريقية نحو البحث عن حلول بديلة ومستدامة، قادرة على ضمان إمدادات طاقة موثوقة ونظيفة تدعم النمو الاقتصادي وتوفر الاحتياجات الأساسية للسكان[6].

تُعتبَر محطات الطاقة النووية العائمة الحل الأمثل لأزمة الكهرباء في أفريقيا، حيث يمكن أن تُعَد بديلا بيئيا فاعلا يُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كذلك تتيح تجاوز العقبات المرتبطة ببناء محطات طاقة نووية ثابتة، فضلا عن إمكان نقلها إلى مواقع مختلفة حسب الحاجة، مما يوفر مرونة أكبر لتلبية احتياجات الطاقة في مناطق متعددة من القارة.

مميزات محطات الطاقة النووية العائمة:

  • تمتع محطات الطاقة النووية العائمة بمرونة الانتشار

تُعد المحطات النووية العائمة تكنولوجيا متقدمة ومرنة، يمكن نشرها بسرعة في المناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لإنشاء محطات طاقة تقليدية. وتعتمد هذه المحطات على مفاعلات نووية مدمجة تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية، ويتم تشغيلها قبالة السواحل أو في الجزر والمناطق النائية غير المرتبطة بالشبكات الكهربائية الوطنية. ومن مزاياها أنها لا تتطلب دراسات جدوى جيولوجية معقدة، وتتمتع بتأثير بيئي محدود، إلى جانب إمكانية تفكيكها ونقلها بسهولة إلى مواقع متخصصة عند نهاية عمرها التشغيلي.

  • أقل تكلفة من محطات الطاقة النووية الثابتة

تُفضّل بعض الدول هذا النوع من المحطات نظرًا لانخفاض كُلفتها مقارنة بالمحطات النووية الثابتة، وسرعة تركيبها وتشغيلها. ويصل طول المفاعل العائم المصمم على شكل سفينة إلى نحو 140 مترًا، وبعرض 30 مترًا، مع عمر تشغيلي قد يمتد إلى 40  سنة.

  • السرعة في بدء التشغيل وصديقة للبيئة

مقارنة بالمحطات البرية التقليدية التي تُستخدم لأغراض مماثلة، تتميز محطات الطاقة النووية العائمة بسرعة في بدء التشغيل وتسليم الكهرباء، بفضل التقنيات المتقدمة المستخدمة فيها، مما يجعلها خيارًا جذابًا ومتناميًا في أفريقيا حيث الحاجة إلى إمدادات طاقة سريعة وموثوقة. وتكمن أهمية هذه المحطات أيضًا في كونها صديقة للبيئة، إذ تنتج كهرباء نظيفة تقلل من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير مقارنة بالمحطات المتنقلة التي تعمل بالغاز المسال أو الديزل، مما يساهم في حماية البيئة المحلية ويعزز جهود القارة في مكافحة التغير المناخي.

تحديات أمن الطاقة الأفريقي

رغم الميزات الكبيرة التي تقدمها المفاعلات النووية الصغيرة، مثل المرونة في التوسع، وانخفاض التكلفة مقارنة بالمحطات التقليدية، إلى جانب التطور المستمر في تقنيات الطاقة المتجددة، فإن هناك تحديات مهمة قد تعرقل سرعة نشر هذه الحلول في أفريقيا. من بين هذه التحديات، قضايا البنية التحتية المحدودة، المخاوف الأمنية، وصعوبات التمويل، بالإضافة إلى الحاجة لضمان سلامة التشغيل والامتثال للمعايير الدولية، مما يتطلب جهداً منظماً ومستداماً من الدول والمؤسسات المعنية.

ومن أبرز هذه التحديات هو ضرورة ضخ استثمارات كبيرة في تطوير هذه التقنيات، لا سيما في جانب تنمية المهارات البشرية التي يحتاجها تشغيل المفاعلات النووية الصغيرة بكفاءة وأمان. فبناء قاعدة من الكفاءات الفنية والتقنية المتخصصة أمر أساسي لضمان نجاح المشاريع النووية، ولتفادي المخاطر المرتبطة بالتشغيل والصيانة. وبالتالي، فإن الاستثمار في التعليم والتدريب يعد حجر الزاوية لتمكين أفريقيا من الاستفادة الكاملة من هذه التكنولوجيا الحديثة ودعم أمنها الطاقي المستدام[7].

تُجرى تجارب الطاقة النووية في الدول الأفريقية بكميات محدودة جدًا، بسبب الرقابة الدولية المشددة، خاصة من جانب الولايات المتحدة التي تراقب عن كثب أي نشاط نووي على مستوى العالم، وتفرض عقوبات صارمة على الدول التي تتجه نحو تطوير محطات نووية لأغراض غير سلمية. وفي هذا السياق، تواجه أفريقيا تحديات كبيرة، إذ تحاول الاستفادة من الطاقة النووية لأغراض سلمية وتنموية، مع تجنب الوقوع تحت طائلة الضغوط والعقوبات الدولية. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه القارة إلى تعزيز سيادتها واستقلالها، والتخلص من إرث الاستعمار والتدخلات الخارجية التي لا تزال تؤثر في خياراتها الاستراتيجية، ومنها تطوير قطاع الطاقة.

في ختام هذا الطرح، يتضح أن المفاعلات النووية الصغيرة ومحطات الطاقة العائمة لا تمثل مجرد حلول تكنولوجية مبتكرة، بل فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل مستقبل أمن الطاقة في القارة الأفريقية، لا سيما في المجتمعات النائية والمحرومة من البنية التحتية التقليدية. إن تجاوز التحديات التقنية والاقتصادية واللوجستية يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين الإرادة السياسية، والشراكات الدولية، والاستثمار في القدرات المحلية. وإذا ما تم تبني هذه الحلول بوعي ومسؤولية، فإنها قد تُحدث تحولًا جذريًا في خريطة الطاقة في أفريقيا، بما يدعم التنمية المستدامة، ويعزز الاستقلالية الاقتصادية، ويكفل العدالة في الوصول إلى الطاقة النظيفة والموثوقة لجميع المواطنين، دون استثناء.


[1] The versatile role of nuclear energy in a decarbonised future, 4th November 2024, https://2u.pw/0ACph

[2] THE ROLE OF SMALL MODULAR REACTORS IN THE ENERGY TRANSITION, Report, MAY 2023, https://2u.pw/kE4jF

[3] Lassina Zerbo, The small reactor revolution can transform African energy systems, February 20, 2025, https://2u.pw/3ui7x
[4] Peter Fabricius, Small modular reactors could reduce Africa’s energy deJficit, 31 March 2023, https://2u.pw/w6wWR
[5] Marcelle Nasr, A continental spark: floating nuclear power in Africa, 03 Jun 2025, https://2u.pw/eLmsp

 

[6] Kwame Asante , Energy breakthrough: How floating power units can change Ghana, 17 January 2025, https://2u.pw/ehVSx

 

[7] Guest Contributor, Is nuclear relevant to an African power build programme?, 17 November 2021, https://2u.pw/kCFdz