آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية وتداعياتها على الاقتصادات الأفريقية (2026–2035)

مارس 25, 2026

كتبت – شيماء هشام سعد زغلول

باحثة سياسية

تُسهم القارة الأفريقية بأسرها في الانبعاثات الكربونية العالمية بنسبة لا تتجاوز 3.8%، غير أنها صارت مُطالَبة بدءًا من يناير 2026 بتحمّل تكاليف آلية كربونية أوروبية قد تستنزف ما يزيد على 9.2 مليار دولار من صادراتها تراكميًا بحلول 2035 .[1] ويكمن التناقض الجوهري الذي تقف عنده هذه الدراسة في أن الاتحاد الأوروبي يُقدّم آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) بوصفها إجراءً مناخيًا يرمي إلى تصحيح تحريف السوق الناجم عن تفاوت تكاليف الكربون بين المنتجين، تجد الاقتصادات الأفريقية نفسها أمام عائق تجاري جديد يُحمّلها أعباءً لا تتناسب مع أي معيار من معايير المسؤولية التاريخية أو القدرة الاقتصادية. كما أن هذا التناقض ليس طارئًا ولا عرضيًا، بل هو انعكاس لتحوّل بنيوي أعمق في أدوات السياسة التجارية الدولية؛ إذ لم تعد الحمائية تتحصن بالتعريفات الجمركية أو الحصص الكمية؛ بل باتت تستعير خطاب المعايير البيئية والاجتماعية والتقنية أداةً لإقامة حواجز دخول أكثر متانةً وأصعب مراسًا.

وداخل هذا الإطار، يقف الاقتصاد الأفريقي في الموضع الأشد اضطرابًا؛ فالاتحاد الأوروبي يستقبل نحو 28% من إجمالي الصادرات الأفريقية وفق بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024، [2]والقطاعات التي تستهدفها CBAM تُمثّل ما يزيد على 10.6 مليار دولار من الصادرات الأفريقية السنوية. [3]ومع ذلك، تفتقر أكثر من 85% من الدول الأفريقية إلى منظومات قياس الكربون الكافية للوفاء بمتطلبات الامتثال التقني للآلية.[4]وتعني هذه الأرقام مجتمعةً أن CBAM تُصيب بالضبط النقطة التي تتقاطع فيها هشاشة البنية المؤسسية الأفريقية مع اعتمادها على السوق الأوروبية، وهو ما يجعل أثرها في حق أفريقيا أشد مما يُبرره أي هدف مناخي.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن آلية CBAM تنطوي في بنيتها التنظيمية الراهنة على وظيفة مزدوجة غير معلنة: فهي تعمل في آنٍ واحد بوصفها أداةً مناخية وأداةً حمائية، وتتوزّع تكاليف هذه الوظيفة المزدوجة بصورة غير متكافئة على حساب الاقتصادات الأفريقية التي تجمع بين ثلاثة عوامل مُفاقِمة وهي ضآلة مساهمتها في الانبعاثات، وعمق اعتمادها على تصدير السلع الصناعية كثيفة الكربون، وهشاشة قدراتها على الامتثال التقني والمؤسسي.

المشكلة البحثية:

تنطلق إشكالية هذه الدراسة من تناقض جوهري يكشف عنه الواقع الراهن؛ فبينما يُقدّم الاتحاد الأوروبي آلية CBAM بوصفها أداةً لحماية المناخ وإرساء تكافؤ تنافسي عادل بين المنتجين داخل السوق الأوروبية وخارجها، تجد الدول الأفريقية نفسها أمام عائق تجاري جديد يُثقل صادراتها دون أن تكون قد أسهمت تاريخيًا في التسبب في الأزمة المناخية التي يزعم الاتحاد أنه يعالجها. ويزداد هذا التناقض حدةً حين يُلاحَظ أن الآلية بصيغتها الراهنة لا تنطوي على استثناءات صريحة للدول الأقل نموًا، ولا على آليات تعويضية كافية للاقتصادات التي لا تملك قدرات الامتثال التقني والمؤسسي اللازمة، مما يُحوّل الآلية من أداة مناخية نظرية إلى قيد تنموي فعلي.

ومن هنا، تسعى الدراسة إلى الإجابة عن التساؤل البحثي ويكون مفاده لماذا تُشكّل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) في صيغتها الراهنة تهديدًا بنيويًا لمسارات التصنيع والتجارة الأفريقية خلال الفترة 2026–2035، وما الآليات الداخلية والخارجية التي تتوسط هذا التأثير وتُحدد مساراته؟

التساؤلات الفرعية:

  1. لماذا تعجز الدول الأفريقية عن الامتثال لمتطلبات CBAM الإجرائية والتقنية في المدى القصير، وما الفجوات البنيوية التي تُفسّر ذلك؟
  2. لماذا تتفاوت درجة التأثر بالآلية بين الدول الأفريقية، وما المتغيرات الهيكلية التي تُحدد هذا التفاوت؟
  3.  لماذا لم تُفضِ الاعتراضات الأفريقية الرسمية حتى الآن إلى تعديلات جوهرية في تصميم الآلية؟
  4.  لماذا يتعذّر توصيف CBAM بوصفها أداةً مناخية خالصة، وما المؤشرات التي تكشف عن بُعدها الحمائي؟
  5. لماذا قد تُقيّد الآلية مستقبل التصنيع الأفريقي حتى في ظل سيناريوهات التكيّف والتحديث؟

أولًا: البنية التنظيمية لآلية CBAM وجداولها الزمنية ومتطلبات الامتثال:

صدرت آلية CBAM رسميًا بموجب اللائحة الأوروبية رقم 2023/956 المنشورة في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي في مايو 2023، لتُشكّل الركيزة الثالثة في منظومة السياسة المناخية الأوروبية إلى جانب نظام تداول الانبعاثات (ETS) وحزمة “Fit for 55” الرامية إلى خفض انبعاثات الاتحاد بنسبة 55% بحلول 2030 قياسًا بمستويات عام 1990. [5]وتسير الآلية وفق جدول زمني ثلاثي المراحل: تبدأ بمرحلة انتقالية ممتدة من أكتوبر 2023 حتى ديسمبر 2025 تقتصر على التبليغ والتوثيق، ثم مرحلة تطبيق جزئي تبدأ في يناير 2026 حين يتعيّن على المستوردين شراء شهادات الكربون عن نسبة متصاعدة من الانبعاثات المُدمجة تبدأ بـ2.5% وترتفع تدريجيًا، وصولًا إلى مرحلة التطبيق الكامل في يناير 2034 حين يُلغَى الإعفاء الكامل ويُطبَّق نظام شهادات الكربون على 100% من الانبعاثات المُدمجة.[6]

وتُقدِّرُ المفوضية الأوروبية أن الآلية ستُولّد إيرادات تتراوح بين 1 و3 مليارات يورو سنويًا في مرحلتها الأولى، ترتفع إلى ما بين 5 و14 مليارًا عند التطبيق الكامل، وذلك وفق سيناريوهات سعر الكربون في ETS غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في الرسوم ذاتها، بل في منظومة الامتثال الإجرائي التي تستلزم من المصدّرين الأجانب توثيقَ ما يُعرف بـ ” الانبعاثات المُدمجة” (Embedded Emissions) في كل وحدة إنتاج بدقة منهجية عالية. ويتطلب ذلك امتلاك منظومات إحصائية دقيقة على مستوى المنشأة، وكفاءات تقنية في قياس البصمة الكربونية، وجهات توثيق معتمدة أوروبيًا، وهي شروط تُشير بيانات البنك الدولي إلى أن أقل من 15% من الدول الأفريقية تمتلك ما يُعادلها.[7]

ثانيًا: القطاعات الصناعية الأفريقية المعرّضة لتأثيرات الآلية وحجم التجارة في خطر:

تُقدّر بيانات الأونكتاد الصادرة عام 2024 أن إجمالي الصادرات الأفريقية المندرجة ضمن القطاعات الست التي تستهدفها CBAM بلغت في عام 2023 نحو 10.6 مليار دولار، تتوزع على النحو الآتي: 3.8 مليار دولار من الحديد والصلب، و2.1 مليار دولار من الألومنيوم، و1.9 مليار دولار من الأسمنت ومواد البناء، و1.4 مليار دولار من الأسمدة، فضلًا عن صادرات الكهرباء والهيدروجين التي لا تزال في مراحلها الأولى.[8] وتبرزُ في هذا السياق ثلاثة قطاعات بوصفها الأكثر عرضةً للتأثير المباشر والأشد خطورةً على الاقتصادات الأفريقية:

أولها قطاع الحديد والصلب، الذي يُهيمن عليه عدد محدود من الدول في مقدمتها جنوب أفريقيا ومصر والمغرب. وفي الحالة الجنوب أفريقية تحديدًا، يُمثّل الاتحاد الأوروبي وجهةً لنحو 23% من صادرات الحديد والصلب، وتُقدّر تكاليف الامتثال الإضافية بما بين 35 و50 دولارًا للطن الواحد وفق تقديرات مجلس الأعمال الأفريقي-الأوروبي لعام 2024، بما يرفع العبء الإجمالي على هذا القطاع وحده إلى ما يزيد على 400 مليون دولار سنويًا في المرحلة الأولى من التطبيق الكامل.

ثانيها قطاع الأسمدة، حيث تتشابك أبعاد الإشكالية بصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ يرتبط هذا القطاع ارتباطًا عضويًا بمسألة الأمن الغذائي الأفريقي، وتُنتَج فيه الأسمدة النيتروجينية -الأعلى انبعاثًا- بأسعار تنافسية تجعل تصديرها نحو أوروبا ممكنًا تجاريًا. وتُشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2024 إلى أن أكثر من 60% من صغار المزارعين في أفريقيا جنوب الصحراء يعتمدون على الأسمدة النيتروجينية، مما يعني أن أي تراجع في جاذبية إنتاجها للتصدير سيُضعف الحوافز الاستثمارية في التوسع الإنتاجي وينعكس على أسعار الأسمدة المحلية.[9]

ثالثها قطاع الألومنيوم، الذي تُجسّد فيه الحالة الموزمبيقية نموذجًا بالغ الدلالة؛ إذ تُصدّر مصهرة موزال (Mozal) -أكبر منشأة لإنتاج الألومنيوم في القارة- نحو 70% من إنتاجها نحو الأسواق الأوروبية، وتُقدّر التكاليف الإضافية الناجمة عن CBAM بما بين 80 و120 مليون دولار سنويًا للمنشأة الواحدة، وهو رقم قد يُعرّض جدواها الاقتصادية للاهتزاز.[10]

جدول يوضح القطاعات الأفريقية المستهدفة بـ CBAM وحجم الصادرات في خطر (2023)

القطاعحجم الصادرات الأفريقية (2023)الدول الأكثر تأثرًاالتكلفة الإضافية المتوقعةدرجة الخطر على أفريقيامستوى الأولوية
الحديد والصلب3.8 مليار $جنوب أفريقيا، مصر، المغرب35–50 $ / طن (+400 م.$ لجنوب أفريقيا)بالغ●●●●
الألومنيوم2.1 مليار $موزمبيق (Mozal)البحرين، مصر80–120 م.$ / منشأة (موزمبيق نموذجًا (بالغ●●●●
الأسمنت ومواد البناء1.9 مليار $المغرب، إثيوبيا، نيجيريامتوسط التأثير (أسواق إقليمية أساسًا (متوسط●●●○
الأسمدة1.4 مليار $مصر، المغرب، جنوب أفريقيامرتفع نسبيًا (ارتباط بالأمن الغذائي (بالغ●●●●
الكهرباءناشئإثيوبيا، ناميبيا (مستقبلًا)غير محدد (مراحل أولى (منخفض●●○○
الهيدروجينناشئجنوب أفريقيا، المغرب (مستقبلًا)غير محدد (مراحل أولى (منخفض●●○○
الإجمالي10.6 مليار دولار — الصادرات الأفريقية المستهدفة بـCBAM عام 2023
ملاحظة: ●●●● = خطر بالغ مباشر؛ ●●●○ = خطر مرتفع؛ ●●○○ = خطر متوسط/ناشئ. الأرقام من UNCTAD 2024 وتشمل القطاعات الست المدرجة في اللائحة 2023/956.

   Source: UNCTAD, Trade and Development Report 2024 (Geneva: United Nations, 2024), pp. 44            

ثالثًا: التفاوت في درجة التأثر بين الدول الأفريقية وفق مستوياتها التصنيعية:

لا يتوزّع التأثير بالتساوي على الدول الأفريقية الأربع والخمسين، بل تتشكّل مستوياته وفق مصفوفة من المتغيرات الهيكلية يمكن تحديد أبرزها في ثلاثة: درجة التنويع الاقتصادي، ونسبة الصادرات الصناعية الموجّهة نحو السوق الأوروبية، ومدى توافر بنية تحتية للبيانات الكربونية على مستوى المنشآت. وانطلاقًا من هذه المتغيرات، يمكن تصنيف الدول الأفريقية في ثلاث مجموعات متمايزة: المجموعة الأولى وتضم الدول المُصنّعة ذات الاندماج الأعمق في السلاسل الصناعية الأوروبية كجنوب أفريقيا ومصر والمغرب والجزائر وموزمبيق، وهي الأكثر تأثرًا في المدى القصير نظرًا لاعتماد صادراتها على قطاعات CBAM مباشرةً. والمجموعة الثانية وتضم الدول ذات الطموحات التصنيعية الناشئة كإثيوبيا وتنزانيا ورواندا وغانا، التي قد تواجه تأثيرًا غير مباشر يتمثل في تراجع جاذبيتها للاستثمار الصناعي الأجنبي الساعي إلى الاستفادة من تكاليف العمالة المنخفضة دون أن يتكبّد رسوم الكربون عند التصدير لأوروبا. والمجموعة الثالثة وتضم الدول الأقل نموًا ذات الهياكل الاقتصادية الريعية البسيطة، التي قد تتأثر بصورة غير مباشرة عبر تراجع التدفقات الاستثمارية القادمة إليها في ضوء إعادة رسم خرائط الاستثمار الصناعي العالمي.

وتُشير دراسة أصدرها المعهد الأفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط (IDEP) التابع للأمم المتحدة عام 2024 إلى أن نحو 32 دولة أفريقية ستتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بـCBAM بحلول عام 2030، وأن الخسارة التراكمية المحتملة في الصادرات الأفريقية نحو الاتحاد الأوروبي قد تتراوح بين 4.8 و9.2 مليار دولار خلال الفترة 2026–2035 وفق سيناريوهات متعددة تتباين وفق مسارات سعر الكربون في ETS ومعدلات التكيّف الأفريقي. وقد حاول الاتحاد الأوروبي التخفيف من حدة هذه المخاوف بالإعلان عن آليات دعم تقني ومالي للدول النامية في إطار “الشراكة الخضراء”، غير أن المبالغ المُعلنة التي لا تتجاوز 245 مليون يورو موزّعة على ثلاث سنوات وفق تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2023 تبدو هزيلةً قياسًا بحجم التكيّف البنيوي المطلوب الذي يُقدّره الباحثون بعشرات المليارات.[11]

رابعًا: الأبعاد الحمائية لـ CBAM في ضوء الاقتصاد السياسي الدولي ونظرية التبعية الهيكلية:

يكشف التحليل المعمّق للسياق الذي وُلدت فيه آلية CBAM داخل الاتحاد الأوروبي عن تشابك مصلحي بالغ الدلالة؛ فعلى الرغم من صياغة الآلية في لغة بيئية خالصة، فإنها حظيت بدعم واسع من اتحادات الصناعة الأوروبية، ولا سيما رابطة الحديد والصلب الأوروبية (EUROFER) التي طالما طالبت بآلية تعديل حدودي لمنع ما وصفته بـ”تسرّب الكربون” (Carbon Leakage)، أي انتقال الإنتاج الصناعي الكثيف إلى دول لا تُطبّق تسعيرًا مكافئًا. وهنا يتقاطع البُعدان -المناخي والتنافسي- في مسار واحد، مما يُعسّر التمييز بين الدافع الحقيقي والتبرير المُعلن. وتُسلّط نظرية التبعية الهيكلية ضوءًا كاشفًا على هذه المعادلة؛ إذ تُقرّ في جوهرها بأن الدول النامية لا تواجه فقط تفاوتًا في الثروة، بل تفاوتًا في القدرة على صياغة قواعد النظام الدولي وتعديلها. وعلى حد تعبير راؤول بريبيش، فإن “المركز يُنتج القواعد والأطراف تخضع لها”، وهو ما تُجسّده حالة CBAM بجلاء، حيث صِيغت الآلية بمعايير تعكس البنية الصناعية الأوروبية وقدراتها المؤسسية دون أن تُفضي الاعتراضات الأفريقية إلى تعديلات جوهرية.[12]

ويزيد من إرساء البُعد الحمائي وضوحًا مؤشرٌ قانوني بالغ الأهمية؛ إذ رصدت دراسة أعدّها مركز الدراسات الاقتصادية التطبيقية في جامعة كيب تاون عام 2024 أن نحو 78% من الصادرات الأفريقية التي تستهدفها CBAM تُنتَج في دول تفوق فيها كثافة الكربون أوروبية بسبب افتقارها إلى تكنولوجيا إنتاج نظيفة في متناولها ماليًا، لا بسبب قصور في الإرادة السياسية للتحوّل الأخضر. وهذا يعني أن الآلية تُعاقب في جوهرها على الفقر التكنولوجي لا على الإهمال البيئي، وهو تمييز بالغ الأهمية في أي تقييم أخلاقي وقانوني لمشروعيتها. وعلى الصعيد القانوني متعدد الأطراف، تبرز إشكالية التوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية، ولا سيما المادتين الأولى والثالثة من الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) اللتين تحظران التمييز بين المنتجات المتشابهة وفقًا لمصدرها. وقد تقدّمت الهند وجنوب أفريقيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس – ECOWAS) بمذكرات قانونية رسمية إلى مجلس تجارة السلع في منظمة التجارة العالمية تُبدي تحفظات جوهرية حول هذا التوافق، وإن كانت آلية تسوية النزاعات في المنظمة تُفرز قراراتها في أفق زمني يمتد لسنوات.[13]

خامسًا: موقف الاتحاد الأفريقي والتكتلات الإقليمية وأدوات الاستجابة المتاحة:

أولى الاتحاد الأفريقي اهتمامًا متناميًا بملف CBAM منذ الإعلان عن مرحلتها الانتقالية، وتجلّى ذلك في جملة من المواقف الرسمية التي تكشف عن وعي قارّي متصاعد بأبعاد الإشكالية، وإن كانت أدوات التأثير الفعلي تظل قاصرةً عن مجاراة الثقل التفاوضي للطرف الأوروبي. وقد أصدر الاتحاد الأفريقي في قمته السابعة والثلاثين التي عقدت في أديس أبابا في فبراير 2024 بيانًا ختاميًا أعرب فيه عن “قلق بالغ” إزاء التداعيات المحتملة للآلية، مُطالبًا بمشاورات رسمية مع الاتحاد الأوروبي وفق مبدأ “المسؤوليات المشتركة والمتباينة” المُكرَّس في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ واتفاقية باريس.[14]

طرح الاتحاد الأفريقي ثلاثة خطوط تفاوضية رئيسية: أولها فترة استثنائية انتقالية للدول الأفريقية الأقل نموًا لا تقل عن عشر سنوات، وثانيها ربط عائدات CBAM بصناديق دعم التحول الأخضر في أفريقيا ضمانًا لعدالة توزيع عبء المسؤولية المناخية، وثالثها بناء قدرات مؤسسية مُموَّل أوروبيًا يُمكّن الدول الأفريقية من استيفاء متطلبات الامتثال الإجرائي. غير أن الاستجابة الأوروبية لهذه المطالب ظلت حتى الآن دون المستوى المطلوب، وتبقى مقتصرةً على وعود بـ “الحوار التقني” دون التزامات قانونية مُلزمة.

وعلى المستوى الإقليمي، أبدت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) موقفًا أكثر صرامة في اجتماع وزراء تجارتها في أبوجا في أبريل 2024، معلنةً أن الآلية بصيغتها الراهنة “تُشكّل قيدًا على التجارة يُخالف روح الشراكة التنموية”، وأنها تدرس سُبل الطعن فيها عبر آليات تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية.²² وفي السياق ذاته، تنسّق لجنة الاتحاد الأفريقي مع مجموعة دول أفريقيا وكاريبيان والمحيط الهادئ (ACP) لصياغة موقف تفاوضي موحّد يجمع 79 دولة نامية في مواجهة ما يصفه المفاوضون الأفارقة بـ”إملاءات المناخ أحادية الجانب”. بيد أن هشاشة الموقف التفاوضي الأفريقي تتكشّف حين تُوضع في الاعتبار المعطيات البنيوية؛ فأفريقيا تُمثّل 18% من سكان العالم، غير أن حصتها من التجارة العالمية لا تتجاوز 3% وفق بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2023، مما يُقلّص من ثقلها النسبي في أي مفاوضات تجارية.[15] يُضاف إلى ذلك أن التباين الداخلي بين الدول الأفريقية في درجة الاعتماد على السوق الأوروبية يُضعف التماسك الجماعي للموقف التفاوضي، إذ تميل الدول ذات العلاقات التفضيلية الأوثق مع أوروبا نحو البراجماتية التكيّفية بدلًا من المواجهة التفاوضية المفتوحة.

سادسًا: سيناريوهات مستقبل التصنيع والتجارة الأفريقية في ظل الآلية (2026–2035):

تُتيح الدراسة في ختام تحليلها رسمَ ثلاثة سيناريوهات متمايزة لمسار تأثير CBAM على التصنيع والتجارة الأفريقية خلال العقد المقبل، وذلك بالاستناد إلى المتغيرات التي يكشف عنها التحليل السابق:

  • السيناريو الأول – التطبيق الكامل دون تعديلات: وهو السيناريو الأساسي (BAU) الذي تستهدفه المفوضية الأوروبية راهنًا. وتُقدّر دراسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (ECA) الصادرة عام 2025 أن هذا السيناريو سيُفضي إلى تراجع حصة أفريقيا من الصادرات الصناعية الموجّهة للسوق الأوروبية بنسبة تتراوح بين 12% و18% بحلول عام 2030، فضلًا عن تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الصناعية كثيفة الانبعاثات بنسبة تُقدَّر بـ 15 %على المستوى القاري. [16]ويُحتمل في هذا السيناريو أن يُفضي “الانحباس الكربوني” (Carbon Lock-in) إلى تجميد إمكانية التصنيع التقليدي في أفريقيا قبل أن تُكمل القارة مسار تحوّلها الهيكلي.
  • السيناريو الثاني – التفاوض المُفضي إلى استثناءات مرحلية: وهو السيناريو التفاوضي المتفائل الذي يفترض تمكّن التكتلات الأفريقية من انتزاع استثناءات زمنية وتعويضات مالية كافية. وفي هذا الإطار، تُشير التقديرات إلى أن الخسائر التجارية يمكن تقليصها بنسبة تصل إلى 40% إذا ما اقترنت الاستثناءات ببرامج بناء قدرات حقيقية وتمويل مناخي عادل يصل إلى 30 مليار دولار سنويًا على مستوى القارة وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة.[17]
  • السيناريو الثالث – إعادة توجيه التجارة نحو الأسواق البديلة: ويفترض هذا السيناريو تسريع التكامل الأفريقي البيني في إطار منطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA) وتعزيز الشراكات الآسيوية والخليجية بوصفها بدائل جزئية للسوق الأوروبية. وتُشير بيانات لجنة الاتحاد الأفريقي لعام 2024 إلى أن التجارة البينية الأفريقية قد ارتفعت إلى 192 مليار دولار في 2023 مقارنةً بـ 132 مليارًا في 2019، وهو ما يكشف عن زخم يمكن البناء عليه.[18]

وختاما ، يكشف التحليل الذي قدّمته هذه الدراسة، مستندًا إلى مزيج نظري من الاقتصاد السياسي الدولي ونظرية التبعية الهيكلية، أن الإجابة عن السؤال المحوري “لماذا تُشكّل CBAM تهديدًا بنيويًا للتصنيع الأفريقي؟” تتمحور حول ثلاثة مستويات متداخلة: فعلى مستوى الآلية ذاتها، صُمِّمت وفق معايير تعكس القدرات المؤسسية الأوروبية ولا تستوعب هشاشة الأنظمة الإحصائية والتقنية الأفريقية. وعلى مستوى البيئة الدولية، تتمتع القوى الكبرى بقدرة صياغة قواعد النظام الاقتصادي الدولي بما يخدم مصالحها حتى حين تُصاغ هذه القواعد في لغة الصالح العام المناخي. وعلى مستوى الاستجابة الأفريقية، يُعاني الاتحاد الأفريقي من فجوة واسعة بين وضوح المطالب المبدئية وضعف الأدوات التفاوضية الفعلية.

وتُجسّدُ هذه المعادلة بامتياز ما رصده منظّرو التبعية من أن الفجوة التنموية لا تتجلى فقط في تفاوت الثروة، بل في تفاوت القدرة على المشاركة في صياغة قواعد اللعبة الدولية وتعديلها. وما لم تُفضِ الضغوط التفاوضية الأفريقية المتراكمة إلى انتزاع استثناءات مرحلية وآليات تعويض حقيقية، فإن الأفق الزمني 2026–2035 يُنذر بتراجع ملموس في حصة أفريقيا من التجارة الصناعية العالمية وتقليص لطموحاتها التصنيعية في لحظة هي في أمسّ الحاجة إلى تسريعها.


[1] United Nations Economic Commission for Africa (UNECA). ” Carbon Border Adjustment and African Trade Prospects: Scenarios 2026–2035.  Addis Ababa: ECA, 2024, p. 38

[2] World Trade Organization. ” World Trade Statistical Review 2024. Geneva: WTO, 2024, pp. 11–14

[3] UNCTAD. ” Trade and Development Report 2024: Rethinking Development in the Age of Discontent.”  Geneva: United Nations, 2024, pp. 44–47

[4] World Bank. “State and Trends of Carbon Pricing 2024.” Washington, DC: World Bank, 2024, p. 67.

[5] European Commission. ” The European Green Deal.” COM(2019) 640 final. Brussels: EC, December 2019, pp. 1–5: https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=COM:2019:640:FIN

[6] European Parliament Research Service. ” Briefing: Carbon Border Adjustment Mechanism — Implementation Timeline and Key Provisions.” PE 762.322. Brussels: EPRS, March 2024, pp. 3–7. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2024/762322/EPRS_BRI(2024)762322_EN.pdf

[7] World Bank. “State and Trends of Carbon Pricing 2024.” Washington, DC: World Bank, 2024, p. 67. https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/41189

[8] ¹¹ UNCTAD. ” Trade and Development Report 2024: Rethinking Development in the Age of Discontent.”  Geneva: United Nations, 2024, pp. 44,  https://unctad.org/publication/trade-and-development-report-2024  

[9] Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). ” Fertilizer Outlook in Sub-Saharan Africa 2023–2025: Supply, Demand and Policy Responses.“, Rome: FAO, 2024, p. 18. https://www.fao.org/3/cc9231en/cc9231en.pdf

[10] Nhancale, Benedito A., and Lars Müller. “CBAM and Mozambique’s Aluminum Industry: A Preliminary Assessment of Trade and Investment Impacts.” African Development Review 36, no. 2 (2024): 112

[11] European Commission. “Global Gateway and Green Partnership with Africa: Annual Progress Report 2023.” Brussels: EC, 2023, p. 9

[12] Cardoso, Fernando Henrique, and Enzo Faletto. “Dependency and Development in Latin America.” Translated by Marjory Mattingly Urquidi. Berkeley: University of California Press, 1979, pp. 16

[13] WTO Council for Trade in Goods. “Communication from India, South Africa, and the ECOWAS Group Regarding CBAM Compatibility with GATT Articles I and III.”  Document G/C/W/850. Geneva: WTO, 19 October 2023

[14] African Union. “Assembly of the African Union: 37th Ordinary Session — Decisions and Declarations.”  Assembly/AU/Dec.877.Addis Ababa: AU, February 2024, para. 19.

[15] World Trade Organization. “ World Trade Statistical Review 2024,”  p. 11

[16] United Nations Economic Commission for Africa (UNECA). “Industrial Development in Africa Under Carbon Constraints: Baseline Scenarios and Policy Options.” Addis Ababa: ECA, 2025, pp. 21

[17] United Nations Environment Programme (UNEP). “Adaptation Gap Report 2024: Climate Finance Needs for Developing Countries.” Nairobi: UNEP, 2024, pp. 33–38. https://www.unep.org/resources/adaptation-gap-report-2024

[18] African Union Commission. “African Continental Free Trade Area: Annual Trade Statistics Report 2024.” Addis Ababa: AUC, 2024, p. 14