أماني ربيع
يُعرّف الصندوق العالمي للطبيعة النظام الغذائي بأنه: “المجموعة الكاملة من الأفراد والمؤسسات والأنشطة والعمليات والبنية التحتية المشاركة في إنتاج واستهلاك الغذاء لسكان معينين”.
ويؤثر النظام الغذائي على تنمية رأس المال البشري، وتوفير فرص العمل، والنمو الصناعي، والتحول الهيكلي، وخدمات النظم البيئية، وكما هو الحال في العديد من أنحاء العالم، فإن مشهد النظم الغذائية الأفريقية محفوف بالهشاشة، ويعجز عن تحقيق هذه النتائج التنموية الرئيسية.
ويُعدّ تحويل النظم الغذائية في أفريقيا ضرورةً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث يجب على أفريقيا توفير الأمن الغذائي لسكانها المتزايدين بسرعة وبشكل دائم دون التسبب في آثار خارجية سلبية بيئية واجتماعية واقتصادية، وإذا ما تم استغلالها بصورة سليمة، فإن ثروات القارة الهائلة من الأراضي الصالحة للزراعة والنظم البيئية الزراعية المتنوعة التي تزخر بالنباتات الغنية تجعل من النظم الغذائية المستدامة حلمًا قابلًا للتحقيق، بحسب موقع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”.

المحاصيل المنسية
لآلاف السنين، استخدمت المجتمعات الأصلية في جميع أنحاء أفريقيا عددًا من المحاصيل المُعدّلة محليًا في أغراض التغذية والطب والتزيين، لكن للأسف، استُبدلت العديد من هذه المحاصيل تدريجيًا بأنماط جينية مستوردة تُفضّلها الزراعة الصناعية، وقد ساهم انتشار زراعة المحصول الواحد للمحاصيل الغريبة، وتوحيد الأنظمة الغذائية بشكل متزايد، جزئيًا في الحط من قدر المحاصيل الأصلية، مما أكسبها لقب “المحاصيل المنسية”.
في الماضي، كانت المحاصيل المُكيّفة إقليميًا ” Regionally adapted crops” جزءًا أساسيًا من ثقافات أفريقيا المتنوعة وتقاليدها الغذائية، لكن تدريجيا أصبحت هذه المحاصيل منسية، وفي ظل ما تواجهه القارة السمراء من تحديات مُلحّة كالأمن الغذائي وتغير المناخ والاستدامة البيئية، تستحق هذه الكنوز نظرةً أخرى.
وتزخر الزراعة الأفريقية بإمكانيات هائلة وغير مُستغلّة يُمكنها أن تُحوّل المشهد الاجتماعي والاقتصادي للقارة، وبفضل ثرائها بالمناخات المتنوعة والتربة الخصبة، تُوفّر أفريقيا ثروةً من المحاصيل المحلية التي تُقدّم فوائد غذائية واستدامة بيئية في آنٍ واحد.
ومع تزايد الطلب العالمي على النظم الغذائية، تقف القارة على أهبة الاستعداد لاستعادة تراثها الزراعي ورسم مسار مستدام للمضي قدمًا يُعزّز تنمية رأس المال البشري، وخلق فرص العمل، والنمو الصناعي، والتحول الهيكلي، والحفاظ على النظم البيئية.


تغذية أفضل
وفي عام 2024، أطلقت (الفاو) بالتعاون مع منتدى البحوث الزراعية في أفريقيا (فارا) منشور حول مبادرة لـ “دمج الأغذية المنسية في أفريقيا من أجل تغذية أفضل”، والذي صنف نحو 100 نوع من الأطعمة المحلية مثل الباوباب والفونيو، التي تُشكّل مفتاحًا لممارسات غذائية مستدامة ومرنة.
وقال مفوموزي سوكاتي، كبير مسؤولي الأغذية والتغذية في مكتب الفاو الإقليمي لأفريقيا: “القائمة ليست شاملة، لكننا حاولنا اختيارها بناءً على إمكانية تغطيتها جغرافيًا وتوافر المعلومات الغذائية”.
وأضاف: ” تتجاوز أهمية هذه الأطعمة قيمتها الغذائية بكثير، فالطعام تعبيرٌ قوي عن الهوية الثقافية والروابط المجتمعية وحكمة الأجداد، كما أن الأطباق التقليدية ومكوناتها مشبعة بقصص ومعانٍ توارثتها الأجيال”.


شجرة الحياة
من بين الأطعمة المنسية المئة المذكورة، صنفان من الفونيو، وهو حبوب غنية بالعناصر الغذائية، تشبه الكينوا زُرعت هذه الحبوب منذ زمن طويل في غرب أفريقيا من السنغال إلى تشاد، ويزدهر الفونيو الأبيض في ظروف التربة الفقيرة، ويُعرف بسرعة نموه، بينما يُزرع الفونيو الأسود بشكل رئيسي في نيجيريا والمناطق الشمالية من توجو وبنين.
يتميز الفونيو بتعدد استخداماته في الطهي، إذ يُمكن طهي بذوره كطبق رئيسي مثل الكسكس، أو طحنه كدقيق للخبز، أو استخدامه في صنع العصيدة، وهو خالٍ من الجلوتين، مما يجعله مفضلًا لخبز مرضى السكري، أو من يعانون من حساسية الجلوتين، أو من يعانون من مرض الاضطرابات الهضمية.
ومن أبرز الثمار الموجودة ضمن التصنيف أيضا، ثمرة الباوباب، التي تُزرع في مدغشقر وتعرف بـ “شجرة الحياة”، ونظرًا لشكلها المميز، تقول أسطورة عربية إن “الشيطان اقتلع شجرة الباوباب، وغرز أغصانها في الأرض، وترك جذورها في الهواء”.
يُبجّل الباوباب لطول عمره، حيث يصل عمر بعض أشجاره إلى 1000 عام، وهي شجرة غنية بالأساطير والقيمة الغذائية، وتنمو في المناطق الأكثر جفافًا في القارة، وفاكهة الباوباب غنية بفيتامين أ ومضادات الأكسدة والألياف القابلة للذوبان، وتُستهلك بطرق متنوعة، حيث يمكن تناولها جافة كوجبة خفيفة أو مزجها بالحليب لتحضير عصيدة مغذية، توفر العناصر الغذائية الأساسية التي تدعم البصر، والصحة المناعية، والهضم.

خطوة نحو التوازن البيئي
للأسف، في أجزاء كثيرة من القارة، تم تهميش إرث الزراعة التقليدية بسبب التحول نحو المحاصيل النقدية وأساليب الزراعة المكثفة، لم يُغيّر هذا التحول المشهد فحسب، بل غيّر أيضًا النسيج الاجتماعي للمجتمعات، تقليديًا، كانت الزراعة الأفريقية مسعى جماعيًا حيث كانت المعرفة، التي غالبًا ما تمتلكها النساء، حاسمة لزراعة محاصيل متنوعة.
إن إعادة إدخال المحاصيل التي تتكيف مع هذه الأرض والمناخ، خطوة نحو التوازن البيئي، حيث تتميز هذه المحاصيل بمقاومة طبيعية للعديد من الآفات والأمراض المحلية، وهي تتكيف تمامًا مع مناخ وتربة موطنها الأصلي، وتتطلب مدخلات زراعية أقل من نظيراتها المستوردة، وبزراعتها، يمكن للمزارعين تقليل اعتمادهم على المبيدات والأسمدة الكيميائية، مما يعزز التنوع البيولوجي ويحافظ على صحة التربة.
يمثل مسار إعادة اكتشاف الأغذية التقليدية في أفريقيا تحولًا حيويًا نحو تعزيز تجارة الأغذية المحلية، حيث تتحكم المجتمعات في نظمها الزراعية الغذائية الخاصة، بدءًا من البذور التي تزرعها وصولًا إلى المحاصيل التي تحصدها وتستهلكها.
يُعد هذا التركيز على التجارة أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق المعرضة لتقلبات السوق وتأثيرات المناخ، إذ يمكن أن يعزز فرص العمل الجديدة، ويزيد الإنتاج، ويضيف قيمة للوصول إلى أسواق جديدة.
من الأسواق المحلية المزدحمة حيث تستعيد هذه الأطعمة مكانتها، إلى المطابخ حيث تتحول إلى أطباق عصرية، فإن انتعاش الأطعمة التقليدية لا يقتصر على مجرد تناول الطعام، بل يشمل الحفاظ على التراث، واستدامة البيئة، وتمكين المجتمعات. إنها حركة تتشابك فيها أهداف الحفاظ على التراث، والأمن الغذائي، والاستدامة البيئية.










