كتب – كرم سعيد
خبير في الشئون الإقليمية
أجرى إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي جولة أفريقية خلال الفترة من 20 إلى 24 نوفمبر 2025، شملت موريشيوس وجنوب أفريقيا، إضافة إلى الجابون وأنجولا، بما في ذلك حضوره قمة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا. ويسعى ماكرون إلى فتح صفحة جديدة مع القارة الأفريقية بعد سنوات من التآكل اللافت للنفوذ في المستعمرات الفرنسية القديمة، والذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل والصحراء، وانعطافة الأخيرة باتجاه قوى دولية وإقليمية مغايرة، من بينها الصين وروسيا وتركيا.
كما استهدف ماكرون من خلال تلك الجولة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع أفريقيا، خاصةً أنها تأتي بعد بدء باريس تبني استراتيجية جديدة ترتكز على التوجه نحو إعلاء المصالح الاقتصادية والتنموية المشتركة، إضافة إلى تقديم عروض استثمار في مجالات الزراعة والصحة والخدمات الرقمية، وهي مجالات تحتاجها العديد من الدول الأفريقية، وتعتبر منافسة للصين وتركيا وروسيا، التي تهيمن على مشروعات البنية التحتية.
بالتوازي عززت فرنسا الشراكات الأمنية مع أفريقيا، والتي تزامنت مع خطاب سياسي مغاير يؤكد على ضرورة اعتماد علاقات ندية ومتوازنة، تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل بدل العلاقة الرأسية القديمة. وفي خطاب له عام 2023، قال ماكرون صراحة “إن على فرنسا أن تنظر لأفريقيا كشريك تجمعه مصالح ومسؤوليات مشتركة، وليس كساحة نفوذ تتنافس فيها القوى. ويعكس هذا الاعتراف إدراك باريس أن الزمن قد تغيَّر، وأن حفاظها على مصالحها الاستراتيجية يتطلب تغيير الأسلوب الفوقي، ومن خلال تمكين الحلفاء الأفارقة وإشراكهم في تحمُّل عبء الأمن الإقليمي.
مغزى التوقيت
تكتسب هذه الزيارة أهميتها من دلالات التوقيت التي جرت فيه. وتتمثل أبرز هذه الدلالات في الآتي:
1 – عودة الاهتمام الفرنسي بالقارة الأفريقية: تبَّنت فرنسا في الآونة الأخيرة توجه غير تقليدي في استراتيجيتها تجاه أفريقيا، وذلك من خلال تعزيز الشراكة الاستراتيجية، واستبدال دورها الأمني المباشر بنهج يكرس المعاملات المتزنة، وذلك عقب تراجع الاعتماد الأفريقي على الجانب الفرنسي، وتفضيل الشراكات الأمنية مع روسيا، والصين وتركيا وإيران. وتُولي باريس أهمية كبيرة لأفريقيا، وذلك في إطار محاولة استعادة مصالحها الأمنية والجيوسياسية في المنطقة. وفي هذا السياق، جاءت جولة الرئيس ماكرون الأفريقية الأخيرة، بهدف استعادة الزخم الفرنسي. وتعكس الجولة أجندة سياسية جديدة ومختلفة عما قبل؛ حيث يولي ماكرون أهمية كبيرة لتأسيس آلية للحوار والتنسيق مع الدول الأفريقية من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية.
2 – عودة الحضور الأوروبي لأفريقيا: تزامنت جولة ماكرون مع قمة أفريقية أوروبية استضافتها أنجولا في 24 نوفمبر 2025، لتعزيز العلاقات التجارية ومناقشة قضايا الهجرة والمعادن الإستراتيجية، وشارك في هذا القمة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الكيني ويليام روتو ورئيس جنوب أفريقيا.
3 – تعزيز التحالف مع الدول الناطقة بالإنجليزية: تبنى ماكرون منذ وصوله للرئاسة استراتيجية تنويع الحلفاء مع دول القارة السمراء، عبر التوجه نحو دول لم تستعمرها فرنسا من قبل، بهدف بناء علاقات خالية من الإرث الاستعماري، والاستفادة من الفرص الاقتصادية الكبرى في أفريقيا الناطقة بالإنجليزية والبرتغالية، فعلى سبيل المثال زار في السنوات الماضية غانا ونيجيريا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وجنوب أفريقيا بالإضافة إلى أنجولا التي ارتفع حجم التبادل التجاري معها إلى نحو 27 في المئة خلال السنوات الأخيرة.
4 – تراجع حجم المبادلات التجارية مع أفريقيا: جاءت زيارة ماكرون في ظل تصاعد قلق باريس من انخفاض حجم المبادلات التجارية مع أفريقيا، حيث انخفضت حصة فرنسا من التجارة الأفريقية من 5.5 في المئة إلى 3.2 في المئة بنهاية العام 2024، ما يكشف اتساع الهوة بين الخطاب والواقع، وأن المقاربات المغايرة التي يروج لها ماكرون ما زالت بحاجة إلى مزيد من الجهد.
5 – تحييد الضغوط: تزامنت لا تنفصل زيارة ماكرون إلى جنوب أفريقيا والجابون عن التطورات المحلية والدولية التي تواجه البلدين، فبينما يسعى الرئيس الجابوني لتوسيع التعاون التجاري مع باريس، بهدف تحييد الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد، والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، إذ حذر البنك الدولي في تقرير الصادر في سبتمبر 2025، من أن الاقتصاد الجابوني مقبل على مرحلة تباطؤ خلال الفترة من 2025 وحتى 2027، متوقعًا أن يسجل معدل نمو سنوي لا يتجاوز 2.4 في المئة.
في المقابل، تُمثل زيارة ماكرون فرصة لجنوب أفريقيا لمواجهة الضغوط الأمريكية، بعد أن دخلت العلاقة مع إدارة ترامب مرحلة الشحن، وتجلَّى ذلك في إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مارس 2025 طرد سفير جنوب أفريقيا لدى الولايات المتحدة إبراهيم رسول، إضافة إلى وقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا؛ وذلك نتيجة ملاحقة بريتوريا لإسرائيل وتقديمها دعوى ضدها أمام المحكمة الجنائية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وعلى إثر ذلك هاجم ترامب سياسة جنوب أفريقيا الخارجية. وسبق أن تقدمت جنوب أفريقيا بدعوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي في ديسمبر 2023، اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، في حين أمرت المحكمة بعد النظر في الدعوى في يناير 2024، بمنع إسرائيل من ارتكاب أعمال تدخل في اتفاقية منع الإبادة الجماعية ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية، بجانب أنها قدمت طلباً عاجلاً في 24 مايو2024 إلى محكمة العدل الدولية، وحينها أصدرت المحكمة قراراً يُلزم إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في رفح، وفتح كل المعابر البرية للقطاع، ولا سيما معبر رفح، وقد جعلت كل هذه المواقف علاقاتها مع الغرب، وخاصةً الولايات المتحدة، على المحك.
6 – تزايد الدعاية المضادة للولايات المتحدة في أفريقيا: تواجه الولايات المتحدة، خلال الفترة الأخيرة، موجة واسعة من حملات التشويه لصورتها، وخاصة بعد العقوبات التي فرضها ترامب على دول القارة في شكل رفع الرسوم الجمركية على صادرات تلك الدول لبلاده، وهو ما أثار حالة من الاستياء لدى الدول الأفريقية، وهو ما يمثل فرصة لفرنسا لتعزيز نفوذها على الساحة الأفريقية على حساب الولايات المتحدة، وبالتالي توفير بيئة خصبة لاستعادة المصالح الاستراتيجية الفرنسية في القارة.
7 – زيادة وتيرة التنافس الدولي في أفريقيا: فقد أضحت مسرحاً واسعاً يتكالب عليه العديد من القوى الدولية والإقليمية؛ لأهداف مختلفة، على رأسها خلق النفوذ الذي يسهل الوصول إلى المزيد من الموارد والثروات الطبيعية الأفريقية، وبخاصة المعادن النادرة. وعلى ضوء ذلك، تسعى فرنسا في ظل اتساع هامش التوتر مع واشنطن، وغياب التنسيق مع الصين نحو المسارعة لاستعادة حضورها عبر العديد من الأدوات والمحفزات لتعزيز الحضور والنفوذ هناك.
دوافع متنوعة
ثمة جملة من الدوافع المحركة لباريس نحو إعادة تشكيل حضورها في أفريقيا خلال الفترات المقبلة، وتتمثل هذه الدوافع فيما يلي:
1 – تعويض التراجع: تسعى باريس إلى تعويض التراجع الحاصل في الدور الفرنسي على الساحة الأفريقية، وهو ما تبلور في انسحاب القوات الفرنسية من دول غرب أفريقيا. وكانت فرنسا قد تعرضت لضربة قوية في دول الساحل والصحراء خلال الأعوام الثلاثة الماضية، على خلفية موجة الانقلابات التي عرفتها منطقة الساحل والصحراء في غرب أفريقيا، والتي أنتجت حكومات عسكرية عملت على قلب موازين العلاقات الدبلوماسية والأمنية مع باريس، حيث كرس قادة تحالف دول الساحل الذي يضم (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) نمطا جديدا يقوم على “الانسحاب والطرد” للقوات الفرنسية الموجودة على أراضيها مقابل إنساء تحالفا خاصا بها.
بيد أن إدارة ماكرون قد أدركت حاجتها الملحة للقارة في ملفات مختلفة على رأسها الطاقة، والمعادن وصولاً إلى ضرورة إعادة الالتزامات الأمنية من أجل عدم ترك فراغ استراتيجي للقوى المتوسطة أو الكبرى المنافسة لفرنسا في أفريقيا.
2 – تكريس سياسة “الخيارات البديلة: حرص ماكرونعلى استثمار الزيارة من أجل تأكيد نجاحه في توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمامه في القارة الأفريقية، وإثبات قدرة باريس على تعويض معاقل النفوذ التاريخية في المستعمرات القديمة الناطقة بالفرنسية في غرب أفريقيا، والتي أدارت ظهرها لفرنسا، إثر انقلابات جرت بين 2021 و2023، وذلك من خلال بناء تحالفات جديدة مع الدول الأفريقية الناطقة بالإنجليزية.
وكانت الدلالة الأبرز على ذلك هو توقيع الرئيس الفرنسي سلسلة اتفاقات تعاون مع الدول الأربعة، تشمل الطاقة المتجددة وإدارة المياه والتعليم والأمن البحري، ومكافحة الجرائم غير التقليدية. وهنا، فإن رسالة باريس واضحة ومفادها أنها لا تعول كثيراً على استعادة نفوذها التقليدي في غرب أفريقيا، بقدر ما تسعى إلى فتح دوائر جديدة، وبناء تحالفات مغايرة.
3 – رغبة ماكرون في إعادة ضبط العلاقات مع أفريقيا: بعد الخروج الفرنسي من دول الساحل والصحراء، تأثرت العلاقات بين باريس وقطاع واسهع من الدول الأفريقية الاتحاد بشكل كبير، ولذلك جاءت زيارة ماكرون إلى موريشيوس وجنوب أفريقيا والجابون وأنجولا، كجزء من استراتيجيته لإعادة بناء العلاقات الفرنسية الأفريقية، وإعادة توجيه السياسة الخارجية الفرنسية، في إطار الروابط العميقة التي تربطها مع أفريقيا.
كما تستهدف الزيارة إيصال رسالة فرنسية إلى دول غرب أفريقيا، مفادها أن فرنسا باتت تتبنى مقاربة جديدة تعتمد على بناء شراكات متوازية، وعلاقات مصلحية، وسياسة “رابح رابح”، وذلك في إطار الرغبة في تبدبد الصورة الذهنية لفرنسا في مجتمعات غرب أفريقيا، والتأكيد على أن هذا التحول في السياسات الفرنسية يسعى لتحقيق تعاون أعمق في مجالات أخرى، مثل الاقتصاد والدفاع والثقافة.
وتجدر الإشارة إلى أن وزيرة الثقافة، رشيدة داتي، قدمت في أغسطس 2025 مشروع قانون جديد للحكومة الفرنسية يسمح بتسريع إعادة التراث الأفريقي دون موافقة برلمانية، ويعتبر القانون جزءًا من التزام أوسع نطاقًا قطعه الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2017 لإعادة التراث الأفريقي. كما يهدف مشروع القانون إلى تبسيط الإجراءات الحالية لإعادة الممتلكات الثقافية التي تم الحصول عليها بشكل غير قانوني؛ سواءً سُرقت أو نُهبت أو أُخذت بالعنف بين عامي 1815 و1972 خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
4 – بناء شراكات جديدة: في رؤية باريس، فإن القارة الأفريقية تمتلكمقومات اقتصادية مهمة، إذ تستحوذ على أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى العالم فضلاً عن أن القارة التي يصل عدد سكانها إلى نحو 1,4 مليار نسمة من بينهم نحو 65 بالمئة يُمثِّلون قاعدة شبابية، دون سن الخامسة والعشرين، بما يجعلها سوقًا مستقبلية واعدة لسوق العمل. كما تعتبر القارة مركزًا للثروات الطبيعية، إذ تختزن أفريقيا في باطن أرضها 40% من ذهب العالم، و90% من معدن الكروم والبلاتين، فضلًا عن احتياطيات الماس واليورانيوم والمياه العذبة.
على ضوء ذلك، فإن هذه الثروات تُمثل محركاً مهماً للسياسة الفرنسية تجاه القارة، وهو ما يفسر حرص الرئيس ماكرون على بناء شراكات اقتصادية جديدة مع العديد من دول القارة، وكان لافتاً، هنا، زيارات ماكرون المتتابعة للقارة خلال الأعوام الثالثة الماضية، فإضافة إلى الجولة الأخيرة، زار ماكرون في مارس 2023 أربع دول هي: الجابون وأنجولا، والكونغو، والكونغو الديمقراطية. كما قام 20 ديسمبر 2024 بجولة إلى منظقة القرن الأفريقي، شملت جيبوتي وإثيوبيا.
5 – موازنة نفوذ الخصوم: يشكّل تنامى نفوذ الخصوم الدوليين والإقليميين، وبخاصة روسيا والصين وتركيا وإيران فى القارة الأفريقية خَصْمًا من الوجود الفرنسي، ففي مقابل انسحاب بعض الدول الأفريقية من المنظمات المدعومة فرنسيًّا، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”، والمنظمة الدولية الفرانكوفونية، نجحت روسيا في تعزيز نفوذها في غرب أفريقيا على حساب فرنسا، وكان لافتاً، هنا، مشاركة موسكو في مشاريع كبرى تتعلق بتطوير السكك الحديدية، وشبكات الاتصالات، والصناعات المحلية.
كما تلعب دورًا رئيسيًا في تزويد هذه الدول بالحبوب والمنتجات الزراعية التي تعتبر عنصرًا هامًا للأمن الغذائي في المنطقة والقارة عمومًا، فى حين تسعى الصين إلى إقامة علاقات مع الدول الأفريقية من خلال دعم جهود التنمية داخلها، وذلك من خلال المساعدة فى تشييد البنية التحتية ومد الطرق وإنشاء الكباري، والمساهمة فى بناء المستشفيات، وصولًا لتوسيع استثمارات الشركات الصينية في أفريقيا فى مختلف المجالات. الأمر الذى دفع بالتعاون الصيني الأفريقي إلى آفاق واعدة. وبالتوازي، نجحت تركيا وإيران في تحقيق اختراقات واسعة داخل القارة من خلال تعزيز التعاون الأمني والعسكري والثقافي، وهو ما ساهم في تآكل النفوذ الفرنسي في عموم القارة.
نتائج رئيسية
تناولت الزيارة مناقشات موسعة بين ماكرون وقيادات البلاد الأفريقية الأربع حول مجموعة من القضايا، ويُمكن تناول أبرز نتائج هذه الزيارة كما يلي:
1 – إظهار أهمية العلاقات الفرنسية– الأفريقية: خلال لقاء ماكرون مع قادة موريشوس وجنوب أفريقيا والجابون، أشاد الرئيس ماكرون بالعلاقات الوثيقة بين أفريقيا وفرنسا، واصفاً جولته بأنها محل اهتمام لدى الدوائر الفرنسية، كما استغل جولته لتأكيد مدى متانة العلاقات مع القارة الأفريقية، مصرحاً بأن فرنسا تراهن على بناء علاقات متجددة مع أفريقيا.
2 – تأكيد التعاون مع أنجولا في مجال الطاقة والمعادن: تعمل فرنسا على تطوير التعاون بمجالات الطاقة مع كافة الدول الأفريقية لمعالجة افتقارها لموارد الطاقة والمعادن، وقد اتفق ماكرون مع أنجولا على التعاون في مجالات الطاقة واستخراج المعادن النادرة فضلاً عن تعزيز الابتكار في مجال تكنولوجيا الطاقة النظيفة.
3 – مكافحة الهجرة غير الشرعية: كانت الهجرة غير الشرعية موضوعاً رئيسياً في محادثات ماكرون خلال جولته الأفريقية الأخيرة، حيث لا تزال تواجه فرنسا تحديات كبيرة في هذا الصدد؛ وهو ما يفسر اتفاق ماكرون مع قادة موريشيوس والجابون وجنوب أفريقيا على تطوير خطة عمل مشتركة لمواجهة هذه الظاهرة، مع التركيز على تعزيز التعاون الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بشبكات تهريب البشر، ولا سيما اتخاذ تدابير أكثر صرامة في المناطق البحرية. وتعي فرنسا أن أن هذه القضية تحتاج إلى معالجة مشتركة مع الدول الأفريقية، لضمان تقليص تدفق المهاجرين غير الشرعيين.
4 – طرح إمكانيات التنسيق لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية: أثار الرئيس الفرنسي قضية الممارسات التجارية الأمريكية، وبخاصة الرسوم الجمركية، وذلك من خلال التأكيد على التنسيق الاقتصادي والتجاري مع دول القارة الأفريقية.
5 – إظهار حيوية العلاقات مع جنوب أفريقيا: بجانب البعد الدبلوماسي والتاريخي للعلاقات مع جنوب أفريقيا، سعت زيارة ماكرون إلى بريتوريا إلى تمتين الروابط الاقتصادية والثقافية بين البلدين، وظهر ذلك في إطلاق ماكرون مجلس أعمال مشتركًا بين باريس وبريتوريا، على غرار المجلس القائم مع نيجيريا، في إطار مساعيه لتعزيز الروابط الاقتصادية. كما حملت الزيارة أيضًا بُعدًا تاريخيًا، بعد وضع ماكرون إكليلا في النصب التذكاري لمكافحة الفصل العنصري في بريتوريا.
6 – توسيع العلاقات مع موريشيوس: أسفرت زيارة ماكرون إلى موريشيوس عن دعم العلاقات الثنائية بين البلدين، وكان لافتاً، هنا، أن زيارة ماكرون تعد الأولى من نوعها لرئيس فرنسي منذ العام 1993، كما أسفرت الزيارة عن الاتفاق بشأن إنشاء “أكاديمية المحيط الهندي” في لاريونيون لتدريب الكوادر في مجالات الأمن، وستكون مفتوحة أمام الدول المجاورة. كما افتتح ماكرون موقع السفارة الفرنسية الجديدة في العاصمة بورت لويس، في خطوة تعكس رغبة باريس في إعادة إحياء العلاقات الثنائية التي وصفها رئيس وزراء موريشيوس بأنها “أُهملت” خلال العقد الماضي.
وتشير العديد من التقديرات، إلى أن التوجه الفرنسي ناحية موريشيوس أصبح ضرورة ملحة، إذ تتصف سواحل موريشيوس المطلة على المحيط الهندي -وفق المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات- بالأولوية والأهمية الإستراتيجية لباريس التي تعتبرها إحدى المناطق التي تشكل مسرحًا لتوترات دولية متنامية بين بكين وواشنطن، وهو ما دفع فرنسا إلى تعزيز وجودها فيها من خلال بناء شراكات متزايدة مع دول مثل موريشيوس، وكذلك كينيا وتنزانيا.
ويُشار إلى أن ثمة مناورات تجمع بين القوات المسلحة الفرنسية في المنطقة الجنوبية للمحيط الهندي (FAZSOI) وخفر السواحل في موريشيوس، في ظل تصاعد أنشطة التهريب في البحر، وبخاصة المخدرات والصيد غير المشروع والهجرة غير النظامية.
7 – دعم المرحلة الانتقالية في الجابون: أشاد الرئيس ماكرون باكتمال المرحلة الانتقالية في الجابون، كما أكد على “دعمه للسلطات الجديدة خلال لقائه نظيره الجابوني “أنجامينا” الذي وصل إلى السلطة بعد انتخابه في سبتمبر 2025، وكان ماكرون أول رئيس يزور الجابون عقب انتخاب أنجيما.
خلاصة القول، شكّلت جولة ماكرون الأفريقية إلى موريشيوس وجنوب أفريقيا والجابون وأنجولا جزءاً من جهوده لتعزيز العلاقات الفرنسية الأفريقية، وتحسين الصورة النمطية لبلاده، خاصة بعد تراجع نفوذ باريس في مستعمراتها التقليدية غرب أفريقيا. وسعى ماكرون من خلال هذه الجولة إلى تعزيز جهود بلاده لاحتواء صورة فرنسا في أفريقيا من خلال إطلاق خطاب داعم لمصالح الأفارقة، والتعويل على الأوراق الاقتصادية والأمنية، ضماناً لاستعادة الحضور الفرنسي، إضافة إلى ضخ دماء جديدة في الشراكات الاقتصادية المتعلقة بمشروعات الطاقة بجانب معالجة قضايا الهجرة غير الشرعية.
المصادر





